
الثروات السوداء: عندما تنحرف السياسة المحلية عن وظيفتها التنموية
- بقلم: حسن كرياط//
لم يعد الحديث عن “الثروات السوداء” مجرد توصيف إعلامي عابر، بل أضحى مدخلاً أساسياً لفهم اختلالات بنيوية تعتري منظومة التدبير العمومي، خاصة على المستوى المحلي. فمع التحولات التي عرفها المغرب في مجال الحكامة الترابية، وتعزيز أدوار الجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة، برزت في المقابل ممارسات مقلقة تعكس تداخلاً غير سليم بين المال والسلطة، وتطرح تساؤلات عميقة حول حدود الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد كان من المفترض أن تشكل الجماعات الترابية رافعة حقيقية للتنمية المحلية، ومجالاً لتجسيد الديمقراطية التشاركية، غير أن الواقع يكشف في بعض الحالات عن انزياحات خطيرة، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى فضاءات لتدوير المصالح الخاصة، بدل خدمة الصالح العام. ويبرز هذا الوضع بشكل جلي من خلال تنامي حضور فاعلين جدد في المشهد الانتخابي، يعتمدون بشكل أساسي على إمكانيات مالية ضخمة، غالباً ما تكون غير واضحة المصدر، للوصول إلى مواقع القرار.
في هذا السياق، تتقاطع معطيات متعددة تشير إلى أن جزءاً من الاقتصاد غير المهيكل يجد طريقه إلى المجال السياسي، سواء عبر تمويل الحملات الانتخابية أو من خلال الاستثمار في مشاريع ذات طابع محلي تُستغل لاحقاً كوسيلة لتبييض الأموال. وهو ما يفسر التحول السريع لبعض المنتخبين من وضعيات مالية عادية إلى امتلاك ثروات معتبرة في ظرف وجيز، دون وجود مبررات اقتصادية واضحة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسات تمس جوهر الحكامة، من قبيل توجيه الصفقات العمومية، واستغلال التراخيص الإدارية، وتفصيل بعض المشاريع على مقاس جهات بعينها. مثل هذه الممارسات لا تؤثر فقط على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بل تُسهم أيضاً في تعميق الفوارق المجالية، وتُضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ومن بين أخطر تجليات هذه الظاهرة، اعتماد أساليب ملتوية لتبييض الأموال، من خلال تسجيل الممتلكات بأسماء الغير، أو عبر شركات صورية، أو من خلال استثمارات ظاهرها قانوني وباطنها يخفي مصادر تمويل مشبوهة. كما تُستغل أحياناً الحملات الانتخابية كنافذة لإعادة تدوير هذه الأموال، في ظل محدودية آليات المراقبة والتتبع.
ويبرز كذلك إشكال تضارب المصالح كأحد التحديات الكبرى، حيث يجد بعض المنتخبين أنفسهم في موقع يتيح لهم الجمع بين تدبير الشأن العام وخدمة مصالحهم الخاصة، ما يفتح الباب أمام استغلال النفوذ، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص. ورغم وجود ترسانة قانونية تهدف إلى ضبط هذه الممارسات، فإن ضعف التفعيل وغياب الصرامة في المتابعة يجعل من هذه القوانين غير كافية لردع التجاوزات.
إن مواجهة ظاهرة “الثروات السوداء” تقتضي مقاربة شمولية لا تقتصر على الجانب الزجري، بل تمتد إلى إصلاح عميق لمنظومة الحكامة، يقوم على تعزيز الشفافية، وتفعيل آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي. كما يتطلب الأمر تطوير أدوات تتبع تمويل الحملات الانتخابية، وتكريس مبدأ التصريح بالممتلكات، إلى جانب رقمنة المساطر الإدارية للحد من التدخلات غير المشروعة.
وفي هذا الإطار، يظل للإعلام دور محوري في كشف هذه الاختلالات وإثارة النقاش العمومي حولها، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذه الظواهر. كما أن الأقلام الجادة، وفي مقدمتها قلم الصحفي حسن كرياط، تضطلع بمسؤولية كبيرة في تفكيك هذه القضايا وتسليط الضوء على امتداداتها، بما يخدم مسار الإصلاح ويعزز الثقة في المؤسسات.
وصفوة القول، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في محاربة الفساد، بل في إعادة الاعتبار للعمل السياسي كخدمة عمومية نبيلة، قوامها النزاهة والكفاءة، وغايتها تحقيق التنمية والعدالة المجالية. دون ذلك، ستظل “الثروات السوداء” تهديداً صامتاً يقوض كل مجهودات الإصلاح ويُضعف أسس الديمقراطية المحلية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



