العالم اليوم

حين ينقلب السحر على الساحر: كيف تحولت ورقة البوليساريو إلى عبء استراتيجي على الجزائر

  • أكادير اليوم – حسن كرياط//

في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة المغاربية خلال سبعينيات القرن الماضي، اتخذت القيادة الجزائرية قرارًا استراتيجيًا جعل من قضية الصحراء محورًا دائمًا في سياستها الإقليمية. كان الهدف واضحًا: إرباك المسار التنموي والسياسي للمغرب وإدخاله في نزاع طويل الأمد يستنزف قدراته. غير أن ما لم يكن محسوبًا بدقة هو أن هذا الخيار سيتحول مع مرور الزمن إلى قيد ثقيل يحدّ من حركة الجزائر نفسها، ويضعها في قلب أزمة مركبة تتجاوز حدود الصراع الثنائي.
على امتداد عقود، سخّرت الجزائر إمكاناتها السياسية والعسكرية والإعلامية لدعم جبهة البوليساريو، ونجحت إلى حد بعيد في جعل هذا الملف قضية مركزية داخل خطابها الرسمي، بل ومكوّنًا من مكونات تعبئة الرأي العام الداخلي. فقد جرى بناء سردية سياسية قائمة على وجود “تهديد خارجي”، تُستخدم لتبرير اختلالات داخلية وإعادة إنتاج شرعية النظام. غير أن هذه المقاربة، التي بدت فعالة في مراحل سابقة، أفرزت مع الوقت آثارًا عكسية، حيث تحولت إلى عبء بنيوي يقيّد القرار السياسي ويجعل من التراجع مكلفًا داخليًا وخارجيًا.
في المقابل، اعتمد المغرب استراتيجية مزدوجة تقوم على الحسم الميداني من جهة، والتراكم الدبلوماسي طويل النفس من جهة أخرى. ففي المرحلة العسكرية، تمكن من تثبيت توازن ميداني حاسم أنهى رهانات الحسم بالقوة، ليفتح المجال أمام معركة دبلوماسية أكثر تعقيدًا، لكنها أكثر حسماً على المدى البعيد. وقد أدركت الرباط مبكرًا أن كسب الشرعية الدولية يمر عبر المؤسسات الأممية، فركّزت جهودها داخل الأمم المتحدة، معتمدة على رؤية تدريجية قائمة على تفكيك الأطروحات المناوئة وبناء شبكة دعم دولي متنامية.
ومع تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، دخل النزاع مرحلة جديدة أعادت صياغة قواعد اللعبة، حيث لم يعد النقاش يدور حول مبدأ السيادة بقدر ما أصبح مرتبطًا بآليات التدبير والحلول الواقعية. ومنذ ذلك الحين، نجح المغرب في توسيع دائرة التأييد الدولي لمقترحه، مستفيدًا من تحولات جيوسياسية كبرى، ومن إعادة ترتيب أولويات القوى الدولية، ليحقق اختراقات متتالية عززت موقعه التفاوضي.
في السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة هذه التحولات بشكل لافت، حيث تكرّس دعم عدد من القوى الكبرى لمقترح الحكم الذاتي، وتزايدت القنصليات الأجنبية في الأقاليم الجنوبية، بما يعكس تحولًا عمليًا في مواقف العديد من الدول. في المقابل، وجدت الجزائر نفسها في وضع دبلوماسي معقد، حيث أصبح من الصعب الاستمرار في تقديم نفسها كطرف محايد، خاصة مع تنامي القناعة الدولية بدورها المباشر في النزاع.
هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة ظرفية، بل هو حصيلة مسار طويل من التراكمات، جعل من الورقة التي استُخدمت للضغط على المغرب عامل ضغط معاكس. فاستمرار الرهان على نفس المقاربة، في ظل تغير السياقات الدولية والإقليمية، أفضى إلى نوع من العزلة النسبية، وإلى توترات في العلاقات مع عدد من الشركاء الدوليين.
اليوم، يبدو أن معادلة الصراع دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد النزاع مجرد ملف إقليمي، بل أصبح اختبارًا لقدرة الفاعلين على التكيف مع التحولات الكبرى في النظام الدولي. وفي هذا السياق، يظهر أن المقاربة البراغماتية التي تبناها المغرب مكنته من تحويل التحدي إلى فرصة، بينما تجد الجزائر نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية.
إن ما يجري في هذا الملف لا يمكن اختزاله في صراع تقليدي، بل هو نموذج لتحولات أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم تعد الشعارات كافية، وأصبحت الواقعية السياسية والقدرة على بناء التحالفات هي المحدد الأساسي لموازين القوة. وفي ضوء ذلك، تبدو ورقة البوليساريو، التي استُخدمت لعقود كأداة ضغط، وكأنها تحولت تدريجيًا إلى عبء يفرض على صانع القرار الجزائري البحث عن مخرج أقل كلفة، في زمن لم يعد يقبل الجمود أو المناورات طويلة الأمد.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى