العالم اليوم

الإيرانيون في الخارج بين نشوة السقوط وقلق الطريق: قراءة في مواقف الجاليات بعد مقتل خامنئي

لم يكن خبر مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، كما أُعلن عنه في الأول من مارس 2026 إثر غارات جوية أمريكية-إسرائيلية على طهران، حدثاً عادياً بالنسبة للإيرانيين في الخارج. فبالنسبة لجاليات عاشت لعقود طويلة على أمل سقوط النظام، لم تأتِ هذه اللحظة بالارتياح المنتظر، بل كشفت عن تعقيد نفسي وسياسي عميق، يتراوح بين الأمل والخذلان، وبين الرغبة في التغيير والخوف من كلفته.
في هذا السياق، تبرز شهادة الصحفية الإيرانية المقيمة في تورنتو، ساميرا مويادم، التي عبّرت عن مفارقة صادمة في الوعي الجمعي للمنفى الإيراني. تقول: “كنت أتخيل أن يحدث ذلك على أيدي الإيرانيين أنفسهم… بلا قنابل، بلا مدارس مدمرة، بلا مقابر جماعية.” وهي عبارة تختزل فجوة كبرى بين “الحلم بالتغيير” و”واقع تحققه”.

صدمة اللحظة: حين لا يشبه الواقع التوقعات

رغم مشاهد الاحتفال التي اجتاحت بعض المدن الإيرانية، وأخرى في المهجر مثل لوس أنجلوس وتورنتو، فإن شريحة واسعة من الإيرانيين في الخارج عبّرت عن شعور مختلف: ارتباك داخلي، وحزن غير متوقع، بل وحتى إحساس بالذنب.
هذا التناقض يعود، في جزء منه، إلى طبيعة الحدث نفسه. فالتغيير الذي طال انتظاره لم يأتِ نتيجة حراك داخلي أو ثورة شعبية، بل عبر تدخل عسكري خارجي خلّف ضحايا ودماراً. وهو ما جعل كثيرين يعيدون التفكير في معنى “التحرر” حين يكون مشروطاً بالقوة.

تقول الناشطة هودا كاتبي، المنحدرة من عائلة إيرانية هاجرت خلال الحرب الإيرانية العراقية: “هذه الحرب تستنزفني بالكامل… حتى أنني لم أعد قادرة على التركيز.” وهو تصريح يعكس حالة إنهاك نفسي تتجاوز الفرح السياسي المفترض.

سبعة وأربعون عاماً من الانتظار

لفهم هذا التوتر، لا بد من العودة إلى التاريخ الحديث للهجرة الإيرانية. فمنذ الثورة الإسلامية سنة 1979، تعاقبت موجات الهجرة:

موجة أولى بعد سقوط نظام الشاه،

ثم موجات لاحقة بعد الحرب مع العراق في الثمانينيات،
ثم بعد قمع الحركة الخضراء سنة 2009،

وأخيراً بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” سنة 2022 إثر وفاة مهسا أميني.

هذه الجاليات لم تحمل فقط حقائبها إلى الخارج، بل حملت معها أيضاً ذاكرة القمع، وأمل التغيير، وصورة مثالية عن “يوم السقوط”. غير أن هذا اليوم، حين جاء، لم يكن مطابقاً لتلك الصورة.

بين الهدف والطريق: سؤال الأخلاق السياسية

ما يميز مواقف الإيرانيين في الخارج اليوم ليس الاختلاف حول الهدف—أي نهاية النظام—بل حول الوسيلة. فبينما يرى البعض أن الضربات العسكرية عجّلت بنهاية نظام استبدادي، يرفض آخرون هذا المسار لما يحمله من دمار إنساني.

ساميرا مويادم تلخص هذا الموقف بوضوح: “الحرية لا تسقط من السماء لتقتلك.”

وهو قول يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن تحقيق الحرية عبر العنف الخارجي؟ أم أن ذلك يهدد بإعادة إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة؟

انتظارات ما بعد السقوط

اليوم، يقف الإيرانيون في المهجر أمام مرحلة جديدة، لا تقل تعقيداً عن سابقتها. فالتحدي لم يعد فقط إسقاط النظام، بل بناء بديل سياسي مستقر، يحترم التعددية ويضمن الحقوق.
وتتمحور أبرز انتظاراتهم حول:

قيام نظام ديمقراطي مدني،
ضمان حقوق النساء والأقليات،
إعادة بناء المؤسسات بعيداً عن الطابع الأيديولوجي،
تجنب سيناريوهات الفوضى أو التدخلات الخارجية المستمرة.

غير أن الطريق نحو ذلك لا يزال غامضاً، خاصة في ظل التداعيات الإقليمية والدولية لما حدث.

خاتمة: المنفى كمرآة للداخل

تكشف مواقف الإيرانيين في الخارج عن حقيقة معقدة: أن المنفى ليس فقط مكاناً جغرافياً، بل هو أيضاً فضاء لإعادة التفكير في الوطن. وبين الفرح الحذر والقلق المشروع، يبدو أن الجاليات الإيرانية تعيش اليوم لحظة مراجعة عميقة، تعيد فيها تعريف معنى التغيير، وحدود الأمل، وثمن الحرية.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو “هل سقط النظام؟” بل: “كيف سقط، وماذا سيأتي بعده؟”

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى