العالم اليوم

أتاي الأحد:  عثمان سونكو… ما هكذا تُورد الإبل

  • عبد الرفيع حمضي //

يُحكى أن سعداً أراد أن يورد إبل أخيه الماء، فسار بها عبر طريق وعر، وطوال المسار وهو يعاملها بعنف وغلظة كلما تعثرت. فلم تبلغ الماء، بعدما أرهقها وأتعب نفسه. فقيل له: “ما هكذا يا سعد تُورد الإبل”. فلم يكن الخطأ في الهدف، بل في الطريقة، وفي اختيار المسلك.
هذه الحكاية القديمة تختصر، في جانب منها، ما يثيره البيان الذي أصدرته حكومة عثمان سونكو احتجاجاً على قرار لجنة الاستئناف في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بشأن لقب كأس إفريقيا للأمم 2025. فالقضية، في أصلها، لا تتعلق بمشروعية الاعتراض، بل بالطريقة التي تم بها التعبير عنه، وبالمستوى الذي نُقل إليه النقاش.
فالقرار موضوع الجدل صدر داخل مؤسسة رياضية قارية، وضمن مسطرة قانونية معروفة في عالم كرة القدم. وقد يختلف معه البعض أو ينتقده، وهذا أمر طبيعي. لكن القاعدة التي استقر عليها التنظيم الرياضي الدولي واضحة: النزاعات الرياضية تُحل داخل المؤسسات الرياضية نفسها، وفق القواعد التي ارتضتها الأطراف المنخرطة فيها، لا عبر نقلها إلى مستويات أخرى قد تُربك طبيعتها.
من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل كان من المناسب أن تتحول قضية رياضية إلى بيان حكومي بلغة حادة؟ وهل كان من الضروري أن تنتقل من فضاء الملاعب إلى خطاب الدولة، بكل ما يحمله هذا الانتقال من رمزية ودلالات؟
الإجابة لا تتعلق فقط بكرة القدم، بل بفكرة أعمق: فكرة التمييز بين المجالات. فالرياضة الحديثة، منذ إحياء الألعاب الأولمبية على يد بيير دو كوبرتان (Pierre de Coubertin)، قامت على مبدأ فصل التنافس الرياضي عن التوترات السياسية. كان الهدف أن تصبح الملاعب فضاءً للتنافس المنضبط، لا امتداداً للصراعات بين الدول، وأن تُدار الخلافات داخل مؤسسات واضحة، لا تحت ضغط اللحظة.
وعندما تختلط هذه المستويات، يختل التوازن، ويضيع الحد الفاصل بين ما هو رياضي وما هو سياسي، بين ما يُحسم بالقانون وما يُدفع إليه بالانفعال.
في حالة السنغال، يزداد هذا التساؤل وزناً إذا استحضرنا تقاليدها السياسية. فهذا بلد قاده ليوبولد سيدار سنغور، الشاعر الذي لم يرَ في السياسة مجرد صراع على السلطة، بل فناً لإدارة التوازن. وكان يؤمن، كما تُنقل عنه كتاباته، أن الدولة لا تُبنى بالصوت العالي، بل بحسن تدبير الاختلاف. ثم جاء عبدو ضيوف بهدوئه المعروف، قبل أن يقود البلاد عبد الله واد، الذي ظل، رغم حدة السياسة، مدركاً لحساسية التوازنات داخل الفضاء الإفريقي.
في هذا السياق، يبدو البيان الحكومي الأخير خارجاً، نسبياً، عن هذا النسق، وأقرب إلى رد فعل ظرفي منه إلى تعبير محسوب يراعي تقاليد الدولة ومكانتها.
صحيح أن رئيس الحكومة الحالي عثمان سونكو جاء من خلفية نقابية، وأن مساره السياسي تشكل داخل معارك اجتماعية محلية ووطنية، وهي تجربة تفسر أحياناً ميله إلى لغة حادة في التعبير عن المواقف، غير أن ما يصلح في منطق النقابة لا يستقيم بالضرورة في مقام الدولة.
فالعمل النقابي يقوم، في جوهره، على الضغط والتعبئة، وعلى لغة مباشرة قد تكون حادة أحياناً. أما الدولة، فهي مجال آخر: مجال التوازن، وحساب العواقب، واستحضار العلاقات الممتدة في الزمن. الدولة لا تخاطب لحظة، بل تاريخاً ومصالح وروابط، ولا تقيس كلماتها برد الفعل، بل بما تتركه من أثر.
ومن هنا يبدو أن الإشكال لم يكن في الاعتراض نفسه، بل في نقله إلى مستوى سياسي رسمي، وباللغة التي استُخدمت فيه، بما قد يوحي، من حيث لا يقصد، بتوسيع دائرة الخلاف خارج إطاره الطبيعي.
ثم إن ما يجمع المغرب والسنغال يتجاوز بكثير نتيجة مباراة لكرة القدم. هناك روابط روحية وثقافية وإنسانية عميقة، نسجها التاريخ قبل السياسة، وحافظت عليها الشعوب أكثر مما صنعتها الحكومات. وهي روابط لا ينبغي أن تُختزل في لحظة توتر رياضي عابر.
لذلك، فإن تحويل حدث رياضي إلى خطاب سياسي يحمل دائماً مخاطرة: مخاطرة تحميل ما لا يحتمل، وتوسيع دائرة ما كان يمكن أن يبقى محدوداً، وإقحام ما هو دائم في ما هو عابر.
في النهاية، تمر المباريات كما تمر الفصول، لكن ما يبقى هو ما بين الشعوب من تاريخ وثقة وروابط إنسانية. فالكؤوس تُرفع اليوم وتوضع غداً في خزائن الاتحادات، أما العلاقات بين الدول فلا تُقاس بنتيجة مباراة.
ولهذا ربما يصح أن نقول، بهدوء لا يخلو من أسف:
معالي رئيس الحكومة… ما هكذا تُورد الإبل

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى