الرأيالمجتمع

اليوم العالمي لحقوق المستهلك في زمن الحروب والأزمات

بقلم : بوشعيب حمراوي//

حلّ يوم أمس الأحد 15 مارس، اليوم العالمي لحقوق المستهلك في سياق دولي شديد التوتر، تطبعه الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وفي ظل هذه الأوضاع المضطربة، يعيش المستهلك في مختلف أنحاء العالم معاناة متزايدة مرشحة للتفاقم، بسبب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للحروب على الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

حيث أخذت قافلة حماية المستهلك اتجاها معاكسا، وأصبح الإنسان هو ضحية الاستهلاك من طرف الأنظمة الطامعة في السلطة والتموقع العالمي، واحتكار الثروة والاقتصاد.

فلم تعد المسألة مرتبطة فقط بالقدرة الشرائية أو بارتفاع الأسعار، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بأمن الإنسان في معيشه اليومي. إذ بات الأمن الغذائي مهددًا في عدة مناطق، كما تراجعت مستويات الأمن الصحي نتيجة ارتفاع كلفة العلاج والأدوية، فضلاً عن تهديدات تمسّ السلامة الجسدية والنفسية للأفراد في ظل القلق وعدم الاستقرار الذي تفرضه النزاعات والحصار الاقتصادي.

وتزداد خطورة الوضع عندما تصبح الأنظمة التي يفترض أن تحمي شعوبها وتدافع عن مصالحها عاجزة أو غير مبالية بمعاناة المواطنين، حيث ينشغل بعضها بالحفاظ على مواقع النفوذ والسيطرة أكثر من انشغالها بحماية المستهلك وضمان حقوقه الأساسية.

اليوم، لم يعد المستهلك مهددًا فقط بالزيادات الصاروخية في أسعار المواد الاستهلاكية، بما فيها المواد الأساسية، ولا بارتفاع أسعار الأدوية وتكاليف العلاج فحسب، بل أصبح مهددًا أيضًا بندرة هذه المواد واختفائها في بعض المناطق بسبب تعطل سلاسل الإمداد، أو الاحتكار، أو استغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير مشروعة.

إن هذه الأوضاع تطرح سؤالًا كبيرًا حول مستقبل حقوق المستهلك في عالم يزداد اضطرابًا، وحول مسؤولية الحكومات والمؤسسات الدولية في ضمان حد أدنى من العدالة الاقتصادية والاجتماعية، يحفظ للإنسان كرامته وحقه في العيش الكريم.

استهلاك الأرواح والنفوس البشرية

في هذا السياق العالمي المأزوم، تكشف حصيلة الحروب الدائرة اليوم عن أرقام مفزعة تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الملايين من البشر. ففي الحرب على غزة سقط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، أغلبهم من المدنيين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، بينما وجد مئات الآلاف أنفسهم بلا مأوى بعد تدمير الأحياء السكنية والبنيات الأساسية. أما الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الثالث، فقد خلّفت عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من المصابين، إضافة إلى ملايين اللاجئين والنازحين الذين اضطروا لمغادرة بيوتهم نحو دول أوروبا أو مناطق أكثر أمانًا داخل البلاد.

كما زادت التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل وتداعياتها في منطقة الخليج من حالة القلق وعدم الاستقرار، وخلّفت بدورها ضحايا وخسائر مادية وبشرية، إلى جانب تداعيات اقتصادية خطيرة على المنطقة والعالم. ولم تكن لبنان بمنأى عن هذه التوترات، حيث يعيش السكان تحت ضغط القصف والتوتر الأمني وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. وإلى جانب هذه الحروب، تشتعل نزاعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم، من إفريقيا إلى آسيا، مخلفةً ملايين القتلى والجرحى وموجات غير مسبوقة من التشرد والتهجير القسري، حتى باتت الحروب، بما تحمله من دمار وخراب، كأنها قد عفّنت الحياة الإنسانية وأغرقت العالم في دوامة من الخوف وعدم اليقين.

الاستهلاك اللفظي والكتابي المفرط

وفي مفارقة لافتة، لم تعد كلمة الاستهلاك تقتصر على السلع والخدمات، بل أصبحت تنشط أكثر في اتجاهٍ معاكس، حيث تحوّلت لدى كثير من الأنظمة ومسؤوليها إلى استهلاك للكلام والوعود. فبدل تقديم حلول حقيقية لمشاكل المعيشة وغلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، يُغرق الرأي العام بسيل من التصريحات والبلاغات والوعود التي لا تتجاوز حدود الخطاب. ويُستعمل هذا “الاستهلاك اللفظي” غالبًا لامتصاص غضب المستهلكين وتهدئة الاحتجاجات الاجتماعية، أو لتذويب أي انتفاضة تطالب بالعيش الكريم والعدالة الاقتصادية. كما تُقدَّم رؤى واستراتيجيات وبرامج ومخططات تبدو في ظاهرها طموحة، لكنها في كثير من الأحيان لا تتعدى حدود الاستهلاك الإعلامي والحقوقي والمجتمعي، إذ لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع. وهكذا تتكرر اللقاءات والاجتماعات والندوات التي تنتهي بتوصيات ومقررات وقرارات، لكنها تبقى حبيسة

التقارير والبلاغات الرسمية، خيرًا على الورق… وغائبة في الواقع.

كما أن جزءًا كبيرًا من هذه الخطابات لا يخرج عن إطار الاستهلاك اليومي أو المناسباتي، إذ تُلقى في الغالب في لحظات سياسية محددة أو خلال مناسبات رسمية وانتخابية، ويكون هدفها الأساسي كسب تعاطف المواطنين واستمالة أصواتهم الانتخابية أكثر من البحث عن حلول فعلية لمشاكلهم المعيشية. فتتحول الكلمات إلى أدوات للتأثير العاطفي المؤقت، تُقدَّم فيها الوعود الكبيرة والشعارات البراقة، بينما يبقى الواقع الاجتماعي والاقتصادي على حاله، ينتظر إجراءات ملموسة وسياسات حقيقية قادرة على حماية المستهلك وضمان كرامة العيش.

وهكذا يصبح الخطاب السياسي في كثير من الأحيان مجرد سلعة رمزية تُستهلك بسرعة، قبل أن تُستبدل بخطاب جديد عند كل محطة انتخابية أو مناسبة رسمية.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى