الاقتصاد

عقد موثق واستقالة مع إبراء نهائي.. ملف شركة فلاحية بأكادير يثير نقاشاً قانونياً حول حدود مسؤولية المسيرين

تشهد الساحة القضائية التجارية بأكادير نقاشاً قانونياً متصاعداً حول ملف شركة فلاحية، بعد صدور حكم استئنافي قضى بتحميل مسير سابق جزءاً من العجز المالي، رغم تفويته لكافة حصصه الاجتماعية واستقالته الرسمية من التسيير قبل سنوات.

القضية، التي بلغت مرحلة الطعن أمام محكمة النقض، تطرح إشكالات دقيقة تتقاطع فيها قواعد القانون التجاري مع مبادئ الالتزامات والعقود، وعلى رأسها مبدأ: العقد شريعة المتعاقدين، ومدى إلزاميته أمام القضاء.

عقد رسمي موثق

تعود وقائع الملف إلى 19 ماي 2022، حين أقدم رضوان منير، وهو مهاجر مغربي مقيم بالخارج، على تفويت جميع حصصه في شركة “دومين عمر منير” لفائدة مستثمرين أجانب، بموجب عقد رسمي محرر لدى موثق.

ويكتسي هذا العقد قوة ثبوتية خاصة، باعتباره محرراً رسمياً يُفترض فيه السلامة القانونية والدقة في تحديد حقوق والتزامات الأطراف، خاصة في ما يتعلق بانتقال الملكية وتحديد المسؤوليات.

شرط تحمل الخصوم والديون

نص العقد بشكل صريح على أن جميع التزامات الشركة، سواء كانت:

  • ديوناً قائمة أو محتملة
  • التزامات ضريبية أو اجتماعية
  • مستحقات الموردين
  • أجور المستخدمين
  • أو أي التزامات مالية أخرى تبقى حصرياً على عاتق المفوت إليه.

كما تضمن بنداً واضحاً يقضي بعدم الرجوع على المفوت بأي شكل من الأشكال، وهو ما يشكل، من الناحية القانونية، نقلاً كاملاً للمخاطر المالية إلى المالك الجديد.

اطلاع المشتري على الوضعية المحاسباتية

أكد العقد أن المشتري اطلع بشكل كامل على الوضعية المحاسباتية للشركة، بعد توصله بالوثائق الضرورية قبل إتمام عملية التفويت.

ويُعد هذا الإقرار عنصراً حاسماً، لأنه يثبت أن التفويت تم على بينة، ويحدّ من إمكانية إثارة عيوب لاحقة تتعلق بجهل الوضعية المالية.

عدم وجود مسطرة قضائية وقت التفويت

صرح الأطراف عند إبرام العقد بأن الشركة:

  • لا توجد في حالة توقف عن الدفع
  • ولا تخضع لأي مسطرة تسوية أو تصفية قضائية

وهو تصريح يعكس الوضعية القانونية السليمة للشركة لحظة انتقال الملكية، ويعزز قرينة حسن النية في التعاقد.

استقالة رسمية وإبراء نهائي

لم يقتصر الأمر على تفويت الحصص، بل تضمن العقد أيضاً استقالة رضوان منير من مهامه كمسير وحيد.

وقد صادق الشركاء الجدد على هذه الاستقالة، ومنحوه إبراءً نهائياً لذمته دون تحفظ أو رجعة، وهو ما يعني – من حيث المبدأ – إنهاء أي مسؤولية مرتبطة بفترة التسيير السابقة، ما لم يثبت خطأ جسيم محدد.

انتقال التسيير إلى مسيرين جدد

بموجب نفس العقد، تم تعيين مسيرين جديدين للشركة، مع تخويلهما كامل صلاحيات التسيير والتوقيع.

هذا الانتقال الكامل للسلطة الإدارية والقانونية يؤكد أن المسؤولية عن التدبير أصبحت منحصرة في الإدارة الجديدة ابتداءً من تاريخ التفويت.

صعوبات لاحقة ومسار قضائي

بعد انتقال الملكية، واجهت الشركة صعوبات مالية انتهت بفتح مسطرة التصفية القضائية.

وفي إطار هذه المسطرة، تم إنجاز خبرة لتحديد أسباب العجز المالي، قبل أن تقضي المحكمة التجارية بتحميل بعض المسيرين، بمن فيهم المسير السابق، جزءاً من هذا العجز، وهو الحكم الذي تم تأييده استئنافياً.

جدل حول الخبرة المحاسباتية

يثير تقرير الخبرة المعتمد في الحكم نقاشاً تقنياً وقانونياً مهماً، إذ أقر الخبير نفسه بعدم توفره على الوثائق المحاسباتية والقانونية الكاملة للشركة.

كما أشار الدفاع إلى وجود خلط مفاهيمي في التقرير بين:

  • الديون
  • الأصول
  • النقص في الأصول

حيث تم اعتبار الديون مرادفة للنقص في الأصول، وهو ما يتعارض مع المبادئ المحاسباتية التي تشترط جرداً فعلياً للأصول قبل تحديد العجز الحقيقي.

سؤال قانوني مطروح

تتمحور الإشكالية الجوهرية حول السؤال التالي:

هل يمكن تحميل مسير سابق مسؤولية مالية عن شركة بعد تفويت حصصه واستقالته، في ظل وجود عقد موثق يتضمن إبراءً نهائياً؟ هذا السؤال يضع القضاء أمام اختبار دقيق للتوازن بين:

  • حجية العقود الرسمية
  • ومتطلبات حماية الدائنين
  • وحدود المسؤولية الزمنية للمسيرين
  • ملف أمام محكمة النقض

ينتظر أن تبت محكمة النقض في هذا الملف خلال المرحلة المقبلة، وسط ترقب قانوني واسع، نظراً لما قد يحمله القرار من توضيح لمبادئ أساسية في القانون التجاري المغربي.

ويرى متابعون أن القضية قد تشكل مرجعاً قضائياً في تحديد مسؤولية المسيرين بعد تفويت الشركات، خاصة في الحالات التي تتضمن إبراءً صريحاً ونهائياً.

ضرورة تحديد الفترة الزمنية بدقة

من أبرز النقاط القانونية المثارة، مسألة العلاقة الزمنية بين التسيير ووقوع العجز. فالمعطيات تشير إلى:

  • التفويت: 19/05/2022
  • التوقف عن الدفع: 23/08/2022
  • حكم التصفية: 11/06/2024

وبحسب الاجتهاد القضائي، لا يمكن مساءلة مسير سابق عن وقائع لاحقة لمغادرته الفعلية للتسيير، خصوصاً إذا لم يكن ضمن الفترة الحرجة المحددة قانوناً.

وهو ما يطرح إشكال انعدام العلاقة السببية الزمنية بين فترة التسيير السابقة وظهور العجز.

بخصوص تمديد التصفية إلى شركة “أكافونت”

أثار الملف أيضاً مسألة تمديد التصفية إلى شركة أخرى، وهو إجراء يخضع لشروط صارمة وفق مدونة التجارة.

من بين هذه الشروط:

  • اختلاط الذمم المالية
  • وجود تسيير فعلي مشترك
  • أو استعمال صوري للشخصية المعنوية

غير أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الخبرة لم تثبت بشكل قاطع:

  • وجود اندماج حسابي
  • أو وحدة في الصندوق
  • أو غياب الاستقلالية المحاسباتية

كما أن مجرد وجود تحويلات مالية بين شركتين لا يكفي قانوناً لإثبات اختلاط الذمم، ما لم يتم تحليل طبيعتها ومقابلها التجاري.

سقوط الأهلية التجارية

يُعد سقوط الأهلية التجارية إجراءً ذا طابع زجري، لا يُلجأ إليه إلا في حالات الخطأ الجسيم المؤثر.

وفي ظل غياب تحديد دقيق لهذا الخطأ، وعدم إثبات العلاقة السببية بين التسيير السابق والعجز، يطرح الدفاع مسألة مدى مشروعية ترتيب هذا الأثر القانوني.

خلاصة

القضية، في جوهرها، ليست مجرد نزاع تجاري، بل اختبار حقيقي لمبادئ قانونية أساسية، في مقدمتها:

  • قوة العقد الرسمي
  • حدود المسؤولية بعد التفويت
  • ضرورة الربط السببي والزمني في المساءلة

وبين أحكام ابتدائية واستئنافية مثيرة للجدل، تبقى الكلمة الأخيرة لمحكمة النقض، التي يُنتظر أن تحسم في ملف قد يرسم معالم اجتهاد قضائي جديد في قضايا المسؤولية التجارية بالمغرب.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى