
وجوه في الواجهة: أحمد بوكوس.. المناضل الأمازيغي والباحث اللساني وعميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية
بقلم رشيد نجيب //
هو أحمد بوكوس.. المناضل الأمازيغي والباحث اللساني وعميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.. والمناضل في صمت وعقلانية من أجل الأمازيغية والمساهم في تدبيرها مؤسساتيا بكثير من العقلانية والعلمية والحكمة
كفاح من أجل الحياة ومن أجل العلم
ازداد د.أحمد بوكوس في بلدة “إيمجارن” قرب ميرفت بقبيلة لاخصاص التابعة إداريا لإقليم تيزنيت في العام 1946. هاجر رفقة عائلته منذ طفولته إلى مدينة أكادير التي تعتبر قطبا حضريا متميزا في الجنوب المغربي. وفيها سيلتحق بالتعليم الابتدائي بمدرسة دار الرهيبات حيث تعلم الكثير من الأشياء “ذات الارتباط والانضباط والتغذية المتوازنة والتربية الرياضية وقيم التضامن والتعاضد”. انتقل بعدها إلى المدرسة الابتدائية بالحي الصناعي.
بعد التحاقه بسلك التعليم الابتدائي، العام 1960، وقع زلزال أكادير. ليتم نقل التلاميذ المنحدرين من المدينة المتضررة بقوة من الزلزال إلى مجموعة من المدن القريبة المتوفرة على مؤسسات تعليمية بها داخليات، من أجل ضمان تمدرس هؤلاء التلاميذ في ظروف جيدة ومناسبة.
وهكذا كان من نصيب سي بوكوس الالتحاق بإعدادية ابن سليمان الروداني بمدينة تارودانت. وبعدها ثانوية محمد الخامس بمدينة مراكش والتي حصل منها على شهادة الباكالوريا في العام 1964.
بعد الحصول على شهادة الباكالوريا، وقع اختيار سي أحمد بوكوس على الرباط انطلاقا من الموسم الجامعي 1964-1965 لمتابعة دراسته الجامعية بشعبة اللغة الفرنسية بكلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط. وفيها تحصل مجموعة من المعارف الخاصة بالأدب والتاريخ والبيداغوجيا.
ومنها سيحصل على شهادة الإجازة في اللغة والأدب الفرنسيين، وبالموازاة معها على ديبلوم مهني وعلى شهادة الكفاءة التربوية للتدريس بالسلك الثانوي من المدرسة العليا للأساتذة بالرباط.
هذا الأمر أهله لتدريس اللغة الفرنسية بثانوية مولاي يوسف المشهورة بالرباط. بالرغم من هذا الانخراط المهني المبكر، قام سي بوكوس بتحضير شهادات أكاديمية في التاريخ الحديث والمعاصر، كما تمكن من النجاح في المباراة الخاصة بشهادة الدراسات العليا التي أهلته للإلحاق بجامعة السوربون قصد متابعة الدراسة بسلك الدكتوراه بفرنسا.
في بلاد الأنوار، ناقش أطروحة السلك الثالث في اللسانيات الاجتماعية في العام 1974، وكذلك أطروحة دكتوراه الدولة في علم اللسانيات في العام 1987.
مهنيا، وبعد اشتغاله بداية بسلك التعليم الثانوي أستاذا للفرنسية، التحق سي بوكوس بجامعة محمد الخامس بالرباط كأستاذ باحث بشعبة اللغة الفرنسية من العام 1974 إلى غاية العام 2002 حيث التحق بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كمدير أبحاث مكلف بإدارة بمركز التهيئة اللغوية.
وكذلك عضوا بمجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إبان تأسيسه بمقتضى الخطاب الملكي لأجدير سنة 2001.
في سنة 2003، حظي د.أحمد بوكوس بالثقة المولوية السامية بتعيينه من طرف جلالة الملك محمد السادس عميدا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
من السياسة إلى الثقافة
حين التحق الطالب أحمد بوكوس بالعاصمة الرباط قصد التحصيل العلمي والأكاديمي، جاء إليها بخلفية ابن الجنوب المغربي المتحدث أولا بالأمازيغية والحامل لقيم كما مضامين ثقافتها التي تشبعها من محيطه الثقافي والاجتماعي المحلي لاسيما بنشأته في مدينة أكادير التي تعد فضاء ثقافيا أمازيغيا بامتياز من حيث العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية السائدة (ومنها قيم التعاضد والتعاون والنية والوقار)، وكذلك مختلف الممارسات الثقافية والفنية الأمازيغية التي تعرف بها (لحلاقي، أسواق شعبية، أنماط موسيقية تقليدية، موسيقى وأغاني الروايس، الظاهرة الاحتفالية بيلماون…).
السياق الرباطي أواسط الستينيات كان متميزا بالكثير من الأحداث السياسية التي ميزت مغرب ما بعد الاستقلال من قبيل: دينامية اجتماعية وسياسية واقتصادية تنادي إلى التغيير، حالة الاستثناء التي تم بمقتضاها تعطيل الدستور وعمل البرلمان (يونيو 1965)، نشاط مكثف لمنظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حراك سياسي ومجتمعي تقوده أحزاب المعارضة وقوى اليسار بشكل عام…
موضوعيا ومنطقيا، سيجد الطالب المغربي التواق إلى العدالة الاجتماعية نفسه في هذا الخضم السياسي والمجتمعي، حيث سيتأثر بمعطيات السياق ويجد نفسه مشاركا في عدد من الأنشطة التي قامت بها المنظمة الطلابية المغربية داخل الحرم الجامعي لاسيما حلقات التكوين والنقاش، وكذلك مشاركا في الدروس النظرية التي يؤطرها الأساتذة الجامعيون اليساريون ومنهم أساسا الراحل عزيز بلال (1932-1982) المنتمي إلى حزب التحرر والاشتراكية (التقدم والاشتراكية لاحقا).
سياسيا، انتمى أحمد بوكوس – في هذه الفترة –إلى نهاية فترة الستينيات إلى حزب التحرر والاشتراكية حتى في غياب وعي شامل بالغايات الكبرى للفكر الشيوعي والاشتراكي كما قال في حواره مع مجلة زمان. لاحقا، سينتمي إلى تيار محسوب على الماركسية العلمية لكنه سرعان ما سيغادره بسبب سيادة نظرة ترى الأمازيغية كنوع من الرجعية والماضوية، أي رفضا واضحا للقضية الأمازيغية.
الأمر الذي سيجعله ينشغل بالنضال العلمي (التدريس والتأطير العلمي في القضايا ذات الصلة باللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل الجامعة) والنضال الثقافي الجمعوي الأمازيغي بانضمامه إلى أول جمعية مهتمة بالشأن الأمازيغي بالمغرب، ألا وهي الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بالرباط، والتي تولى العضوية في مكتبها التأسيسي في 10 نونبر 1967 نائبا للرئيس مكلفا بشؤون الأدب والتبادل الثقافي.
سياسهم في التراكم النضالي الكبير التي راكمته هذه الجمعية التاريخية، وفي التراكم التي حققته في علاقتها بمختلف مكونات الحركة الثقافية الأمازيغية، ولاسيما إسهامه الكبير في ميلاد “ميثاق أكادير حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين” ( 1 يونيو 1991) وأنشطة جمعية الجامعة الصيفية بأكادير.
إنتاج علمي غزير وزاخر
في تكوينه الجامعي الأساسي، تلقى الأستاذ بوكوس معارف عامة في التحليل اللساني. وشكلت مرحلة التحاقه بفرنسا محكة مركزية لاستكمال تكوينه الجامعي وكذا محطة لتعميق تكوينه العلمي في مجال اللسانيات عامة في الفترة ما بين 1970 و 1974 من خلال دراسته لدى الباحث اللساني أندريه مارتيني رائد المدرسة الوظيفية في اللسانيات، ودراسته لعلم الاجتماع وتحديدا الأنثروبولوجيا الثقافية بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في العلوم التطبيقية،
ثم دراسته للمنهج اللساني التوليدي في مختلف تجلياته بجامعة فانسين. ليجمع بذلك تكوينات أكاديمية علمية جمعت بين اللسانيات والثقافة والسوسيولوجيا، أهلته ليدافع عن أطروحة علمية في مجال اللسانيات الاجتماعية حول “اللغة والثقافة الشعبية بالمغرب” سنة 1974 تحت إشراف الباحثة جيرمين تييون. ليكون بذلك أول مغربي ناطق بالأمازيغية يناقش أطروحته.
راكم سي أحمد بوكوس الكثير في مجال البحث العلمي حول الأمازيغية (لسانيات وثقافة وأدبا وفكرا وهوية وخطابا)، تشهد على ذلك العديد من المؤلفات العلمية المختلفة التي ألفها، والتي يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: اللغة والثقافة الشعبية في المغرب من منظور سوسيولساني، المجتمع واللغات والثقافات في المغرب، رهانات رمزية. الهيمنة والاختلاف، كتابات حول الرهانات الرمزية، فونولوجيا الأمازيغية…وغيرها من المؤلفات والمقالات العلمية الأخرى المنشورة داخل الوطن وخارجه.
أدبيا وإبداعيا، صدرت للأستاذ أحمد بوكوس رواية بالفرنسية بعنوان:” ملحمة تانيت الأسيرة”. وبها حصل على جائزة الأطلس الكبير العام 2019 وهي أرفع جائزة أدبية تنظمها السفارة الفرنسية بالمغرب. فضلا عن ذلك، حاز الأستاذ بوكوس الوسام العلوي من درجة ضابط كبير العام 2013.
قالوا عن الأستاذ العميد أحمد بوكوس
“جلالة الملك على يقين بأن العميد الجديد وكل هيئات المعهد ستسهر على أن تجعل من هذه المؤسسة إطار منفتحا قوامه الحوار البناء واحترام الحق في الاختلاف، والعناية المستمرة بمجمل تراثنا الثقافي، وكذا الاستفادة من كل الأراء والمبادرات الهادفة إلى النهوض بالثقافة الأمازيغية، وضمان انتشارها وإشعاعها في انسجام تام مع صيانة مقومات هويتنا المغربية العريقة الموحدة حول قيمها الثابتة والمقدسة”.
من بلاغ الديوان الملكي بمناسبة تعيين السيد بوكوس عميدا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية
“وما تعيين الأستاذ أحمد بوكوس عميدا للمعهد إلا دليل اخر على الرغبة الأكيدة لجلالة الملك في أن يبقى المعهد في معزل عن التيارات السياسية المتضاربة، وفي أن ترجح الكفة العلمية في نشاطكم جميعا. الأستاذ أحمد بوكوس عالم لا يحتاج إلى تعريف، خبير في اجتماعيات اللسان، ولكني مع ذلك أحرص على أن أصفه بصفة يكاد يختص بها بين من عرفتهم عن كثب من الرجال والنساء: إنه لفي رساسة العقل والمزاج، وبرودة الأعصاب، قليل الكلام، كثير الإنصات”.
ذ.محمد شفيق، العميد السابق للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية
“انبرى صوته من خلال مجازفته، سنة 1974 بإعداد إحدى أولى الأطاريح الجامعية حول الثقافة الأمازيغية ونشرها سنة 1977، ليقف من خلالها عند مفهوم الثقافة الشعبية والحاجة إلى طرح مسألة الديمقراطية الثقافية، وإقرار حق النهوض بالثقافة كمكون أساسي متكامل في التنوع الثقافي واللغوي وتجاوز استعمالها كفلكلور تسويقي. ولم يكن ذلك مجرد خطاب مناسباتي أو استهلاكي، بل اقتناعا راسخا ترجمه صاحبه إلى ممارسة فعلية ومبادرات ريادية، وخاصة في مجالين ظلا إلى الأن من مراتع العمل الثقافي لأحمد بوكوس: الميدان الجامعي الأكاديمي والمجال الجمعوي والحقوقي”.
د.الحسين المجاهد، الأمين العام للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية
“طرحت فكرة الميثاق (ميثاق أكادير) لأول مرة في أشغال الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية بأكادير سنة 1980، كاقتراح فردي من طرف الأستاذ أحمد بوكوس. فقد طرح هذا الباحث المسألة اللغوية في إطار مشروع شمولي لبناء المجتمع على أسس ديمقراطية، مما يستدعي في نظره وضع ميثاق وطني يحدد مبادئ ووسائل السياسة اللغوية بهدف تأسيس ازدوج وطني تكون فيه اللغتان العربية والأمازيغية متمتعتين بنفس الحقوق والوظائف والاستعمالات بغية تصفية الهيمنة الثقافية واللغوية الأجنبية”.
د.الحسين وعزي، مناضل أمازيغي
“كان أهم ما نجده مميزا في أبحاث أستاذنا (أحمد بوكوس) ودراساته أنها كانت تستجيب لحاجيات المرحلة في الدفاع والانتصار للأمازيغية، لأنها كانت تتجاوز مسألة الانغلاق في دائرة التراث والعودة إلى التاريخ والانحصار في مجال اللغة، إلى خطاب شامل يتناول هذه العناصر في إطار اشتغال موسع يدمج عناصر أخرى من حقول أخرى كالأنتروبولوجيا والتربية والقانون في معالجة سوسيولوجية جامعة ومرتبطة بالوضع الراهن ومتغيراته”.
د.فؤاد أزروال، باحث في الثقافة واللغة الأمازيغية
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




