
أحزاب للإيجار… وسياسيون بلا إنتماء دائم
أكادير اليوم – سناء بوخاميدي * //
في كل مرة تقترب فيها الانتخابات، أجد نفسي أتوقف عند نفس المشهد، وجوه اعتدنا رؤيتها تحت راية حزب معين، تظهر فجأة في لون سياسي جديد، وكأن الأمر لا يحتاج أكثر من تغيير لافتة. هذا التحول السريع يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مزعج، هل الانتماء الحزبي قناعة فعلية، أم مجرد وسيلة مؤقتة للوصول؟
بصراحة، لا يبدو المشهد بريئًا كما قد يُقدَّم. فالكثير من التنقلات لا تأتي نتيجة مراجعات فكرية عميقة، بل تبدو أقرب إلى حسابات دقيقة: أين يمكن أن أضمن التزكية؟ وأين ترتفع حظوظ الفوز؟ هنا يتحول الحزب من فضاء للنضال إلى مجرد “طريق مختصر” نحو المقعد.
لكن، لا يمكن أيضًا أن نضع الجميع في سلة واحدة. هناك من يضطر فعلًا إلى المغادرة لأن صوته داخل حزبه لم يعد مسموعًا، أو لأن القرارات تُتخذ في دوائر ضيقة لا تعترف بالكفاءة ولا بالاستحقاق. في هذه الحالات، يصبح الرحيل نوعًا من الاحتجاج، أو محاولة للبحث عن مساحة أوسع للعمل. ومع ذلك، يظل الفرق واضحًا بين من يغادر دفاعًا عن قناعة، ومن يغادر بحثًا عن فرصة.
المشكلة الحقيقية، في نظري، ليست فقط في من يغيّر الحزب، بل في الصورة التي تصل إلى المواطن. حين يرى الناخب نفس الشخص يدافع اليوم عن خطاب، ثم يتبنى غدًا خطابًا مختلفًا تمامًا، فمن الطبيعي أن يفقد الثقة، لا في هذا السياسي فقط، بل في الفكرة الحزبية كلها. وهنا يصبح السؤال أكبر: من نُصوّت له؟ للشخص أم للمشروع؟
ما يقلق أكثر هو أن هذا السلوك، عندما يتكرر، يفرغ السياسة من معناها. لأن السياسة بدون مبادئ واضحة تتحول إلى مجرد تنافس على المواقع، لا على الأفكار. وحينها، لا يعود الحزب إطارًا لهوية سياسية، بل مجرد وسيلة قابلة للتغيير كلما تغيرت الظروف.
ربما لا يمكن منع الترحال بشكل كامل، لأنه في النهاية جزء من حرية الاختيار. لكن، ما يمكن فعله هو إعادة الاعتبار لفكرة الالتزام، وجعل الانتماء الحزبي مسؤولية، وليس مجرد بطاقة تُستعمل عند الحاجة. كما أن على الأحزاب نفسها أن تفتح أبوابها للشفافية، حتى لا تدفع أبناءها إلى البحث عن مكان آخر.
في النهاية، لا أعتقد أن المشكلة في تغيير الحزب بحد ذاته، بل في الدافع وراء هذا التغيير. بين من يتحرك بدافع القناعة، ومن تحركه الرغبة في الوصول، يظل الفارق كبيرًا… وهو الفارق الذي يحدده في النهاية وعي الناخب قبل أي شيء آخر.
-
- * سناء بوحاميدي : مستشارة بجماعة أكادير
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



