
عبد الرحمان شنا: طاطا بنية اجتماعية واقتصادية تعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات
- أكادير اليوم – حاوره محمد خوشي //
حوار مع الفاعل المدني و الحقوقي الاستاذ عبد الرحمان شنا رئيس مؤسس الأمل للتنمية تنمية ديمقراطية-تشارك حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بمنطقة طاطا بين التحديات البنيوية وافاق التنمية
كيف تقيمون الوضع الاجتماعي والاقتصادي الحالي في المناطق الهامشية، خصوصاً بإقليم طاطا؟
إذا أردنا تقييم الوضع بشكل موضوعي، فيمكن القول إننا أمام بنية اجتماعية واقتصادية تعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات، إن لم نقل عقود. فالمناطق الهامشية، ومنها طاطا، لم تستفد بالشكل الكافي من ثمار التنمية التي شهدتها بعض الحواضر الكبرى.
على المستوى الاجتماعي، نلاحظ استمرار مؤشرات الهشاشة، سواء من حيث نسب الفقر أو ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية. فعدد من الدواوير لا تزال تعاني من صعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، كالخدمات الصحية قريبة، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة عيش السكان.
أما على المستوى الاقتصادي، فالوضع أكثر تعقيدا، نظرا لاعتماد الساكنة على أنشطة تقليدية محدودة المردودية، مثل الفلاحة المعاشية والرعي. هذه الأنشطة أصبحت اليوم مهددة بفعل التغيرات المناخية، خصوصا مع توالي سنوات الجفاف، مما أدى إلى تراجع الإنتاجية وتدهور القدرة الشرائية.
إضافة إلى ذلك، هناك إشكال مرتبط بالعزلة المجالية حيث اصبحت المنطقة طرد الساكنة حيث تحولت الساكنة من 117,841 نسمة خلال احصاء2014 الى 111,757 نسمة سنة 2024،اي انخفاض بنسبة 5,16٪ كما سجلنا ضعف البنيات التحتية الأساسية خاصة الطرق، و انعدام المطار يجعل من الصعب ربط هذه المناطق بمحيطها الاقتصادي، وبالتالي يحد من فرص الاستثمار والتنمية بهذه المنطقة الحدودية.
ما هي أبرز الإشكالات الاجتماعية التي ترصدونها من خلال عملكم الجمعوي؟
من خلال تجربتنا الميدانية، يمكن رصد مجموعة من الإشكالات المتداخلة. أولا، هناك الفقر متعدد الأبعاد، الذي لا يقتصر فقط على الدخل، بل يشمل كذلك ضعف الولوج إلى التعليم العالي (غياب كلية متعددة التخصصات) من يحد من متابعة الدراسات الجامعية في بعض التخصصات والصحة (غياب الاطباء ) والسكن اللائق…
وكذلك وضعية النساء في هذه المناطق تستدعي اهتماما خاصا، حيث تتحمل المرأة القروية أعباء كبيرة، سواء داخل الأسرة أو في الأنشطة الفلاحية، دون أن يقابل ذلك تمكين اقتصادي أو اعتراف كاف بدورها. كما أن نسبة الأمية في صفوف النساء لا تزال مرتفعة، مما يحد من فرص اندماجهن في دينامية التنمية.
ثالثا، فئة الشباب تعيش نوعا من الإحباط، نتيجة غياب فرص الشغل وانعدام آفاق واضحة للمستقبل، ما يدفع الكثير منهم إلى الهجرة، سواء نحو المدن الكبرى أو خارج الوطن.
ولا يمكن أن نغفل وضعية الرحل، الذين يواجهون تحديات خاصة مرتبطة بالتنقل، والولوج إلى الخدمات، والاعتراف بحقوقهم في الأرض والموارد الطبيعية. هذه الفئة تعيش نوعا من التهميش المزدوج، الاجتماعي والمؤسساتي.
وماذا عن الجانب الاقتصادي؟ أين تكمن مكامن الخلل بشكل أعمق؟
الخلل الاقتصادي في هذه المناطق بنيوي بالأساس حيث نجد ضعف في تنويع الاقتصاد المحلي، حيث يعتمد بشكل شبه كلي على الفلاحة التقليدية، التي تظل رهينة بالعوامل المناخية. هذا يجعل الاقتصاد غير مستقر ومعرضا للصدمات وعدم الاستقرار، كما ان هناك غياب شبه تام لسلاسل القيمة، بمعنى أن المنتجات المحلية لا يتم تثمينها بالشكل الكافي. على سبيل المثال، يمكن للمنتجات الفلاحية أو المجالية أن تكون مصدرا مهما للدخل، إذا تم تطوير آليات التحويل والتسويق.
كما ان هناك ضعف الاستثمار، سواء العمومي أو الخاص، يرجع إلى عدة عوامل، منها ضعف البنيات التحتية، وقلة التحفيزات، وصعوبة الولوج إلى التمويل. هذا يخلق حلقة مفرغة: غياب الاستثمار يؤدي إلى ضعف التنمية، وضعف التنمية لا يشجع على الاستثمار.
كما أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، رغم إمكانياته الكبيرة، لا يزال يعاني من ضعف التأطير والمواكبة، خاصة بالنسبة للتعاونيات التي تشتغل في ظروف صعبة.
كيف ترون دور المجتمع المدني في مواجهة هذه التحديات؟
المجتمع المدني يلعب دورا أساسيا، ويمكن اعتباره فاعلا مكملا للدولة. الجمعيات تشتغل في مجالات متعددة: التوعية، التكوين، التمكين الاقتصادي، والدفاع عن الحقوق.
لكن يجب الاعتراف أن هذا الدور، رغم أهميته، يظل محدودا إذا لم يتم دعمه وتقويته. فعدد من الجمعيات تشتغل بإمكانيات ضعيفة، وتعتمد على تمويلات محدودة أو غير مستقرة.
كما أن هناك حاجة إلى تعزيز قدرات الفاعلين الجمعويين، خاصة في مجالات التسيير، إعداد المشاريع، والترافع. لأن العمل الجمعوي اليوم لم يعد فقط عملا تطوعيا بل أصبح يتطلب احترافية عالية.
إضافة إلى ذلك، من الضروري تعزيز الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية، في إطار مقاربة تشاركية حقيقية، وليس فقط شكلية.
في نظركم، ما هي شروط تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة في هذه المناطق؟
تحقيق تنمية حقيقية يتطلب توفر مجموعة من الشروط المتكاملة. أولا ، يجب اعتماد مقاربة ترابية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة، بدل اعتماد سياسات موحدة.
ثانيا، الاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال تحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز الخدمات الصحية، لأن الإنسان هو محور التنمية.
ثالثاً، تطوير البنيات التحتية، خاصة الطرق، الماء، والكهرباء، والاتصالات، لأنها تشكل الأساس لأي نشاط اقتصادي.
رابعا دعم الاقتصاد المحلي، من خلال تشجيع المبادرات الذاتية، وتثمين الموارد المحلية، سواء الطبيعية أو الثقافية. وهنا يمكن للتراث الواحي، مثلا، أن يلعب دوراً مهماً في خلق فرص اقتصادية.
خامسا، تعزيز الحكامة الجيدة، من خلال الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطنين في اتخاذ القرار.
وأخيرا، لا يمكن الحديث عن تنمية دون تحقيق العدالة المجالية، التي تضمن توزيعا عادلا للموارد بين مختلف الجهات.
كيف يمكن تعزيز إدماج الشباب في مسلسل التنمية بشكل فعلي؟
إدماج الشباب يتطلب الاعتراف بهم كقوة اقتراحية، وليس فقط كفئة مستهدفة. يجب خلق فضاءات للحوار والمشاركة، تمكنهم من التعبير عن آرائهم والمساهمة في صياغة السياسات وربط التكوين بسوق الشغل، من خلال تطوير التكوين المهني، وتشجيع المهارات التي تتلاءم مع خصوصيات المنطقة، مثل الفلاحة المستدامة، السياحة القروية، أو الصناعات التقليدية.
من خلال دعم المبادرات الشبابية، سواء عبر التمويل أو المواكبة، خاصة في مجال المقاولات الناشئة.
كما يجب العمل على تعزيز الثقة لدى الشباب، لأن جزءا من الإشكال نفسي ومعنوي، مرتبط بالإحساس بالتهميش وانعدام الفرص.
وماذا عن دور السياسات العمومية في تجاوز هذه الاختلالات؟
السياسات العمومية تلعب دورا محوريا لكنها تحتاج إلى إعادة نظر في طريقة إعدادها وتنفيذها. يجب أن تكون مبنية على معطيات دقيقة، وعلى تشخيص تشاركي يضم مختلف الفاعلين.
كما يجب الانتقال من منطق المشاريع الظرفية إلى منطق البرامج المندمجة، التي تستهدف معالجة الأسباب العميقة للهشاشة.
إضافة إلى ذلك، يجب تحسين آليات التتبع والتقييم، لضمان نجاعة هذه السياسات، وتصحيح الاختلالات عند الضرورة.
ما هي رسالتكم للفاعلين وصناع القرار؟
رسالتي هي أن التنمية ليست خيارا، بل ضرورة لضمان الاستقرار والعدالة الاجتماعية. لا يمكن الاستمرار في تجاهل المناطق الهامشية، لأن ذلك سيؤدي إلى تعميق الفوارق المجالية.
أدعو صناع القرار إلى الإنصات الحقيقي للساكنة، وإلى تبني مقاربة قائمة على الحقوق، تضمن الكرامة والعدالة لكل المواطنين.
كما أوجه رسالة للمجتمع المدني بضرورة توحيد الجهود، والعمل بشكل جماعي، لأن التحديات أكبر من أن تواجه بشكل فردي.
وفي النهاية، أؤمن أن هذه المناطق، رغم كل الصعوبات، تتوفر على إمكانيات كبيرة بشرية وطبيعية، يمكن أن تجعل منها قطبا تنمويا إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



