المغرب اليوم

حين تتحول بيوت الله إلى ساحة لجمع الأموال

  • بقلم سيداتي بيدا //

مع اقتراب العشر الأواخر من رمضان، حيث تتضاعف مشاعر الخشوع ويقبل المصلون على المساجد طلباً للسكينة والعبادة، تطفو على السطح ظاهرة مقلقة بدأت تثير تذمراً متزايداً بين عدد من المصلين: شباب يتجولون بين الصفوف لجمع التبرعات بشكل مباشر داخل المساجد، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول حدود المبادرة الفردية واحترام النظام داخل بيوت الله.
قد تبدو النية في ظاهرها حسنة، إذ يبرر بعض المتطوعين هذه المبادرات برغبتهم في مساعدة وعاظ أو فقهاء أو قيمين يشاركون في صلاة التهجد دون أن يكونوا منتمين إدارياً إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. غير أن النوايا الحسنة لا يمكن أن تكون مبرراً لتحويل المسجد إلى فضاء لجمع الأموال بشكل عشوائي، بعيداً عن أي رقابة أو تنظيم.
فالمساجد ليست ساحات مفتوحة للمبادرات الارتجالية، بل مؤسسات دينية تخضع لتنظيم واضح وصارم. ولهذا وضعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ضوابط دقيقة لجمع التبرعات، لا تسمح بذلك إلا عبر قنوات معتمدة، مثل جمعيات المساجد أو الصناديق المخصصة لهذا الغرض، وتحت إشراف الجهات المحلية المختصة. الهدف من ذلك بسيط وواضح: حماية قدسية المسجد، وضمان الشفافية، ومنع أي استغلال محتمل لعاطفة المصلين في أوقات العبادة.
لكن ما يحدث أحياناً داخل بعض المساجد يثير القلق. فمرور أشخاص بين الصفوف أو مخاطبة المصلين لجمع المال، خصوصاً في لحظات العبادة والخشوع، لا يقطع فقط أجواء الصلاة، بل يضع المصلين في موقف حرج بين الرغبة في التصدق والخوف من أن تتحول الصدقة إلى باب للفوضى أو الغموض في مصير الأموال.
الأخطر من ذلك أن استمرار مثل هذه الممارسات يفتح الباب أمام سلوكيات يصعب ضبطها مستقبلاً. فإذا أصبح جمع المال داخل المساجد أمراً عادياً، فمن يضمن أن يبقى الأمر محصوراً في مبادرات بريئة؟ ومن يراقب مسار تلك الأموال أو يضمن وصولها إلى مستحقيها؟
إن الحفاظ على هيبة المسجد مسؤولية جماعية، تبدأ باحترام القوانين المنظمة له. فالتصدق لا يحتاج إلى استعراض ولا إلى المرور بين الصفوف، بل يمكن أن يتم عبر القنوات الرسمية الموضوعة لهذا الغرض، والتي تضمن الشفافية وتحفظ كرامة المتبرع والمتلقي على حد سواء.
في ليالي الرحمة والمغفرة، يجب أن تبقى المساجد فضاءً خالصاً للعبادة والسكينة، لا مجال فيه للفوضى أو الاجتهادات الفردية غير المنظمة. فحين يتعلق الأمر ببيوت الله، لا يكفي حسن النية… بل يجب أن يحضر الانضباط والاحترام قبل كل شيء.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى