المغرب اليوم

رسالة مفتوحة إلى السيدة ياسين فال وزيرة العدل السينغالية

  • عبد الرفيع حمضي* //

اسمحوا لي، معالي الوزيرة،
أن أبدأ من لحظة قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك.
شاءت الظروف أن أتوصل برابط تصريحكم لقناة BBC،وأنا غير بعيد عن ضريح سيدي احمد التيجاني ،حيث الحركة داخله لا تخطئها العين، وحيث يتقاسم الإخوة السنغاليون والمغاربة نفس الفضاء ونفس السكينة.
هناك، لا تسأل من أين جاء الناس، بل لماذا اجتمعوا.
مثل هذه اللحظات، كان ابن خلدون يسميها العصبية في معناها النبيل، أي رابطة التماسك التي تتجاوز الظرفي إلى التاريخي، وتتغذى من المشترك الروحي قبل السياسي.
سيدتي الوزيرة،
بهذه الحكاية، أعود إلى استجوابكم لأقف عند مضمونه.
لقد بدا خطابكم، في كثير من أجزائه، أقرب إلى عرض موقف منه إلى بناء حجة، حيث تحدثتم عن تأويل خاطئ وقرار غير قانوني دون تفكيك دقيق للنصوص.
والحال أن القانون، كما استقر في الفكر الحديث منذ مونتسكيو لا يقوم على إعلان المواقف، بل على فصلها عن السلطة والانفعال.
معالي الوزيرة،
إن القول بأن القرار الابتدائي للـCAF كان صائبا، بينما القرار الاستئنافي جانب الصواب، يطرح سؤالا بسيطا:
إذا كانت المؤسسة نفسها، وبآلياتها القانونية، قد أصدرت قرارين في مرحلتين مختلفتين، فهل يقبل منطق انتقاء القرار الذي يوافقنا ورفض الذي لا يوافقنا؟
فكما تعلمين يقينا، فإن القانون بطبيعته مسار وليس لحظة.
سيدتي الوزيرة،
سجلت لكم باعتزاز ثقتكم وموقفكم المحمود من محكمة التحكيم الرياضية TAS لكن في المقابل نشهد تصعيدا إعلاميا وضغطا سياسيا متزايدا.وهنا يبرز التناقض:
إذا كانت الثقة قائمة، فلماذا هذا الاستباق؟
أليس من مقتضى الثقة ترك القضاء يقوم بعمله في هدوء؟
فالثقة، في معناها العميق، لا تتجزأ:
إما أن نثق في المسار، أو نطعن فيه بأدلة، لا بإيحاءات.
سيدتي الوزيرة،
حين أكدتم أن النتيجة حسمت في الملعب، قد يبدو القول بديهيا، لكنه في ميزان القانون غير مكتمل.
فالملعب يحسم الواقعة، لكن المؤسسات تحسم آثارها.
سيدتي،
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بمبدأ مستقر في القانون التأديبي الرياضي، مفاده أن استئناف اللعب لا يمحو المخالفة الأصلية متى كانت قد استوفت أركانها وأنتجت أثرها.
فبعض الأفعال لا تقاس بما تلاها، بل بما أحدثته من اختلال لحظة وقوعها.
وهنا نستحضر ما قرره ارسطو حين ربط العدالة بفكرة الانصاف، أي إعادة التوازن حين يختل، لا الاكتفاء بوصف ما وقع.
فالعدالة، إذن، ليست تثبيتا للنتيجة، بل تصحيحا للمسار.
سيدتي الوزيرة،
إن ما يثير الانتباه أكثر هو انتقال تصريحكم من النزاع الرياضي إلى ملف المواطنين الموقوفين.
لقد أكدتم، بحق، واجب الدفاع عنهم، لكن تصريحاتكم حملت، خصوصا فيما يتعلق بتاريخ 30 مارس وما بعده، إيحاءات تتجاوز الدعم القنصلي إلى ما قد يفهم كضغط سياسي على مسار قضائي.
وهنا، سيدتي، يطرح السؤال نفسه:
كيف يمكن لوزيرة للعدل وحافظة للاختام أن تتحدث عن قضايا جارية بلغة قد تفهم على أنها توجيه؟
إن استقلال القضاء ليس تفصيلا، بل هو أساس كل عدالة ممكنة، لأن السلطة إذا لم تقيد بالقانون تحولت إلى تعسف.
سيدتي،
إن القضاء لا يدار بالتواريخ، ولا بالمناسبات، ولا يختزل في انتظار مواعيد سياسية أو رمزية، بل يسير وفق مساطر، هي وحدها الضامن للحقوق.
سيدتي،
إذا انتقلنا من الحكاية إلى التحليل، نجد أنفسنا أمام خطاب متعدد المستويات:
قانوني في ظاهره،سياسي في لغته،
وإعلامي في امتداده.
وفي مثل هذه الحالات، لا يمكن إغفال السياق الأوسع، حيث تعاد صياغة الوقائع أحيانا ضمن سرديات تتجاوزها.
وهنا، لا بد من شيء من التحفظ، حتى لا يتحول القانون إلى أداة، و السياسة إلى بديل عنه.
سيدتي الوزيرة،
كما تعلمين، فإن قوة الدول تقاس بقدرتها على التمييز بين ما يجب قوله وما يجب تركه للقضاء.
وإن العدالة ليست في رفع الصوت، بل في إعادة الميزان إلى وضعه الطبيعي.
أعود، في الختام، إلى تلك الصورة الأولى:
إلى ذلك الفضاء الذي يجتمع فيه المغاربة والسنغاليون دون وساطة.
ربما، سيدتي، هناك فقط نفهم أن ما يجمعنا أقوى من كل خطاب.
وتفضلوا، سيدتي الوزيرة، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.

  • *عبد الرفيع حمضي: مواطن مغربي يعتز بالأخوة السنغالية، ولا يتابع كرة القدم إلا نادرا..
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى