المجتمع

وداعًا عبد الغني أبو العزم… رحيل مثقف من طينة النضال والانفتاح

فُجع الوسط الثقافي والفكري برحيل عبد الغني أبو العزم، الذي غادرنا أمس الاربعاء 18 مارس 2026 ،  تاركًا خلفه إرثًا غنيًا من الكتابة والنضال والتفكير النقدي، ومسارًا إنسانيًا وفكريًا اتسم بالجرأة والانفتاح والالتزام بقضايا الإنسان والهوية.

تعرفت على المرحوم أبو العزم عن قرب من خلال تجربتي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحزب الاشتراكي الديمقراطي ومن خلال كتاباته  في جريدتي أنوال والسياسة الجديدة، وبعد مدة، وانا أشغل مدير مهرجان تافنكولت (بلدتنا أنا وأزايكو) بإقليم تارودانت ، خلال دورته الأولى،  دورة تحمل إسم المناضل علي صدقي أزايكو، ومن بين الحاضرين في المهرجان أبناء المرحوم أزايكو ومعهم أبناء أبو العزم، وكانت مفاجأة المهرجان، اكتشافي أن أبوالعزم  وأزايكو، وأسرتيهما تجمعون علاقات صداقة كبيرة..

لم يكن الراحل مجرد كاتب أو مثقف عابر، بل كان صوتًا يساريًا مميزًا، انخرط في أسئلة مجتمعه بوعي نقدي عميق، وسعى إلى مساءلة البنيات الفكرية والسياسية من منظور حداثي تقدمي. جمع في مساره بين الالتزام السياسي والاشتغال الفكري، فكان نموذجًا للمثقف العضوي الذي لا يكتفي بالملاحظة، بل يسهم في الفعل والتغيير.

تميّز عبد الغني أبو العزم بانفتاحه الواضح على الحركة الأمازيغية، في زمن لم يكن فيه هذا الموقف سهلاً أو شائعًا داخل بعض الأوساط اليسارية. فقد أدرك مبكرًا أن العدالة الثقافية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وأن الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي شرط أساسي لبناء مجتمع ديمقراطي.

في هذا السياق، ربطته علاقات فكرية وإنسانية متينة بعدد من رموز الحركة الأمازيغية، وعلى رأسهم المناضل والمفكر علي صدقي أزايكو، حيث جمعتهما قناعة مشتركة بأهمية إعادة الاعتبار للهوية المغربية في تعددها وغناها.

كان الراحل أيضًا صديقًا وفيًّا، حاضرًا في النقاشات الفكرية، قريبًا من زملائه ورفاقه، مؤمنًا بالحوار كأداة للتقارب وتجاوز الاختلافات. وقد شهد له من عرفوه بدماثة الخلق، وعمق التفكير، ونبل المواقف.

على مستوى الكتابة، بصم عبد الغني أبو العزم على حضور متميز في الساحة الثقافية، سواء من خلال مقالاته أو إسهاماته الفكرية، التي اتسمت بالرصانة والتحليل العميق، مع قدرة لافتة على الربط بين المحلي والكوني، وبين أسئلة الهوية والتحولات السياسية والاجتماعية.

برحيله، تفقد الساحة الثقافية أحد أصواتها الحرة، ومثقفًا ظل وفيًا لقناعاته، مدافعًا عن قيم الحرية والكرامة والتعدد. غير أن ما يخفف من وطأة الفقد، هو أن أثره سيظل حاضرًا في كتاباته، وفي الذاكرة الجماعية لرفاقه وتلامذته وكل من تقاطع معه في مسار الفكر والنضال.

رحم الله عبد الغني أبو العزم، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ورفاقه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى