أكادير اليوم

النموذج التنموي الجديد ومشاريع التنمية المندمجة: “سوس ماسة” كمنصة لتنزيل جيل جديد من المشاريع المستدامة

  • ​أكادير اليوم – ذ.رشيد فاسح* //

​لطالما كان الرهان التنموي في المغرب يواجه عقبة “القطاعية المنعزلة” أو كجزر معزولة متباعدة، حيث تتحرك المشاريع في خطوط متوازية لا تلتقي، مما يهدر الزمن التنموي ويشتت الإمكانات. غير أن بزوغ “النموذج التنموي الجديد” أحدث قطيعة منهجية مع هذا الماضي، فارضاً فلسفة “الالتقائية” كشرط أساسي لنجاعة الفعل العمومي. ومن هنا، تبرز مشاريع التنمية المندمجة ليس كترف تنظيمي، بل كعملية جراحية لتنزيل هذه الرؤية الاستراتيجية على مستوى المجالات الترابية.

​إن الجوهر الحقيقي لهذا التحول يكمن في الانتقال من “تنمية البنيات” إلى “تنمية الإنسان والمجال”. فالمشروع المندمج اليوم هو ذلك الذي يزاوج بين الطموح الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية و المجالية، والحفاظ على الرأسمال اللامادي والإيكولوجي. وفي عمالة أكادير إداوتنان، نجد تجليات حية لهذه المقاربة التي تحول الشعارات إلى واقع ملموس.

​أكادير إداوتنان: مختبر للتنمية المندمجة

تعد مشاريع “برنامج التنمية الحضرية لأكادير 2020-2024” نموذجاً حياً لهذه الالتقائية. فمشروع “تأهيل قصبة أكادير أوفلا”، مثلاً، ليس مجرد ترميم لأسوار تاريخية، بل هو مشروع مندمج يربط بين الذاكرة الجماعية، والجذب السياحي، وتوفير فرص شغل للشباب المحلي، مع مراعاة المعايير البيئية في التهيئة.

​وفي ذات السياق، يبرز مشروع “المنتزه الطبيعي لتالبرجت القديمة ” والمشاريع السياحية بـ “تغازوت باي”، كنموذج للمشاريع التي تحاول التوفيق بين الاستثمار السياحي الضخم والحفاظ على النظم البيئية الهشة. هنا، تصبح التنمية المندمجة هي الصمام الذي يمنع تغول العمران على حساب الغطاء الغابوي أو الموارد المائية.

​أما في عمق إداوتنان، فتتجلى التنمية المندمجة في مشاريع “السياحة القروية والإيكولوجية”، حيث يتم ربط فك العزلة عن المداشر بتثمين المنتجات المحلية (كالأركان والعسل والنباتات العطرية والطبية) وخلق دور ضيافة مستدامة. هذا الترابط هو الذي يضمن بقاء الساكنة في أرضها ويحول “الهامش” إلى “مركز” منتج.

​الاستدامة تعتبر البوصلة الحتمية

في نجاح هذه النماذج الحية بأكادير إداوتنان رهين بمدى صمودها أمام تحدي “الإجهاد المائي” والتغيرات المناخية. فالمشروع المندمج الذي لا يضع تدبير المياه والطاقات المتجددة في صبغه الوراثي، يظل مشروعاً ناقصاً. إننا اليوم بحاجة إلى تعميم هذه “العدوى الإيجابية” لتشمل كل جماعات العمالة، لضمان نمو متوازن يقلص الفوارق بين الحاضرة وأريافها.

إن مشاريع التنمية المندمجة اليوم هي “الترجمة الميدانية” لروح النموذج التنموي الجديد. إنها دعوة للذكاء الجماعي لابتكار حلول محلية برؤية وطنية، تجعل من أكادير إداوتنان قاطرة حقيقية للتنمية المستدامة والمنصفة.

* ذ.رشيد فاسح ناشط بيئي ، فاعل ومهتم بقضايا البيئة والتنمية المستدامة

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى