
الانتخابات في المغرب: من طقوس ديمقراطية إلى امتحان أخلاقي للسلطة
- حسن كرياط //
لم تعد الانتخابات في السياق المغربي مجرد استحقاق دستوري دوري، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لعمق التحول الديمقراطي ومدى نضج العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمسؤولية الانتخابية لم تعد تقاس فقط بعدد الأصوات أو المقاعد المحصل عليها، بل أصبحت ترتبط بشكل وثيق بقدرة الفاعل السياسي على تجسيد تعاقد أخلاقي فعلي مع المواطن، قائم على الالتزام والوضوح والنجاعة.
إن التحولات التي شهدها السلوك الانتخابي خلال السنوات الأخيرة تكشف عن انتقال تدريجي من منطق الولاء التقليدي إلى منطق التقييم والمساءلة. فقد أصبح الناخب، بفعل تراكم التجارب وتنامي الوعي، أكثر ميلاً إلى محاسبة المنتخبين على أساس الحصيلة لا الخطاب، وعلى النتائج لا النوايا. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، يصطدم بواقع سياسي لا يزال في كثير من جوانبه رهين ممارسات تقليدية، تتجلى في ترحال النخب، وضعف التأطير الحزبي، وهيمنة البراغماتية المفرطة على حساب الالتزام الإيديولوجي.
وفي هذا الإطار، تبرز إشكالية مركزية تتمثل في الفجوة المتنامية بين العرض السياسي والطلب المجتمعي. فبينما يطالب المواطن بسياسات عمومية ناجعة تستجيب لانشغالاته اليومية—من شغل وتعليم وصحة وعدالة مجالية—يستمر جزء من الفاعلين في إنتاج خطابات عامة تفتقر إلى الجرأة والابتكار. وهو ما يفرز حالة من التوتر الصامت، تُترجم أحيانًا في العزوف الانتخابي أو في التصويت العقابي.
من زاوية أعمق، يمكن القول إن المسؤولية الانتخابية تطرح سؤال الكفاءة بحدة. فليست كل شرعية انتخابية كافية لإنتاج نجاعة في التدبير، ما لم تكن مدعومة برأسمال معرفي وخبرة ميدانية ورؤية استراتيجية. وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الأحزاب السياسية: هل هي قادرة على إفراز نخب مؤهلة قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة، أم أنها ستظل رهينة منطق التوازنات الداخلية والحسابات الانتخابية الضيقة؟
كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، رغم تكريسه دستوريًا، لا يزال يواجه تحديات على مستوى التفعيل. فالمساءلة السياسية غالبًا ما تبقى حبيسة اللحظة الانتخابية، في حين تغيب آليات التتبع المستمر والتقييم الدوري للأداء. وهو ما يستدعي تعزيز أدوار مؤسسات الحكامة، وتوسيع هامش تدخل المجتمع المدني، وتكريس إعلام مهني قادر على ممارسة الرقابة النقدية دون انزلاق أو توظيف.
ولا يمكن إغفال التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل الفضاء العمومي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مجالًا مفتوحًا للتعبير والمساءلة، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر التضليل وصناعة الرأي العام الزائف. مما يفرض ضرورة بناء وعي رقمي مواكب، يميز بين النقد المسؤول والحملات الموجهة.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، بل في إعطائها معنى حقيقيًا داخل البناء الديمقراطي، عبر تحويلها إلى آلية لإنتاج الثقة لا لتآكلها. فالمسؤولية الانتخابية، في جوهرها، هي التزام طويل الأمد، يتجاوز زمن الحملة إلى زمن الإنجاز، ويتحول من خطاب ظرفي إلى ممارسة يومية.
وخلاصة القول، يبدو أن مستقبل الديمقراطية في المغرب رهين بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استيعاب هذا التحول العميق: من شرعية الصندوق إلى شرعية الأداء. فإما أن تنجح النخب في الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي، وتؤسس لثقافة سياسية جديدة قوامها الكفاءة والنزاهة، وإما أن يستمر منسوب الشك في الارتفاع، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية ومجتمعية على المدى البعيد.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



