السياسة

أخنوش : إن تقديم حصيلة عمل الحكومة، يتقاطع مع سياق استثنائي مطبوع بدينامية تنموية متسارعة

أكادير اليوم – توصل الموقع بكلمة رئيس الحكومة عزيز أخنوش بمناسبة تقديم الحصيلة الحكومية 2021-2026 في،جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان، ننشرها كاملة تعميما لفائدتها:

عزيز أخنوش رئيس الحكومة:

“طبقا لأحكام الفصل 101 من الدستور. أتشرف بالحضور أمام مؤسستكم الموقرة في إطار هذه الجلسة الدستورية المشتركة.

لعرض حصيلة العمل الحكومي خلال الولاية 2021-2026، والتي تأتي بمبادرة من الحكومة.

إيمانا منا بأن الممارسة الديمقراطية الحقة، تشكل ثقافة ومنهجا دستوريا أصيلا، يجمع بين احترام التعددية وضمان شرعية المؤسسات.

بما يجعل من ممارستنا التمثيلية، حصنا للإرادة الجماعية للمواطنين.

ومنتهى غايتنا ومبلغ مقاصدنا في ذلك، هو العمل على خدمة المواطن المغربي، وتعزيز البعد الاجتماعي والاقتصادي لمسار التنمية الوطنية.

إن تقديم حصيلة عمل الحكومة، يتقاطع مع سياق استثنائي مطبوع بدينامية تنموية متسارعة.

كما أنها لحظة دستورية وازنة، ستسجلها الذاكرة الوطنية كمرحلة مفصلية من تاريخ أمتنا المغربية العريقة.

مرحلة لم تكن مجرد عبور ظرفي، وإنما محطة حاسمة لتجديد وعينا الجماعي، وإعادة ترتيب أولوياتنا الوطنية، وفق منطق الدولة القوية والمجتمع المتضامن.

فرغم المحيط الإقليمي غير المستقر، ومختلف التحديات والسياقات الصعبة داخليا وخارجيا.

فقد شكلت هذه الولاية الحكومية، عنوانا للصمود ومنطلقا لسلسلة من المكاسب التي تم تحقيقها بفضل تضافر الجهود الوطنية.

فبفضل الرؤية الملكية السامية، شهدت علاقة الدولة بالمواطن تحولا نوعيا، قوامه تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.

لنرسم بذلك معالم مغرب جديد، مبني على “تعاقد وطني مسؤول”.

لا مكان فيه للوعود والشعارات، بل رافعة للثقة المتبادلة والفعل الملموس.

ومهما استلزم هذا المسار من جهود وتضحيات، فإننا اليوم نجني ثمار نجاعة أداء مؤسساتنا الدستورية،

التي تواصل ترسيخ مبادئ الحكامة الحديثة ودعم مسار الإصلاح الديمقراطي.

فالجهود المبذولة طيلة الخمس سنوات الماضية، لم تكن أبدا تدبيرا إداريا جافا للقطاعات الأساسية.

بل تطلبت بلورة نظرة شمولية، سعت إلى تعزيز الانسجام بين القرار العمومي وانتظارات المواطنات والمواطنين.

واسمحوا لي، حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين؛

أن أشيد بروح المسؤولية الوطنية العالية،

التي ميزت تفاعل الحكومة مع كل التحديات الاجتماعية والاقتصادية تحت هذه القبة المحترمة.

حيث حولنا اجتماعاتنا وجلساتنا المشتركة، إلى أرضية لمواصلة البناء الديمقراطي.

وجعلنا من آليات التشريع والرقابة والتقييم، أدوات لصناعة المستقبل.

وإذ أتوجه إليكم، نوابا ومستشارين، بخالص الشكر على تعبئتكم والتزامكم،

وانخراطكم الثابت في خدمة المصالح العليا للمملكة،

لا تفوتني هذه المناسبة لأؤكد لكم بوضوح، أن ما تحقق من زخم تشريعي وتنظيمي استثنائي لم يكن وليد الصدفة.

بل ثمرة إرادة سياسية حقيقية، تُرجمت بالمصادقة الفعلية على أزيد من 847 نصا قانونيا وتنظيميا منذ بداية الولاية.

حيث إن هذا الرصيد الذي أفضى إلى إخراج أزيد من 110 قوانين و609 مراسيم تطبيقية إلى حيز الوجود.

ليس مجرد تراكم كمي للنصوص، بل إعادة صياغة كاملة وشاملة لترسانتنا القانونية التي مست حياة المواطن في أدق تفاصيلها،

مع ما رافق هذا المجهود من جرأة سياسية، في الانفتاح على المبادرة التشريعية البرلمانية.

وقد ترجمنا هذا البعد التشاركي فعليا، مع كافة مكونات ممثلي الأمة، بتخصيص اجتماعات مكثفة لدراسة ما مجموعه 437 مقترح قانون.

لنحقق بذلك قفزة نوعية، بزيادة بلغت 146 مقترحا مقارنة بالولاية السابقة.

قناعةً منا بأن جودة السياسات العمومية تُستمد من جودة قوانينها.

مكرسين نموذجا في توازن السلط وتكاملها الوظيفي، ونضجا في تجربتنا الحكومية والبرلمانية.

ذلك أن منهجيتنا كانت على الدوام، قائمة على “الإنصات المسؤول”، ولم تكن يوما “استعلاءً تدبيريا”،

وهو ما عزز من قوة المضمون السياسي والتنموي لهذه الحصيلة الحكومية.

نغتنم هذه المناسبة لنرفع إلى مقام صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أسمى عبارات التقدير والولاء،

معتزين بقيادته المتبصرة لمسيرة التقدم والبناء الوطني.

قيادة ملكية استطاعت، بحكمة وبعد نظر، أن تحول التحديات المتعاقبة إلى فرص للنهوض،

وأن ترسخ مفهوما متجددا للتنمية يقوم على التوازن بين القوة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

لقد قامت رؤية جلالة الملك الاستراتيجية على تلازم دقيق بين تحقيق التفوق الاقتصادي وصون مقومات الإنصاف الاجتماعي،

واضعة الإنسان في قلب كل الإصلاحات، بما يضمن كرامة المواطن ويعزز مكانته في إطار دولة الحق والمؤسسات.

وهي رؤية أسهمت في إحداث نهضة شاملة نقلت المملكة إلى مصاف الدول الصاعدة،

وجعلت من المغرب نموذجا إقليميا في الصمود والابتكار والقدرة على استثمار التحولات الدولية بما يخدم مسار التنمية والتقدم.

ولعل هذا الموقع المتقدم الذي تحتله بلادنا اليوم، باعتبارها ركيزة للاستقرار الإقليمي والقاري وقوة اقتصادية وديمقراطية صاعدة،

هو ما جعل من المغرب شريكا دوليا موثوقا به، ولا غنى عنه في محيطه الأورو-متوسطي والإفريقي وعلى الصعيد الدولي.

كما تعزز هذا الحضور الدولي بفضل الدور الطلائعي الذي تلعبه بلادنا في مكافحة الإرهاب والتطرف، وفي الإسهام الفاعل في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

ولا شك أن هذه المصداقية المتنامية والثقة الدولية المتزايدة، تتعزز أيضا بتوالي الانتصارات الدبلوماسية التي حققتها بلادنا لفائدة قضيتنا الوطنية الأولى،

من خلال الدعم المتزايد الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي.

وهي المبادرة التي أصبحت اليوم، في نظر المجتمع الدولي والقوى الكبرى، الحل الواقعي والجاد والوحيد القابل للتطبيق، من أجل تسوية هذا النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية.

فخلال السنوات الـــــ26 من العهد الزاهر لصاحب الجلالة، عرفت قضيتنا الوطنية تحولات استراتيجية غير مسبوقة، تميزت بتوسيع دائرة التأييد للمقترح المغربي لدى العديد من شركائنا الدوليين، وكسب دعم قوى دولية وازنة،

وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا، إضافة إلى عدد كبير من الدول العربية والإفريقية الشقيقة والصديقة التي جددت دعمها الثابت لسيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية.

وقد دخل هذا الملف مرحلة حاسمة مع اعتماد مجلس الأمن لقراره رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وهو قرار مفصلي أعاد التأكيد على الأسس الواقعية لهذا النزاع،

معتبرا مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أساسا جديا وذا مصداقية، ومنطلقا واقعيا لإطلاق مسار سياسي تفاوضي بين الأطراف المعنية.

وإذا كنا نعتز بهذا التحول المهم في المقاربة الدولية لهذا النزاع المفتعل، فإننا في المقابل نفتخر أيضا بالمقاربة التنموية المتبصرة التي أطلقها جلالة الملك منذ سنة 2015 لتنمية الأقاليم الجنوبية،

من خلال إطلاق سلسلة من الأوراش التنموية الكبرى التي أسهمت في إرساء نموذج تنموي حديث ومندمج، جعل من هذه الأقاليم فضاء للاستثمار والنمو والاستقرار.

ومن جهة أخرى، تعزز البعد الاستراتيجي لحضور المغرب في عمقه الإفريقي من خلال المبادرة الملكية الرائدة الرامية إلى تطوير الواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية.

وهي مبادرة استشرافية تروم تعزيز التعاون الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة التي تعيق تنمية المنطقة،

كما تعكس التزام المغرب الراسخ ببناء فضاء للتواصل الإنساني والتكامل الاقتصادي والإشعاع القاري والدولي.

وبقدر ما تثمن الحكومة الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع الملكي الكبير،

فإنها تؤكد أنها لم تدخر جهدا في مواكبة هذا الورش الإقليمي الطموح، سواء من خلال تعزيز القدرات السيادية لدول الساحل،

أم عبر تطوير علاقات تعاون قائمة على الربح المتبادل، والمساهمة في بناء فضاء متوسطي وإفريقي أكثر ترابطا وازدهارا.

إن هذا المسار الوطني المتميز،

مكن المغرب من ترسيخ دعائم مشروع مجتمعي متقدم،

وهو ثمرة تراكم تاريخي ومؤسساتي راسخ.

مسار تشكل عبر سنوات من العمل المتواصل والرؤية الواضحة، تحت القيادة الملكية الحكيمة، الغنية بدلالاتها الإنسانية،

والمشحونة بحس عال من المسؤولية تجاه المواطن وانتظاراته.

إنها قيادة جسدت أسمى معاني التضامن الوطني والحزم الاستراتيجي في حماية المجتمع وصون حقوقه الأساسية،

قيادة سعت، بالرغم من التحديات والأزمات المتعاقبة وتبعاتها على الوطن والمواطن وعلى الاقتصاد،

إلى استثمار هذه الظروف لإطلاق مبادرات إصلاحية جريئة، حولت الضغوط إلى فرص، والتحديات إلى أدوات لتعزيز مسار التغيير.

وهي قيادة ملكية متبصرة، تقرأ التحولات الدولية بعمق، وترسم أفق المغرب بثقة ووضوح،

رؤية ملكية يلتف حولها الشعب المغربي بكل مكوناته ومؤسساته.

ولا شك أن الانخراط المجتمعي الذي تم التعبير عنه إبان الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، يشكل دليلا واضحا على نضج ديمقراطي متقدم، يجعل من صناديق الاقتراع مرآة صادقة لإرادة الأمة.

فقد شكلت انتخابات الثامن من شتنبر 2021 محطة سياسية مهمة، عبر من خلالها المواطنون عن أولوياتهم وتطلعاتهم،

وساهمت في تكريس ثقتهم في المسار الديمقراطي والمؤسساتي لبلادنا.

كما كانت تلك الاستحقاقات نقطة انطلاق لبرنامج حكومي واضح المعالم، تحمله أغلبية متماسكة ومنسجمة،

تدرك أن العملية الانتخابية ليست مجرد تنافس سياسي عابر، بل مسؤولية تاريخية أمام الوطن والمواطنين.

وقد حرصنا في أداء مهامنا على تجسيد روح الدستور، مؤمنين بأن الشرعية الديمقراطية لا تكتسب فقط يوم الاقتراع، بل تصان كل يوم بالعمل الجاد وبالنتائج الملموسة.

كما استحضرنا باستمرار التوجيهات الملكية السامية وخطب جلالة الملك كأفق مرجعي يوجه عملنا ويحصن اختياراتنا من الارتجال.

وإننا لنعتز بالانخراط القوي لكل أعضاء الحكومة دون استثناء في هذا الورش الوطني،

في مشهد يؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمنع وحدة الصف حين يتعلق الأمر بخدمة الوطن.

فقد أبان الفريق الحكومي عن حس وطني عال في مواكبة مختلف الأوراش التنموية،

في لحظات كانت تتطلب الجرأة في اتخاذ القرار، لا الانتظار،

والفعل المسؤول، لا الاكتفاء بالتبرير.

لقد كان فريقا حكوميا جعل من الدقة والوضوح منهجا في العمل، ومن الفعالية والأثر الملموس معيارا للتقييم،

إذ إن المواطن لا يقيس النوايا، بل يقيس النتائج التي تنعكس على حياته ومعيشه اليومي.

ومن هذا المنطلق تمكنا من صياغة حلول تنموية حديثة وإطلاق خطط قطاعية واعدة، تراعي التحولات الكبرى التي يعرفها العالم،

وتستجيب في الوقت نفسه لانتظارات المجتمع وتحافظ على خصوصية نموذجنا المغربي المتفرد.

وهكذا تفاعلت الحكومة بمسؤولية وطنية مع مختلف السياقات، الداخلية منها والخارجية، دون انتظار أن تتحسن الظروف أو تتبدد الصعوبات.

لأن الإصلاح الحقيقي لا ينتظر اللحظة المثالية، بل يصنع في قلب التحديات.

كما تحلينا بالشجاعة السياسية اللازمة لتسريع وتيرة الإصلاحات،

إدراكا منا أن الجرأة في العمل الحكومي لا تكمن في إطلاق الوعود، بل في تحمل تبعات القرارات الصعبة.

ولهذا لم ننظر إلى الصعوبات يوما كعائق يوقف إرادتنا، بل تعاملنا معها باعتبارها اختبارا حقيقيا لصدق التزامنا السياسي تجاه الوطن والمواطنين.

وقد أتاح لنا هذا النهج بناء أرضية سياسية ومؤسساتية صلبة، تقوم على النضج والمسؤولية،

ترفض منطق المزايدات والشعارات، وتؤمن بالبناء التدريجي المستدام.

أرضية تجمع بين الطموح السياسي المشروع وواقعية التدبير، بعيدا عن الوعود الرنانة التي لا تترك أثرا حقيقيا في حياة الناس.

وبفضل هذا المسار استطعنا اتخاذ قرارات حاسمة بشأن عدد من الملفات والإشكالات التي تأجلت لسنوات،

لأن تدبير القضايا الصعبة يعد من بين الاختبارات الأساسية لأي عمل حكومي مسؤول.

ففي زمن تتسارع فيه التحولات، لم يعد العالم كما كان.

لم يعد مستقرا ولا قابلا للتنبؤ، بل صار يعيش على إيقاع اللايقين، حيث تتوالى الأزمات وتتداخل، دون فواصل واضحة.

من أزمات اقتصادية، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتقلبات حادة في الأسواق الدولية… إننا نعيش في مشهد عالمي متحرك لا يترك مجالا للانتظار، ولا يقبل أن يتخذ ذريعة للتبرير أو موضوعا للمزايدة السياسية،

لأن التحديات أكبر من أن تختزل في خطاب، وأعمق من أن تواجه بالشعارات.

في خضم هذا السياق المضطرب، برز مسار مغربي مختلف، مسار لم يُبنَ على انتظار انفراج الأوضاع، بل على القدرة على التكيف والمبادرة.

إن الواقع الذي نعيشه اليوم هو نتيجة رؤية اقتصادية طموحة، استطاعت أن تنقل التصورات إلى برامج، والبرامج إلى منجزات ملموسة، يلمسها المواطن في حياته اليومية.

هذا التحول كان نتاج إرادة استراتيجية واضحة، قادها بتبصر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من الاقتصاد الوطني رهانا سياديا بامتياز.

ومن خلال هذا التوجه، أعاد المغرب رسم موقعه على الساحة الاقتصادية الدولية، ليصبح فاعلا مؤثرا، لا متأثرا فقط بما يجري حوله.

ففي وقت اهتزت فيه اقتصادات كبرى، وتراجعت فيه نماذج كانت تقدم كمرجع، وانهارت فيه فرضيات الاستقرار، استطاع المغرب أن يثبت صلابة منظومته الاقتصادية، وأن يصنع استثناءه الخاص في زمن الاضطراب.

لم يربط مسار البناء بزوال الأزمات، بل واصل التقدم في قلبها، بثقة وإرادة واستشراف.

وقد تجسد هذا المسار في تبني خيار السيادة الاقتصادية، كخيار استراتيجي يعكس قوة المؤسسات ومتانة الاختيارات الهيكلية، ويؤكد أن بلادنا قادرة على التكيف مع أصعب الأزمات.

ولم يكن هذا المسار ليترجم إلى نتائج لولا توفر الشجاعة السياسية اللازمة لاتخاذ قرارات جريئة في لحظات دقيقة، حيث كان التردد ممكنا، وكانت المزايدة أقل كلفة.

لكن تم اختيار منطق الفعل بدل التردد، والاستباق بدل الانتظار، إيمانا بأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس إلا بمدى أثره على الحاضر وضمانه لمستقبل الأجيال.

وبفضل هذه الإرادة، تحقق تعاف ملحوظ في عدد من القطاعات الحيوية، وتم إطلاق برامج استعجالية للتشغيل، تحافظ على كرامة المواطن،

إلى جانب تعبئة إمكانيات مهمة لدعم صمود المقاولات، وحماية القدرة الشرائية، والحفاظ على توازن السوق الوطني.

وهكذا، في عالم لا يعترف بالثبات، يواصل المغرب تثبيت موقعه، لا باعتباره استثناء ظرفيا، بل كنموذج يختار أن يواجه اللايقين.

بالفعل، لا بالتبرير.

وبالإنجاز، لا بالمزايدة.

وامتدادا لهذه الدينامية، نجحت الحكومة في إرساء هوية جديدة لمنظومتنا الاستثمارية، قائمة على الثقة والوضوح وتقاسم المسؤولية.

فميثاق الاستثمار الجديد لا يندرج فقط ضمن إصلاح تقني، بل يعكس شراكة استراتيجية وتعاقدا مستقبليا بين الدولة والمستثمرين،

باعتباره أداة للإنعاش الاقتصادي ورافعة للنهوض بالقطاعات الواعدة،

والإسهام في تقليص التفاوتات المجالية، لأن التنمية التي تتركز في المدن الكبرى وحدها تظل غير كافية لتحقيق تنمية منصفة.

ولهذا سرعنا بتنزيل هذا الميثاق وفق خطة واضحة، تروم رفع مساهمة الاستثمار الخاص ليبلغ ثلثي الاستثمار الوطني في أفق سنة 2035،

انطلاقا من قناعة راسخة بأن الدولة تهيئ الشروط الضرورية وتفتح المجال لكل طاقات المبادرة والإبداع، تلك الطاقات التي تساهم بدورها إلى جانب الدولة في بناء الاقتصاد الوطني.

كما أقررنا أنظمة دعم مبتكرة يمكن أن تصل إلى 30% من قيمة المشاريع الاستثمارية، بما يضمن مزيدا من الجاذبية والنجاعة.

واليوم، تظهر النتائج نفسها بوضوح، وتدل على ما تم تحقيقه.

إذ صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 381 مشروعا بقيمة إجمالية تقدر بــــــ581 مليار درهم تروم خلق 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر،

من بينها 297 مشروعا منذ دخول الميثاق الجديد للاستثمار حيز التنفيذ، بقيمة 513 مليار درهم من شأنها أن تساهم في إحداث ما يناهز 201 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.

وفي إطار نظام الدعم الموجه للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، تم إقرار منح خاصة تكرس البعد الترابي للاستثمار وتعزز حكامته اللامتمركزة.

وهي منح تستهدف مهنا وقطاعات إنتاجية مهمة، تشمل حوالي 18 قطاعا أساسيا و54 نشاطا فرعيا، على امتداد كافة التراب الوطني.

وفي هذا الإطار، توصلت المراكز الجهوية للاستثمار إلى حدود نهاية شهر فبراير 2026 بما مجموعه 209مشاريع، صادقت اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار على 33 منها بإجمالي استثمارات بلغ 483 مليون درهم من شأنها إحداث حوالي 940 منصب شغل.

فالاقتصاد القوي لا يقوم على الشركات الكبرى وحدها، بل يحتاج كذلك إلى دينامية هذه الفئة من المقاولات الصغرى والمتوسطة بالنظر لأهميتها الاستثمارية،

حيث تمثل أزيد من 90% من نسيجنا الاقتصادي الوطني، ومساهمتها المباشرة في تحريك عجلة التشغيل على المستوى الترابي، وكذا الإدماج الفعلي للقطاع غير المهيكل.

كما تجسدت هذه الدينامية الاستثمارية في ارتفاع مداخيل الاستثمار الأجنبي المباشر، من 32.5 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 56 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تقارب 73%،

وهي رسالة ثقة واضحة من العالم، في حيوية الاقتصاد المغربي.

وقد واكبت الحكومة هذه الدينامية عبر ترسيخ مناخ أعمال تنافسي وموثوق، حيث تم تنفيذ نسبة كبيرة من خارطة الطريق الوطنية لتحسين مناخ الأعمال، كدليل على التعبئة الحكومية لتعزيز ريادة الأعمال واحتضان كل المبادرات التي تؤمن بأن المغرب أرض للفرص لا للعقبات.

حيث حولنا بلادنا إلى ورش مفتوح، تتقاطع فيه النجاعة الإدارية مع الرؤية الاستراتيجية.

من خلال تطوير جيل جديد من الخدمات الموجهة للمستثمرين والمقاولات.     بما يعيد تعريف العلاقة بين الإدارة والفاعل الاقتصادي على أساس الشفافية والفعالية.

كما شملت هذه الإصلاحات إحداث تغييرات عميقة في دور المراكز الجهوية للاستثمار، وإحداث اللجن الجهوية الموحدة للاستثمار.

التي أصبحت تضطلع بدور محوري في الإشراف الشامل على عمليات الاستثمار على المستوى الترابي.

حيث باتت تتولى المصادقة على اتفاقيات الاستثمار التي تقل عن 250 مليون درهم، في تجسيد واضح للا تمركز الإداري وتسريع تنفيذ المشاريع المحلية.

وقد صادقت اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار في هذا السياق، على 83 مشروعا من هذه الفئة، بإجمالي استثمارات يقارب 11 مليار درهم، ستساهم في خلق أزيد من 10.000 منصب شغل مباشر.

وهو ما يعكس إرادة سياسية حقيقية لترسيخ الجهوية المتقدمة وتذليل العقبات أمام المستثمرين، بما يساهم في توطين القيمة المضافة وتعزيز التنمية الجهوية.

ومن جهة أخرى، تمكنت الحكومة من إحداث تحول مهم في مسار الاستثمار العمومي، بإعادة الاعتبار لدوره كرافعة استراتيجية للأوراش الكبرى وأداة لتعزيز السيادة الاقتصادية،

حيث ارتفع حجمه من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة تناهز 65%.

وهي استثمارات وضعت تطوير البنيات التحتية في صلب مشروع التنمية الشاملة التي يقودها جلالة الملك نصره الله،

إذ شكلت هذه البنيات ركيزة أساسية للعديد من الاستراتيجيات القطاعية، وأسهمت في تعزيز موقع المملكة كمنصة لوجستية إقليمية رائدة،

وفي تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز ولوجية التراب الوطني وتيسير الاندماج المجالي، إضافة إلى الرفع من جاذبية المغرب كوجهة مفضلة للاستثمار.

كما أولت الحكومة عناية خاصة لضمان السيادة الصناعية وتعزيز تنافسية علامة “صنع في المغرب” في الأسواق العالمية،

من خلال مواصلة تنزيل برنامج بنك المشاريع الهادف إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الإنتاج المحلي في عدد من القطاعات الصناعية، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية،

بالإضافة إلى إطلاق برنامح متكامل لدعم البحث والتطوير والابتكار الصناعي، باعتباره رافعة أساسية لتعزيز التنافسية والارتقاء بالمنظومة الإنتاجية.

كما واصلت الحكومة إنجاز وتوسيع وإعادة تأهيل مشاريع البنيات التحتية الصناعية، من خلال التوقيع على 64 مشروعا بمبلغ استثماري إجمالي يفوق 16 مليار درهم، ساهمت الدولة فيها بحوالي 4,5 مليار درهم.

وستمكن هذه المشاريع من توفير حوالي 4.400 هكتار إضافية من العقار الصناعي، تشمل مناطق التسريع الصناعي والمناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية عبر مختلف جهات المملكة، على غرار توسيع منطقتي التسريع الصناعي طنجة-تك والقنيطرة،

وكذا إحداث مناطق جديدة بكل من فاس ومكناس وبنگرير وبوقنادل والصخيرات. ويمثل هذا الوعاء العقاري الجديد حوالي 30% من الرصيد الوطني الحالي المقدر بـ 14.500 هكتارا موزعة على 157 منطقة صناعية.

وقد ساهمت وتيرة نمو وتنوع الصادرات الصناعية خلال الفترة 2021-2025 في ترسيخ مكانة الصناعة كإحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني الصاعد، حيث بلغت حوالي 408 مليار درهم سنة 2025، مسجلة نموا إجماليا يقدر بـ44,5% مقارنة بسنة 2021، مدعومة بالأداء المتميز للمهن العالمية للمغرب وعلى رأسها صناعتي السيارات والطيران.

وفي مجال السيادة الطاقية، واصلت المملكة تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة،

حيث ارتفعت حصتها في المزيج الكهربائي من 37.1% سنة 2021 إلى حوالي%46,1  حاليا، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تقليص التبعية الطاقية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

كما أطلقت المملكة عرضا طموحا في مجال الهيدروجين الأخضر، عبر تعبئة مليون هكتار من العقارات الصناعية،

منها 300 ألف هكتار في مرحلة أولى، واستقبال أكثر من 40 طلبا للاستثمار من فاعلين وطنيين ودوليين،

تمت الموافقة على ثمانية مشاريع منها باستثمارات تقدر بحوالي 43 مليار دولار.

وتفعيلا للتوجيهات الملكية السامية لمواجهة الإجهاد المائي، وضمانا لاستمرارية تزويد المواطنين بمياه الشرب، والفلاحين بمياه السقي، عملت الحكومة على تحيين البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي للفترة 2020–2027،

مع رفع كلفته الإجمالية من 115 مليار درهم إلى حوالي 143 مليار درهم،

إلى جانب تسريع برامج تحلية مياه البحر التي بلغت طاقتها الإنتاجية حوالي 415 مليون متر مكعب عند نهاية سنة 2025،

مع توقعات ببلوغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق سنة 2030.

وهو ما سيمكن من تغطية نحو 60% من الاحتياجات الوطنية من الماء الشروب.

كما أطلقت الحكومة مشاريع كبرى لنقل المياه بين الأحواض المائية، خاصة بين حوضي سبو وأبي رقراق لتأمين التزود بالماء لمحور الرباط–الدار البيضاء لفائدة نحو 10 ملايين مواطن،

إضافة إلى الربط بين سد وادي المخازن وسد دار خروفة بشمال المملكة لتعزيز التزود بالماء الصالح للشرب وسقي آلاف الهكتارات.

وبالموازاة مع ذلك، تم إنجاز سبعة سدود كبرى بسعة تخزينية تناهز 1.7 مليار متر مكعب، بما يساهم في دعم الأمن المائي وتطوير المساحات المسقية.

ولأن الأمن الغذائي ليس شعارا سياسيا بل سياسة عملية تقاس بالأثر الفعلي على المواطن.

فقد واصلت الحكومة تنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر 2020–2030” بهدف تطوير فلاحة عصرية ومستدامة وتعزيز الأمن الغذائي الوطني،

إلى جانب إطلاق برامج دعم استثنائية بقيمة 20 مليار درهم لمواجهة آثار التغيرات المناخية.

وقد مكنت هذه التدابير الاستثنائية من توزيع 27 مليون قنطار من الشعير المدعم و8.5 مليون قنطار من الأعلاف المركبة لفائدة مربي الماشية،

في لحظات كانت فيها القطعان مهددة، والأسر القروية تواجه صعوبات قاسية بسبب توالي سنوات الجفاف.

كما أطلقنا إجراءات استباقية لدعم المدخلات الفلاحية، حيث تراوحت نسب الدعم بين 40% و70% للبذور لفائدة نحو 27 ألف فلاح، تغطي أكثر من 100 ألف هكتار.

فضلا عن ذلك، تم توفير 650 ألف طن من الأسمدة الفوسفاطية و3 ملايين قنطار من الأسمدة الأزوتية المدعمة لفائدة أكثر من 160 ألف فلاح خلال المواسم الفلاحية الممتدة بين 2023 و2025.

وقد تعززت هذه الجهود بإطلاق برنامج جديد لإعادة تكوين القطيع الوطني، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، بميزانية بلغت 12.8 مليار درهم،

يقوم على تقديم دعم مباشر للفلاحين بهدف تعزيز مواكبتهم والرفع من إنتاجيتهم في مجالي اللحوم والحليب،

وفي الوقت نفسه، واصلنا تحديث القطاع الفلاحي باعتباره ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وضمانة للأمن الغذائي،

في ظرف دولي يؤكد أن الدول التي تتهاون في سيادتها الفلاحية تخاطر باستقلاليتها.

وقد تم ذلك عبر اعتماد حلول مبتكرة ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر”، التي تعتبر الفلاحة قطاعا محوريا للمستقبل، يتجاوز كونه إرثا من الماضي.

كما عملنا على إرساء جيل جديد من التنظيمات المهنية الفلاحية بهدف دعم القدرات الإنتاجية ورفع الدخل الفلاحي،

وقد شمل ذلك دمج صغار الفلاحين في سلاسل الإنتاج، ودعم استدامة مشاريعهم، إلى جانب إطلاق مبادرات للفلاحة التضامنية تجعل من التعاون قوة إنتاجية حقيقية.

وفي هذا السياق، تم توقيع 19 عقد-برنامج باستثمار إجمالي بلغ 110 مليارات درهم، ساهمت فيها الدولة بـ42 مليار درهم، في تجسيد واضح لدورها كشريك فاعل في التنمية.

كما تم تفعيل آليات للنهوض بالرأسمال البشري في العالم القروي عبر مواكبة جيل جديد من الشباب والنساء، الذين يمثلون اليوم الوجه المتجدد للفلاحة المغربية.

وذلك على الرغم من الظروف المناخية، مما يظهر نجاعة الاختيارات الاستراتيجية في المجال الفلاحي.

وقد أسهمت هذه السياسات في تعزيز القيمة المضافة الفلاحية التي ارتفعت من 102 مليار درهم سنة 2020 إلى حوالي 110,5 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تفوق 8%، ومن المتوقع أن تصل هذه القيمة إلى 130 مليار درهم سنة 2026.

وهو تطور يعكس تحسنا ملموسا في أداء القطاع وفي أوضاع الساكنة القروية.

وعلى صعيد آخر، عملت الحكومة على الارتقاء بقطاع الصيد البحري في إطار الرؤية الملكية السديدة لمخطط “أليوتيس”.

وفي هذا الإطار تم إطلاق خارطة طريق جديدة لتعزيز مكانة المغرب في مجال الاقتصاد الأزرق، الذي أصبح رهانا اقتصاديا عالميا متناميا.

وقد انعكست هذه الدينامية على ارتفاع القيمة المضافة للقطاع لتبلغ حوالي 16 مليار درهم سنة 2024، بزيادة قدرها 2 مليار درهم مقارنة بسنة 2022.

كما ارتفعت قيمة المنتجات البحرية إلى 15 مليار و 500 مليون درهم، بزيادة  مليار و750 مليون درهم مقارنة بالسنة نفسها.

وهو ما يعكس دينامية قطاع الصيد البحري،

الذي يساهم في تعزيز التشغيل المباشر وتأمين السوق الوطني من المنتجات السمكية بأسعار معقولة.

وعلى صعيد آخر، شهد قطاع السياحة تطورا استثنائيا جعل المغرب من بين الوجهات السياحية الأكثر جاذبية في العالم.

فقد تمكنت بلادنا من استقبال حوالي 19.8 مليون سائح، بزيادة 53% مقارنة بسنة 2019.

كما سجلت مداخيل السياحة مستوى قياسيا بلغ 138 مليار درهم بارتفاع قدره 75%، مقارنة مع سنة 2019.

وهو ما يعكس الدينامية الكبيرة التي يعرفها القطاع ومساهمته المتزايدة في الاقتصاد الوطني.

ويعود هذا الأداء الإيجابي إلى تنزيل خارطة الطريق السياحية للفترة 2023–2026، التي رصدت لها ميزانية إجمالية تناهز 6 مليارات درهم.

وتهدف إلى تطوير العرض السياحي المغربي وتعزيز جاذبية الوجهة المغربية عبر تأهيل البنية الفندقية وتشجيع الأنشطة السياحية وتوسيع شبكة النقل الجوي.

وفي السياق ذاته، شهد قطاع الصناعة التقليدية تحولا مهما، حيث أصبح يشكل رافعة حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي لأكثر من 2.6 مليون حرفي.

وقد تم إطلاق “رؤية 2030” لتحديث القطاع وجعله أكثر تنافسية، مع الحفاظ على جذوره الثقافية والتراثية.

كما تم توسيع الاستفادة من الحماية الاجتماعية لفائدة الصناع التقليديين من خلال تعميمها لفائدة أكثر من 660 ألف مهني في القطاع.

وقد ساهمت هذه الجهود في تجاوز صادرات الصناعة التقليدية عتبة 1.23 مليار درهم سنة 2025، بزيادة قدرها 56% مقارنة مع سنة 2019.

وفي إطار تعزيز الاقتصاد التضامني، تم إطلاق استراتيجية وطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بميزانية بلغت 368 مليون درهم،

بهدف دعم التعاونيات والمقاولات الاجتماعية وتأهيل حكامتها.

وقد أسهمت هذه الدينامية في ارتفاع عدد التعاونيات إلى 63.445 تعاونية تضم أكثر من 778 ألف منخرط،

وهو ما يعكس تحول الاقتصاد التضامني إلى نموذج اقتصادي حقيقي يساهم في التنمية، حيث أصبح يمثل حوالي 3% من الناتج الداخلي الخام ويوفر نحو 5% من فرص الشغل على المستوى الوطني.

حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين،

إن هذا المنحى الإيجابي الذي نستعرض أهم مؤشراته أمامكم اليوم،

يمثل دليلا واضحا على أن المغرب يسير بثبات في الاتجاه الصحيح.

فهذه الأرقام ليست غاية في حد ذاتها،

بل هي شهادة حية على مسار إصلاحي متواصل يترجم في تطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

وقد تأكدت فعالية هذا المسار من خلال قدرتنا على تحصين التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني في ظرفية دولية صعبة،

شهدت فيها العديد من الدول اضطرابات عميقة وفقدانا للسيطرة على مؤشراتها الأساسية.

أما المغرب فقد استطاع بفضل اختياراته المتبصرة أن يحافظ على استقراره الاقتصادي وأن يعزز دينامية نموه.

فقد عرفت نسب النمو الاقتصادي منحى تصاعديا تدريجيا،

حيث انتقلت من 1.8% سنة 2022 إلى 4,8% سنة 2025، وهو تطور يعكس نتائج سياسات اقتصادية مدروسة لا مجرد تحسن ظرفي.

بمتوسط نمو سنوي يقارب  4,5% خلال الفترة 2021-2025، مقارنة ب 2,1% فقط خلال الفترة 2016-2021.

كما يتوقع أن يحقق هذا الأداء قفزة نوعية ليتجاوز 5% مع نهاية سنة 2026، مما يؤكد دخول الاقتصاد الوطني مرحلة جديدة من النمو الأكثر استدامة وقدرة على مواجهة الصدمات.

وقد ساهم في هذا التحسن، الانتعاش القوي للطلب الداخلي،

إلى جانب التطور الملحوظ للأنشطة غير الفلاحية،

فقد ارتفعت القيمة المضافة لهذه الأنشطة بمعدل يقارب 4% سنويا، منتقلة من 3.8% سنة 2022 إلى 4.5% سنة 2024،

وهو ما يشكل مؤشرا بارزا على عمق بنية الاقتصاد الوطني وتعدد محركاته.

كما انعكس هذا الأداء الاقتصادي إيجابا على سوق الشغل،

حيث تم خلق حوالي 850 ألف منصب شغل خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، أي بمعدل يقارب 170 ألف منصب سنويا.

وهو ما يمثل وتيرة تشغيل مضاعفة مقارنة بالفترات السابقة،

التي لم يتجاوز فيها متوسط خلق فرص الشغل 64 ألف منصب سنويا خلال الفترة 2011–2016 و90 ألف منصب سنويا بين 2016 و2021.

وفي حال استمرار الدينامية المسجلة سنة 2025، والتي شهدت خلق 233.000 منصب شغل غير فلاحي، فمن المنتظر أن يتجاوز العدد الإجمالي لمناصب الشغل المحدثة في القطاعات غير الفلاحية مليون منصب شغل بحلول نهاية 2026، وبالتالي تجاوز التحديات التي فرضها توالي سنوات الجفاف وتأثيرها المباشر على فرص الشغل في القطاع الفلاحي.

ومن المهم التأكيد أن هذه الدينامية لم تقتصر على خلق فرص الشغل فقط،

بل ساهمت أيضا في تحسين جودة التشغيل وتقليص نسبة العمل غير المؤدى عنه،

خاصة وأن جزءا مهما من المناصب الفلاحية التي فقدت كانت مناصب غير مستقرة وغير منتظمة،

وقد دفعت الحكومة بضرورة مواصلة هيكلة سوق الشغل، حيث ارتفع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من حوالي 283 ألف سنة 2020 إلى نحو 470 ألف سنة 2024، أي بزيادة تناهز 66%.

وهو ما يجعل التحول نحو الشغل اللائق تحولا نوعيا في بنية سوق الشغل.

وفي إطار تعزيز هذه الجهود، أطلقت الحكومة خارطة طريق جديدة للتشغيل بغلاف مالي يناهز 14 مليار درهم،

تروم خفض معدل البطالة إلى حوالي 9% في أفق سنة 2030، مع خلق 1.45 مليون منصب شغل صاف ورفع عدد الساكنة النشيطة إلى 12.1 مليون مواطن.

كما سجلت المؤشرات الاقتصادية الأخرى تطورا إيجابيا، خاصة فيما يتعلق بمعدلات التضخم التي انخفضت بشكل ملحوظ لتبلغ حوالي 0.8% عند متم سنة 2025،

بعد أن كانت في حدود 6.6% سنة 2022، وهو ما ساهم في التخفيف من الضغط على القدرة الشرائية للأسر.

وفي مجال المالية العمومية، تمكنت الحكومة من تقليص عجز الميزانية إلى 3,5% سنة 2025 بعد أن بلغ 5.5% سنة 2021،

مع طموح لخفضه إلى 3% مع نهاية سنة 2026، في إطار تدبير مسؤول ومتوازن للمالية العمومية.

كما تم وضع مستوى المديونية العمومية في مسار تنازلي ليبلغ حوالي 67,2% سنة 2025، بعدما بلغ 71.4% سنة 2020،

مع توقعات باستقراره في حدود 65,9% مع نهاية سنة 2026، وهو ما يعكس تحسنا تدريجيا في توازناتنا المالية.

وقد تعززت هذه الدينامية بارتفاع الموارد العادية للدولة، التي انتقلت من 256 مليار درهم سنة 2021، لتصل إلى 424 مليار درهم سنة 2025،

ويتوقع بلوغها 433 مليار درهم مع نهاية سنة 2026.

حيث سجلت زيادة تراكمية بلغت 195 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025،

بمعدل نمو سنوي متوسط يقارب 13,2%، وبارتفاع يقارب 65,6% مقارنة بسنة 2021.

كما عرفت المداخيل الجبائية بدورها تطورا مهما، مسجلة نموا سنويا متوسطا بلغ حوالي 11,5% خلال نفس الفترة،

إذ ارتفعت من 214,6 مليار درهم سنة 2021، لتصل إلى 342,1 مليار درهم سنة 2025،

محققة زيادة تراكمية بلغت 143,3 مليار درهم، وارتفاعا قدره 60% مقارنة بسنة 2021.

وقد تواصلت هذه الدينامية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، حيث ارتفعت المداخيل الضريبية الصافية بنسبة 9.3% لتبلغ 116.3 مليار درهم، مقابل 106.49 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

فيما بلغت المداخيل الجمركية 36,2 مليار درهم متم مارس 2026، مقابل 33,9 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة قدرها 7%.

وتعكس هذه النتائج عودة النسيج الاقتصادي الوطني إلى ديناميته،

كما تؤكد في الوقت نفسه، الأثر الإيجابي للإصلاحات العميقة التي عرفها النظام الضريبي، والتي ساهمت في توسيع الوعاء الجبائي وتعزيز العدالة الجبائية.

إن هذه المؤشرات مجتمعة تبعث برسائل قوية حول متانة الاقتصاد الوطني وثقة مختلف الفاعلين فيه،

سواء المواطن الذي يلمس نتائج السياسات العمومية في حياته اليومية،

أو المستثمر الذي يجد في المغرب بيئة اقتصادية مستقرة وجذابة.

أو المؤسسات الدولية التي تؤكد هذه الدينامية من خلال تقييماتها وتصنيفاتها.

وهو ما جعل بلادنا خلال الولاية الحكومية الحالية، محل تقدير دولي كبير، بفعل حكامة مؤشراتها المالية والاقتصادية،

ففي سنة 2023، خرجت المملكة بشكل نهائي من عملية المراقبة المعززة المعروفة بالقائمة الرمادية، بعد موافقة مجموعة العمل المالي (GAFI) بالإجماع، بفضل التفعيل الأمثل لخطة العمل في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

كما توالى هذا المسار سنة 2025، باستعادة بلادنا تصنيف الدرجة الاستثمارية «Investment grade» الذي فقدته في أعقاب الأزمة الصحية العالمية، بعدما راجعت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف السيادي للمغرب من BB+/B إلى BBB-/A-3 مع نظرة استشرافية مستقرة.

وقد توجت هذه الريادة في مارس 2026، بمراجعة الآفاق المستقبلية لتصنيفنا السيادي من “مستقرة” إلى “إيجابية” مع تثبيت التصنيف عند Ba1 من طرف وكالة موديز بالنسبة للدين الطويل الأمد.

إن المؤشرات التي نقدمها أمام أنظاركم، يمكن اعتبارها شهادة ميلاد لمرحلة جديدة تعكس القوة المتصاعدة لاقتصادنا الوطني وصلابة دعاماته المالية.

حيث حرصنا منذ بداية الولاية، على جعل تحسين التوازنات الماكرواقتصادية التزاما قطعيا،

إيمانا منا بأن الاستقرار المالي هو الضمانة السيادية اللازمة، لاستدامة تمويل الحقوق الاجتماعية للمغاربة،

وصمام الأمان الذي يفتح أمامنا آفاقا غير مسبوقة لتعبئة الثروة الوطنية، وتوجيهها بشجاعة نحو تمويل الكرامة، ودعم الدولة الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار المنتج.

واليوم، يحق لنا أن نؤكد بوضوح، وفاءنا بالتزامنا الجوهري، بعد أن تمكنا من بناء اقتصاد قوي في خدمة الإنسان،

ونواصل السير بثبات وفخر، نحو مستقبل نصنعه بعزيمة وإرادة وطنية.

لقد كنا مقتنعين منذ البداية بأن تحصين الأمن الاقتصادي لا يتحقق فقط بصناعة المؤشرات والأرقام،

بل بخلق فرص اجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لأن اقتصادا ينمو دون أن ينعكس على واقع المواطنين هو اقتصاد يحقق الازدهار لفئة قليلة ويترك الأغلبية على الهامش.

واليوم يمكننا القول بكل ثقة، إننا نجحنا في إعادة توجيه بوصلة الاستثمارات نحو الأولويات الاجتماعية الحقيقية،

لأن جوهر السياسة العمومية يبقى واحدا: وضع الإنسان في قلب كل قرار وكل إصلاح.

وبهذا التوجه وضعنا الأسس الصلبة لبناء الإنسان المغربي المؤهل تعليميا، المحمي صحيا، والمستقر اجتماعيا،

إدراكا منا بأن مغرب القرن الواحد والعشرين لن يبنى بالبنيات التحتية وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان قبل كل شيء.

إننا فعلا أمام تحول عميق في مفهوم المواطنة، حيث لم تعد الحقوق الاجتماعية مجرد امتياز تمنحه الدولة متى شاءت وتسحبه متى عجزت،

بل أصبحت استحقاقا دستوريا تلتزم الدولة بضمانه وتتحمل مسؤولية التقصير فيه.

وبفضل الإرادة السياسية الصادقة، تمكنا من التنزيل الفعلي والتاريخي لورش الدولة الاجتماعية كما أراده جلالة الملك محمد السادس، نصره الله،

ورش لم يبق حبيس النصوص بل أصبح واقعا ملموسا في حياة ملايين المغاربة.

وقد تجسد ذلك في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل حوالي 15.5 مليون مواطن إضافي، يستفيدون اليوم من خدمات التغطية الصحية الأساسية،

كما تحملت الدولة اشتراكات تجاوزت 27 مليار درهم لفائدة الفئات الهشة في إطار نظام “أمو تضامن”،

في تعبير واضح عن أن التضامن ليس مجرد خطاب بل التزام مالي حقيقي داخل السياسات العمومية.

وفي السياق نفسه، فتحنا صفحة جديدة في تاريخ التضامن الوطني عبر تمكين حوالي 4 ملايين عائلة من الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر،

في إطار مقاربة جديدة تقوم على تعزيز دقة الاستهداف وتحسين آليات الحكامة، بما يكرس نجاعة أكبر في توجيه الدعم إلى الفئات المستحقة، ويحد من تشتت البرامج وتعدد المتدخلين.

وقد بلغ مجموع المبالغ المصروفة لفائدة المستفيدين من الدعم إلى متم يناير 2026 حوالي  52 مليار درهم، منها  33 مليار درهم خصصت للإعانات الموجهة لحماية الطفولة، و19 مليار درهم للإعانات الجزافية.

ويشمل هذا الدعم، على سبيل المثال، 5,5 مليون طفل وأزيد من 396.000 أرملة، حوالي 308.000 منهن بدون أطفال. دون إغفال أزيد من (1) مليون مستفيد ممن تتجاوز أعمارهم 60 سنة.

أما في قطاع الصحة، فلم نكتف بمعالجات ظرفية أو إصلاحات جزئية،

بل أطلقنا إصلاحا هيكليا شاملا يهدف إلى إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة تعيد للمواطن ثقته في المرفق الصحي العمومي.

وفي هذا الإطار ارتفعت ميزانية قطاع الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026،

أي أكثر من الضعف خلال خمس سنوات، لأن الصحة ليست عبئا ماليا بل استثمارا في الإنسان والإنتاجية والكرامة.

كما حرصنا على تحديث البنية التحتية الصحية وتحسين حكامتها المؤسساتية ورد الاعتبار للموارد البشرية عبر نظام تحفيزي مادي ومعنوي أكثر إنصافا.

لأن طبيبا بلا تحفيز، ومستشفى بلا تجهيز، لا يمكن أن يقدما خدمة صحية تليق بالمواطن.

وإلى جانب ذلك أطلقنا مسار رقمنة القطاع الصحي بما يضمن عدالة مجالية حقيقية في الولوج إلى العلاج، لأن الرقمنة في هذا المجال ليست ترفا تقنيا بل أداة لتحقيق المساواة في الخدمات الصحية.

فلا ينبغي أن يكون هناك فرق في الحق في العلاج بين مواطن يعيش في مركز حضري وآخر في منطقة بعيدة، وهو التزام واضح نضعه أمام المواطنين بكل مسؤولية.

ولأن الرعاية الصحية الأولية تمثل خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين.

تمكنت الحكومة من الوفاء بالتزامها باستكمال تأهيل حوالي 1.400 مركز صحي أولي من الجيل الجديد بميزانية بلغت 6.4 مليار درهم،

مما فتح المجال لإطلاق مرحلة ثانية من البرنامج تروم إعادة تأهيل 1.600 مركز صحي إضافي، بغلاف مالي يناهز 7 مليار درهم، في إطار مقاربة شمولية تستهدف تأهيل البنيات التحتية الصحية وتقريب الخدمات من المواطن.

كما عملت الحكومة على استكمال برنامج طموح لتعميم كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والمراكز الاستشفائية الجامعية، حيث تم بلوغ 11 كلية على الصعيد الوطني، عقب إحداث 4 كليات جديدة،

فيما يتواصل تنزيل برنامج تعميم المراكز الاستشفائية الجامعية بمختلف جهات المملكة في أفق سنة 2027، مع مواصلة تحديث تجهيزاتها وتعزيز قدراتها البيداغوجية والاستشفائية،

بما يساهم في تحقيق توازن مجالي أفضل وتقليص للفوارق في الولوج إلى التكوين والخدمات الصحية على حد سواء.

لأن الجهة التي تفتقر إلى مؤسسات التكوين الطبي تبقى رهينة المركزية الصحية.

ومن أجل تعزيز الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجهوية والإقليمية تم إنجاز 29 مشروعا استشفائيا بين سنتي 2022 و2025،

مما أتاح إضافة 3.168 سريرا جديدا لتعزيز القدرة الاستشفائية الوطنية.

كما تواصل الحكومة استكمال إنجاز 20 مستشفى جديدا خلال سنة 2026 بطاقة استيعابية إضافية تقارب 3.067 سريرا،

إلى جانب برمجة 15 مشروعا استشفائيا جديدا بطاقة تناهز 1.810 أسِرّة، في مسار متواصل لتعزيز العرض الصحي.

موازاة مع ذلك، جعلنا من قضايا التربية والتكوين ركيزة أساسية لبناء مستقبل البلاد.

لأن الدولة التي تقصر في تعليم أبنائها، تضعف قدرتها على مواجهة تحديات الغد.

ومن هذا المنطلق اعتبرنا إصلاح المدرسة العمومية والارتقاء بالجامعة المغربية وتعزيز مؤسسات التكوين المهني خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه،

يهدف إلى تمكين الشباب من الاندماج في سوق الشغل وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد اخترنا الاستثمار في طاقات شبابنا وتمكينهم من فرص التكوين والتأهيل بما يعزز استقرارهم الاجتماعي ويجعل منهم رافعة حقيقية للتنمية، لأن الشباب المؤهل هو أفضل جواب على تحديات المستقبل.

وهكذا فقد تم توسيع التعليم الأولي ليشمل %80 خلال الموسم الدراسي 2025-2026، أي ما يعادل 985.000 طفل مستفيد،

مع تطور واضح في جودة العرض التربوي وبنياته التحتية، من أجل تحسين الأثر على الأطفال والأسر، كمرحلة أساسية في بناء مدرسة الجودة والإنصاف.

كما شهدت مدارس الريادة توسعا كبيرا، حيث انتقلنا من 626 مدرسة ابتدائية سنة 2023 إلى 4.626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي الحالي تضم نحو مليوني تلميذ وتلميذة.

ويتوقع أن تغطي 80% من المدارس الابتدائية ابتداء من السنة المقبلة.

في السياق نفسه، تم توسيع هذا النموذج ليشمل السلك الإعدادي،

حيث بلغت إعداديات الريادة 786 مؤسسة خلال السنة الجارية، لفائدة 677.586 تلميذا وتلميذة.

وقد تم تجهيز هذه المؤسسات بأحدث الوسائل والتجهيزات البيداغوجية، بما يضمن تحسين جودة التعلمات وتطوير الممارسات التربوية داخل الفصول الدراسية.

وقد استفاد أكثر من 80 ألف أستاذة وأستاذ من تكوينات جديدة خاصة بمنهجية مدارس الريادة، مع مواكبة وتأطير من طرف أكثر من 960 مفتشا تربويا لهذا الورش الإصلاحي.

وبطبيعة الحال، لم نغفل كذلك تحسين ظروف التمدرس، خاصة في العالم القروي.

حيث عملنا على:

رفع عدد التلاميذ المستفيدين من الداخليات إلى أكثر من 172 ألف تلميذ هذه السنة،

ورفع عدد المستفيدين من النقل المدرسي إلى حوالي 700 ألف تلميذ،

كما قدمنا دعما ماليا للأسر خلال الدخول المدرسي لفائدة 3 ملايين و400 ألف تلميذ، بكلفة إجمالية بلغت 738 مليون درهم.

كما لا بد من التوقف عند وضعية الأطر التربوية والإدارية، باعتبارها عنصرا أساسيا في نجاح أي إصلاح تربوي.

فقد كنا مقتنعين منذ البداية بأن رد الاعتبار لرجال ونساء التعليم يشكل أولوية هيكلية في إصلاح قطاع التربية والتكوين.

ولهذا شكلت نهاية سنة 2023 وبداية سنة 2024 محطات مفصلية في مسار تحسين أوضاع نساء ورجال التعليم، حيث تم التوصل إلى اتفاقات مهمة مع النقابات التعليمية بخصوص عدد من الملفات العالقة.

حيث صادقت الحكومة على النظام الأساسي الجديد لموظفي التربية الوطنية، الذي يهم حوالي 336 ألف موظف في القطاع.

وتم كذلك طي ملف الأساتذة المتعاقدين نهائيا، والذي كان يهم أكثر من 114 ألف أستاذ.

وقد تم إقرار زيادات مهمة في الأجور ابتداء من 1.500 درهم لفائدة مختلف الفئات، فيما ستتجاوز الكلفة الإجمالية للاتفاق مع النقابات التعليمية 17 مليار درهم بحلول سنة 2027.

في حين، تم تجديد النظام الأساسي للأساتذة الباحثين داخل الجامعة المغربية، بعد أزيد من 20 سنة من الانتظارية،

وذلك عبر تحسين الوضعية المادية لهذه الفئة بزيادة شهرية قدرها 3.000 درهم صافية، بما يعزز دورهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لمنظومتنا الجامعية الوطنية.

كما عملت الحكومة على تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال إصلاح بيداغوجي شامل وتوسيع للعرض الجامعي بهدف ملاءمة حاجيات المحيط السوسيو اقتصادي،

حيث تم الرفع من عدد المسالك البيداغوجية إلى 4.238، ومن الطاقة الاستيعابية للجامعات العمومية، من خلال إحداث 15 مؤسسة جامعية جديدة، وفرت أزيد من 70 ألف مقعدا جديدا، والرفع من عدد الأساتذة الجامعيين ب 16%،

بالإضافة إلى تعزيز الخدمات الاجتماعية للطلبة من خلال الرفع من الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية بنسبة 15% لتصل ما مجموعه 60 ألف سرير برسم الموسم الجامعي 2024-2025.

كما أولت الحكومة أهمية كبرى لتطوير القطاع المهني، من خلال مواصلة إفتتاح مدن المهن والكفاءات بمختلف جهات المملكة، وإحداث 59 مؤسسة تكوينية جديدة، وكذا إطلاق حزمة من الإصلاحات الجوهرية للمناهج البيداغوجية،

وذلك انسجاما مع التعليمات الملكية السامية التي تضع تأهيل الشباب في صلب أولوياتها، ولجعل هذا القطاع أكثر استجابة لمتطلبات سوق الشغل المتجددة.

كما لا يفوتني التذكير على أن الحكومة، وفاء لالتزاماتها، أطلقت برنامج «جواز الشباب»، الذي يوفر عددا من الخدمات لفائدة الشباب المغربي استجابة لتطلعاتهم وإدماجهم في السياسات العمومية المعتمدة لصالح هذه الفئة.

ومنذ الإعلان عن هذا البرنامج، تم تسجيل أزيد من 250.000 شابة وشاب، مما يمكنهم من الاستفادة من العروض والخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي تتيح الانخراط المثالي للشباب في مغرب التنمية والتطور الذي يريده صاحب الجلالة لهذه الفئة.

لقد جعلت الحكومة من تحسين مداخيل الأسر المغربية غاية مقاصدها، ليس من خلال إقرار الدعم المباشر، ولا من خلال تعميم التأمين الإجباري عن المرض فحسب..

بل كذلك عبر تدخلات موجهة، كان الهدف منها حماية القدرة الشرائية للمواطنين…

إذ لم نترك المواطن المغربي يواجه المجهول وحيدا، عندما شهدت الأسواق العالمية اهتزازات متتالية.

حيث تحملت الدولة عبئا ماليا بلغ حوالي 135 مليار درهم عبر صندوق المقاصة للحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية،

وذلك حتى لا تضطر الأسر المغربية إلى التضحية بحاجياتها المعيشية الأساسية.

وتتويجا لهذه الدينامية الاجتماعية حرصنا على تعزيز الحوار الاجتماعي مع مختلف الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين في إطار من المسؤولية والتوافق.

وقد أسفر هذا الحوار عن توقيع اتفاقات مهمة طال انتظارها،

استفاد منها أكثر من 4,2 مليون من الأجراء، وهي اتفاقات تعكس إرادة حقيقية لتحسين أوضاع الشغيلة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

كما تم إقرار زيادات مهمة في الأجور في القطاعين العام والخاص بكلفة إجمالية تناهز 46 مليار درهم في أفق سنة 2026،

مرفوقة بمراجعة عميقة للضريبة على الدخل،

خاصة عبر إعفاء الأجور الشهرية التي تقل عن 6.000 درهم من الضريبة،

وتخفيض السعر الهامشي الأعلى من 38% إلى 37%.

وإضافة إلى ذلك، تم رفع الخصم السنوي عن الأعباء العائلية من 360 إلى 500 درهم عن كل شخص.

ذلك أن الأجر الكريم ليس مطلبا اجتماعيا فقط، بل رافعة أساسية للنمو الاقتصادي.

وفي هذا السياق نفسه، قمنا بتنفيذ البرنامج الملكي للدعم المباشر للسكن، مما مكن أكثر من 96.000 أسرة من الحصول على سكن لائق، لأن السكن ليس ترفا بل أساس الاستقرار الاجتماعي وركيزة الكرامة الإنسانية.

وهكذا يشكل هذا المسار استثمارا حقيقيا في مستقبل السلم الاجتماعي والتنمية البشرية.

لقد واصلت الحكومة ديناميتها الإصلاحية العميقة بهدف إحداث تحول حقيقي في مختلف مجالاتنا الترابية،

انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن الإصلاح الذي يتوقف عند حدود المركز،

لا يمكن أن يكون إصلاحا شاملا، بل امتيازا جغرافيا لا ينسجم مع طموح مغرب الإنصاف والتوازن.

ولهذا عملنا على تمكين كل جهة من التحول إلى قطب اقتصادي قائم بذاته، يخلق الثروة ويوفر فرص الشغل لأبنائه،

لأن المغرب لا يكتمل إلا حين تنبض كل جهاته بنفس الحيوية وتتحقق التنمية في كل ربوعه دون استثناء.

وقد وضعنا مبدأ العدالة المجالية في صلب سياساتنا العمومية، واشتغلنا على تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية،

ومن هنا جاء التوجه نحو توطين استثمارات نوعية تعيد الثقة إلى فضاءاتنا المحلية، وتجعل من المدن والقرى فضاءات للفرص بدل أن تكون نقاطا للهجرة والنزوح.

وفي هذا السياق، بصمت هذه الحكومة على محطة مهمة في مسار ترسيخ الجهوية المتقدمة، تلك الرؤية الملكية المتبصرة التي أعادت تعريف العلاقة بين المركز والمجال الترابي،

وجعلت من الجهات فاعلا أساسيا في التنمية.

فخلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2027 تمكنا من إعداد جيل جديد ومبتكر من برامج التنمية الجهوية وتصاميم إعداد التراب،

جيل يقوم على التخطيط للمستقبل بدل الاكتفاء بمنطق الترقيع ومعالجة الاختلالات بشكل ظرفي.

كما عملنا على تعزيز حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة،

حيث انتقلت من 30% إلى 32%،

وهي خطوة قد تبدو تقنية في ظاهرها لكنها تعني عمليا مشاريع تنموية وخدمات أساسية وطرقا ومدارس في مختلف مناطق المملكة.

وفي الاتجاه نفسه تمت مواصلة تحويل اعتمادات مهمة لفائدة الجهات؛

بغلاف مالي يقدر بحوالي 10 مليارات درهم سنويا، تم رفعه مؤخرا، استجابة للتوجيهات الملكية السامية، إلى 12 مليار درهم.

ذلك أن جهة بلا موارد مالية تبقى جهة محدودة القرار والقدرة على الفعل.

وبموازاة ذلك قطعنا أشواطا مهمة في تسريع ورش اللاتمركز الإداري عبر مراجعة شاملة للتصاميم المديرية للاتمركز،

كما عززنا التنسيق بين القطاعات الحكومية من خلال إحداث أربع تمثيليات إدارية مشتركة، في خطوة تعكس إرادتنا في تجويد القرار الترابي وتقريب الدولة أكثر من المواطن.

وفي السياق ذاته عملنا على تحسين تدبير المشاريع والبرامج القطاعية وتعزيز حكامتها المالية وفق مبدأ التكامل والتعاضد بين مختلف المتدخلين،

لأن التنمية التي لا تتكامل عناصرها تتحول إلى إنجازات متفرقة تفتقد الأثر الشامل.

وقد امتد هذا الطموح الترابي ليشمل أيضا تنزيل البرنامج الملكي المتعلق بتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية،

باعتباره أداة مالية ومؤسساتية مندمجة تهدف إلى ضمان الولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية.

وهي خدمات ظل بعض المواطنين ينتظرونها لعقود طويلة.

فقد ارتفع عدد الجماعات التي تتوفر على منظومة متكاملة من الخدمات الأساسية من 502 جماعة سنة 2016 إلى 743 جماعة حاليا،

أي بزيادة بلغت حوالي 48%، وهو ما يعكس التحسن التدريجي في ظروف العيش في العديد من المناطق.

وقد ساهمت هذه النتائج في تعزيز الجاذبية الاقتصادية للمناطق المستهدفة ورفع مستويات الاندماج الاجتماعي، خاصة لدى الشباب والنساء…

كما يأتي إطلاق جلالة الملك، حفظه الله، لجيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ليشكل محطة جديدة في مسار إصلاح الحكامة الترابية،

بمثابة ميثاق تنموي يعيد هندسة العلاقة بين الدولة والتراب والإنسان.

هذا الميثاق يحمل ملامح انتقال تنموي جديد يسعى إلى تأهيل الجهات بشكل متوازن.

ومن هذا المنطلق شرعنا في تفعيل هذا التحول التدبيري الكبير من خلال التركيز على أولويات أساسية تتعلق بالتشغيل والخدمات الاجتماعية واستدامة الموارد المائية،

مع الحرص في الوقت ذاته على ضمان توزيع عادل للاستثمار وتثمين الخصوصيات الاقتصادية لكل جهة.

والغاية من كل ذلك هي صون كرامة المواطن أينما وجد داخل الوطن، لأن الكرامة لا تتجزأ ولا تعترف بالفوارق الجغرافية.

وفي موازاة هذه الأوراش الترابية، فتحنا ورشا واسعا لتحديث الإدارة العمومية وجعلها أكثر فعالية وقربا من المواطن،

ومن هنا سعينا إلى جعل المرفق العام فضاء للثقة والشفافية،

وقد سلكنا في هذا الاتجاه مسارا واضحا لتبسيط المساطر الإدارية، عبر تسهيل الولوج إلى المعلومة ونشر أكثر من 2700 قرار إداري يهم حوالي 120 قطاعا مختلفا.

كما تم العمل على تقليص التعقيدات المرتبطة بالاستثمار من خلال تبسيط 22 مسطرة إدارية، بما ساهم في تقليص نحو 45% من مسار معالجة الملفات الاستثمارية،

لأن كل مسطرة تبسط تعني استثمارا يشجع ووقتا يوفر.

وإدراكا منا لضرورة جعل المغرب قطبا رقميا لتسريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة،

سارعت الحكومة إلى إطلاق أولى مراحل تنزيل استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية،

وهي استراتيجية تهدف إلى تسريع التحول الرقمي عبر رقمنة الخدمات الإدارية وإطلاق منصات إلكترونية متقدمة.

كما تروم هذه الاستراتيجية بناء اقتصاد رقمي حديث يقوم على تطوير قطاع ترحيل الخدمات،

ولبلوغ الأهداف المسطرة، تم الرفع من الميزانيات المخصصة لهذا الغرض، حيث انتقلت ميزانية استثمار القطاع من 11,7 مليون درهم سنة 2021 إلى 1,6 مليار درهم سنة 2024. مما ساهم في خلق 148 ألف منصب شغل في القطاع.

كما تم في هذا السياق، تعزيز البنيات التحتية للاتصالات 5G، وتوسيع خدمات الحوسبة السحابية، إلى جانب تطوير الأوفشورينغ، ودعم الشركات الناشئة، ومواكبة ذلك بتكوينات متطورة لفائدة الشباب، مناسبة للمعايير التقنية العالمية المطلوبة لولوج الشغل في هذه المجالات.

ومن المنتظر أن تساهم هذه المقاربة في خلق حوالي 240 ألف فرصة عمل في أفق سنة 2030، إلى جانب إرساء منظومة محفزة للتكوين والاستثمار والتشغيل.

وبذلك نؤسس لفضاء إداري واقتصادي مبتكر يعزز مكانة المغرب كقطب إقليمي صاعد في مجال الاقتصاد الرقمي.

ومن زاوية أخرى، واستكمالا للأبعاد الاجتماعية للعمل الحكومي،

حرصنا على مواكبة هذه الديناميات الإصلاحية بخطة طموحة لتعزيز سيادة القانون وترسيخ الأمن القضائي، لأن الحقوق لا يمكن أن تستقيم دون قضاء مستقل وفعال.

وقد انخرطنا في بناء نموذج متطور للعدالة يرسخ المعنى الحقيقي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية،

وفي هذا الإطار، نجحت الحكومة في استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية وترسيخ شروط المحاكمة العادلة،

عبر إطلاق مراجعة عميقة لمختلف المهن القانونية والقضائية واعتماد تنظيم قضائي جديد يتلاءم مع الحاجيات والقضايا المطروحة على المستويين المركزي والترابي.

إضافة إلى إعداد منظومة قانونية إجرائية متكاملة، تسعى إلى تثمين المكتسبات ومعالجة النقائص التي أظهرتها الممارسة العملية.

فالإصلاحات التشريعية الجديدة لكل من المسطرة الجنائية والمدنية، تروم في مجملها تأمين نجاعة العدالة المغربية وتجويد مساراتها؛

سواء من خلال الانسجام مع نوعية القضايا المستجدة، أو عبر وضع قواعد لحماية المجتمع من الجريمة.

فضلا عن نجاح الحكومة في إحداث نقلة نوعية في مجال السياسة العقابية ببلادنا، ومنح إمكانيات أوسع للمقاربات الوقائية وإعادة إدماج المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية داخل المجتمع.

حيث شكل إصدار قانون العقوبات البديلة توجها حكوميا مبتكرا، نعتبره بمثابة تصور جديد للعدالة ومفهوما متقدما للعقوبة بمنطق إنساني ووقائي.

تنبني مضامينه على إصلاح الفرد وتأهيله انسجاما مع أفضل النماذج الدولية المقارنة، مما يجعل المغرب من بين التجارب الملهمة التي سلكت خيار العدالة التصالحية؛ كخيار استراتيجي.

وهو تصور متقدم لمنظومة العدالة ببلادنا، يروم أنسنة العمل القضائي وتمكين مرتفقي محاكم المملكة من خدمات تقوم على الجودة والقرب والثقة.

لقد برهنت هذه الحصيلة الحكومية أنها لم تكن مجرد استجابة ظرفية للإكراهات والأزمات،

بل شكلت محطة للتأسيس الهيكلي القائم على النجاعة والمردودية، واختبارا حقيقيا لصدق الانتماء لهذا الوطن وتملك روح المسؤولية تجاه مستقبله.

اختبار مكننا من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة وصناعة الريادة الاستراتيجية،

إنها هندسة إصلاحية شاملة، نجحت في التوفيق بين الطموح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية،

لأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المؤشرات الماكرو-اقتصادية، بل بمدى انعكاسها على مستويات التنمية البشرية وجودة عيش المواطنين …

وقد عملنا كذلك على تحويل الثقة في المستقبل إلى مشروع وطني جامع، وإلى عقد اجتماعي متين يعزز الصلة بين المواطنين ومؤسساتهم…

وهكذا فإن مغرب اليوم، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، لم يعد مجرد اقتصاد ناشئ يسعى إلى تثبيت موقعه،

بل أصبح شريكا استراتيجيا فاعلا، ومنصة قارية قادرة على توطين الاستثمارات وتحويل التحديات الجيوسياسية إلى رافعات للنمو.

كما يظل المغرب مؤمنا بأن قوته الحقيقية تكمن في قوة محيطه الإقليمي والقاري، ومع شركائه في ترسيخ مزيد من التنمية والاستقرار.

وبحكمة القيادة الملكية المتبصرة التي توجه هذا المسار بثبات وثقة، التي جعلت منه قطبا مرجعيا في الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

ومن أبرز تجليات هذه الثقة الدولية اختيار المملكة لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.

وهو حدث عالمي لم يأت صدفة، بل شكل تتويجا طبيعيا لمسار طويل من العمل والإصلاحات والإنجازات التي راكمتها بلادنا خلال السنوات الماضية،

وكدليل واضح على جاهزية منظومتنا الوطنية، السياسية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية لرفع مختلف التحديات.

إن الحصيلة التي كان لي شرف تقديمها بين أيديكم اليوم لا يمكن اختزالها في قطاع دون آخر، ولا في مؤشر معزول عن باقي المؤشرات، بل هي حصيلة حكومية شاملة، تهم الاقتصاد كما تهم الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل والاستثمار، وتترجم رؤية إصلاحية متكاملة تم تنزيلها في سياق دولي يتسم باللايقين وتوالي الأزمات.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتقادات التي تحاول تجزيء هذه الحصيلة أو عزل بعض مظاهر الإكراه عن سياقها العام، تتجاهل أن ما تحقق هو ثمرة عمل حكومي اشتغل في ظروف استثنائية، حيث لم تكن التحديات ظرفية، بل بنيوية وعالمية.

لا.. ومع ذلك، تم إطلاق أوراش كبرى في تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتحديث المدرسة العمومية، ودعم الاستثمار، وتحفيز التشغيل،

وهي إصلاحات لم تكن سهلة ولا شعبوية،

بل تطلبت جرأة في القرار ووضوحا في الرؤية،

إصلاحات حملتها حكومة منسجمة وأغلبية متماسكة،

نساء ورجال جعلوا خدمة الصالح العام والمصلحة الفضلى للوطن والمواطنين، فوق أي اعتبار سياسي أو فئوي.

نحن لا ندعي الكمال، لكننا نرفض منطق التبخيس الذي يتغذى من المزايدة، لأن المغاربة اليوم يميزون بين من يشتغل ومن يعلق، بين من يتحمل المسؤولية ومن يحمل معاول الهدم لكل شيء إيجابي تحقق.

فالحصيلة الحكومية ليست مجرد أرقام تعرض، بل هي مسار إصلاحي يلمسه المواطن في حياته اليومية، ويتجسد في خدمات تتحسن، وفرص تخلق، وحماية اجتماعية تتوسع.

واليوم، ونحن على أعتاب استحقاقات جديدة، فإن الدفاع عن هذه الحصيلة ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن خيار الإصلاح والاستمرار فيه، لأن ما تم بناؤه خلال هذه الولاية يشكل أساسا لمغرب أقوى وأكثر عدالة.

أما السجال العقيم، فلن يغير من واقع الإنجازات شيئا، ولن يقدم بديلا حقيقيا ينتظره المواطن.

لهذا، سنواصل العمل بالعزم نفسه، والنفس الإصلاحي ذاته، حتى آخر يوم في هذه الولاية، دفاعا عن مكتسبات تحققت في زمن الأزمات، واستعدادا لرفع سقف الطموح أكثر في المستقبل، لأن الرهان لم يكن يوما ظرفيا، بل هو رهان دولة ومسار وطن.

واسمحوا لي، رغم لغة الأرقام ومنطق الحصيلة، أن أفتح معكم قوسا… وبكلمة صادقة من القلب، بلا شك ستصل إلى كل القلوب المنصفة.

إن مسار المسؤولية، كما تعلمون جميعا، لم يكن يوما مفروشا بالورود؛ بل هو طريق مليء بالتحديات والامتحانات العسيرة.

لقد واجهنا أزمات متلاحقة، وضغوطا لم تكن في الحسبان، وعشنا لحظات قاسية تطلبت منا الصبر والثبات، والكثير من التضحيات.

واتخذنا قرارات لم تكن سهلة أبدا، لكنها كانت ضرورية لبناء مستقبل متين والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية لبلادنا، في زمن تطبعه حالة من عدم اليقين.

مسؤولية رئيس الحكومة هي امتحان يومي للضمير، ولحس المسؤولية، والجدية..

.. هي أن تستيقظ كل صباح وأنت تحمل على عاتقك أمانة جلالة الملك وملايين المغاربة، مدركا أن بعض القرارات قد تكون صعبة.

كان من الممكن اللجوء إلى الشعبوية لتحقيق مكاسب انتخابية وسياسية، لكن بمنطق المسؤولية وترجيح المصلحة العليا للوطن، فإن ذلك لم يكن خيارا ممكنا.

قد تبدو بعض الاختيارات قاسية في لحظتها، لكنها كانت العلاج الضروري لضمان العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشة، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

فالمسؤولية الحقيقية تقتضي أن توضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

لقد اخترنا، بوعي كامل، ألا ننشغل بالردود الهامشية..  فزمن التنمية لا يمكن هدره في المزايدات والسجالات..

ترفعنا عن الإساءات والضغوطات والحملات الممنهجة.. ليس ضعفا، بل لأننا:

• نؤمن أن قوة المسؤول هي قدرته على ضبط النفس حين تشتد العواصف.

• نؤمن أن رقي الأخلاق في ممارسة السياسة هو أسمى ما يمكن أن نتركه للأجيال.

• نؤمن أن “العمل هو الذي يتحدث”، وأن النتائج هي الحكم الوحيد والنهائي.

عند تقييم ما تحقق، لا بد للمرء أن يتأمل بصدق وتجرد، بعيدا عن كل حسابات السياسة وما يصاحبها من صخب، ليطرح على نفسه سؤالا جوهريا: ماذا أنجزنا كما ينبغي، وأين كان بإمكاننا أن نكون أفضل؟

هنالك سعادة حقيقية تغمرني، كإنسان قبل أن أكون مسؤولا، حين أرى أثر الإصلاح في عيون أم بقرية نائية، أو شاب وجد فرصة عمل، أو أسرة شعرت بالأمان الاجتماعي.

لكن، في المقابل، يبقى هنالك شعور بعدم الاكتمال، وإحساس ثقيل بالمسؤولية كلما تذكرنا أن هناك انتظارات لا تزال قائمة.

خمس سنوات مدة قصيرة جدا في عمر الزمن التنموي، وحين يكون الطموح بحجم المغرب، يصبح الزمن خصما عنيدا.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أعبر عن عميق امتناني وتقديري لكل من واكبنا وساهم معنا في هذه التجربة الحكومية، التي جعلت من الانتقال الاجتماعي عنوانا لها ومسارا لعملها:

• إلى زملائي الوزراء الذين تحملوا معي ثقل المسؤولية والإصلاحات الصعبة.

• إلى الأغلبية البرلمانية التي دعمت الحكومة بكل موضوعية.

• إلى المعارضة البناءة التي راقبت عملنا بنوع من الإنصاف والمسؤولية.

• إلى حلفائنا في الأغلبية على دعمهم السياسي وحرصهم على الانسجام والتنسيق.

•إلى نساء ورجال الإدارة المغربية، “جنود الخفاء” الذين يعملون بتفان بعيدا عن الأضواء.

• وإلى كل شريك آمن بأن مغرب الغد، المغرب الصاعد يبنى بتضحيات اليوم.

إن جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، هو من غرس في هذا الوطن روح الإرادة والطموح،

في وقت كان فيه البعض يشكك في إمكانية التقدم والنجاح.

جلالته هو من استشرف ملامح المغرب الصاعد حين كان آخرون لا يرون سوى الصعوبات والتحديات.

وهو من جعل من الرهانات التي بدت مستحيلة إنجازات واقعية وموثقة،

وحول الحلم الجماعي للمغاربة إلى مشروع حضاري متكامل.

وما نعرضه اليوم من أرقام ومؤشرات وإنجازات وأوراش كبرى ليس سوى ترجمة ملموسة لهذه الرؤية الملكية المتبصرة…

التي جعلت من مصلحة المواطن أولوية دائمة.

إنها رؤية ملك يحمل هم شعبه في وجدانه، ويجعل من مستقبل المغرب أفقا دائما للعمل والبناء.

فله منا أسمى عبارات الوفاء والامتنان،

وللمغرب منا العزم الصادق على مواصلة هذا المسار،

بثقة في المستقبل، وإيمان راسخ بقدرتنا الجماعية على تحقيق المزيد من التقدم والازدهار.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى