
يورغن هابرماس.. فيلسوف العقل التواصلي يرحل عن عالمنا
- محمد الأشهب/ أستاذ الفلسفة بجامعة بن زهر //
رحل عن عالمنا أمس الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركاً إرثاً فلسفياً هائلاً جعله أحد أكثر المفكرين تأثيراً في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة. هابرماس، الذي وُلد في دوسلدورف عام 1929، لم يكن مجرد فيلسوف أكاديمي منعزل في برجه العاجي، بل كان مثقفاً عمومياً بامتياز، تدخل في شؤون وطنه وأوروبا والقضايا العالمية لعقود طويلة. نشأ في ظل النازية، وشهد عن كثب بشاعة الحرب والدمار، وآخرها حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين التي لم يكن له فيها -للأسف- موقف مشرف، ليكرس حياته بعد ذلك لفكرة واحدة كبرى: كيف يمكن للمجتمعات الديمقراطية أن تبني توافقها عبر الحوار والعقل لا عبر القوة والسيطرة.
يُعد هابرماس أشهر وجوه الجيل الثاني من “مدرسة فرانكفورت” النقدية، حيث استكمل مسيرة أساتذته ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، لكنه تجاوز تشاؤمهم الحضاري ليؤسس لمشروع فلسفي متفائل يقوم على “العقل التواصلي”. في كتابه الضخم “نظرية الفعل التواصلي” (1981)، الذي يُعتبر أهم أعماله، قدّم رؤية عميقة للفعل الإنساني تقوم على أن التفاهم والحوار هما أساس بناء المجتمع، وليس الصراع أو المنفعة الفردية فقط.
شغل هابرماس كرسي الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة فرانكفورت خلفاً لأستاذه هوركهايمر عام 1964، ثم انتقل لإدارة معهد ماكس بلانك في شتارنبرغ، قبل أن يعود إلى فرانكفورت حتى تقاعده عام 1994. لكن تأثيره لم يقتصر على قاعات الدرس، بل امتد إلى “الفضاء العمومي” (Öffentlichkeit)، حيث كان صوته يُسمع في كل قضية كبرى: من موقفه النقدي من حركة الطلاب عام 1968 حين رأى فيها راديكالية مفرطة، إلى دفاعه المستمر عن المشروع الأوروبي الموحد، وصولاً إلى مواقفه الأخيرة من الحرب والأزمات الدولية.
وفي هذا السياق، تبقى مواقفه من حرب الإبادة في غزة مثيرة للجدل، لكن ذلك لا ينتقص من مكانته الفلسفية الراسخة.
هابرماس في تجربتي البحثية: رحلة من فوكو إلى العقل التواصلي
ارتبط مساري البحثي بهابرماس ارتباطاً وثيقاً، حيث بدأت الرحلة عام 1996 في رحاب جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حين كنت أعد بحث الإجازة في موضوع “إبستيمي الحداثة لدى ميشيل فوكو” تحت إشراف المرحوم عبد الحميد المرسلي.
كان ذلك تعبيراً عن حماسة شبابية لخطاب نقد الحداثة السائد في الأوساط الفكرية المغربية آنذاك، حيث شكل فوكو -بوصفه مفككاً للبنى الحداثية- مرجعية جاذبة لجيل كان يقرأ الحداثة من خلال عدسة ما بعد البنيوية الفرنسية. لكن هذه النزعة بدأت تتراجع مع إعدادي لرسالة دبلوم الدراسات العليا المعمقة سنة 2001، التي اخترت لها عنوان “براديغم الحداثة: حوار هابرماس – فوكو” تحت إشراف الدكتور عز العرب لحكيم بناني.
حمل هذا الانتقال من مفهوم”الإبستيمي” عند فوكو إلى مفهوم “البراديغم” عند هابرماس دلالة منهجية عميقة، تعكس تحولاً من نقد الحداثة إلى الدفاع عنها. كان الدافع وراء هذا التحول هو الاقتناع بأن مجتمعاتنا، التي لم تلج بعد عتبة الحداثة، أولى بها أن تستفيد من خطابات فلسفية تدافع عن قيم العقلانية والحق والحرية والديمقراطية، بدل الانشغال بتفكيكها.
هذا الاختيار قادني إلى تخصيص بحث الدكتوراه لـ “مذهب التواصل في النظرية النقدية ليورغن هابرماس”، حيث لم أعد أتعامل مع الفعل التواصلي كمفهوم نظري فحسب، بل كرؤية شاملة للعالم وكنموذج فلسفي متكامل يمكن البناء عليه. كان كتاب محمد نور الدين أفاية “الحداثة والتواصل في النظرية النقدية” منطلقاً مهماً للتفكير في المشروع، لكنني سعيت إلى توسيع نطاق النظرية من داخل المتن الفلسفي لهابرماس نفسه، مرتكزاً على كتاباته المتأخرة حول أخلاقيات المناقشة، والمنعطف اللغوي، والنظريات الحجاجية، والديمقراطية التداولية، وعلاقتها بالفضاء العمومي.
كما يمثل انتمائي لجيل التسعينيات سياقاً مهماً لفهم هذا الاختيار الفلسفي، فبعد سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي، تراجع توهج “براديغم الصراع” المبني على القطيعة الثورية والصراع الطبقي، ليحل محله “براديغم التواصل” المراهن على التوافق والحوار والديمقراطية التداولية. وهكذا يمكن القول إن جيلي من الباحثين المغاربة يشكل ما يمكن تسميته بـ”جيل العقل التواصلي”.
وإذ ودعنا هابرماس جسداً، فإنه يبقى حياً في كل مرة نبحث فيها عن لغة مشتركة للحوار، وفي كل محاولة لإصلاح فضاء عمومي مختل، وفي كل حلم بمجتمع يتسع للجميع لا بالعنف بل بالكلمة والحجة. وبهذه المناسبة، يسعدني أن أعلن أن كتابه الأخير “تاريخ الفلسفة” الذي ختم به مساره الفلسفي سيرى النور قريباً عن منشورات الجمل بترجمتي الشخصية، ليبقى هابرماس حاضراً في المكتبة الفلسفية الناطقة بالعربية حتى وإن اختلفنا معه، لأن الفلسفة أصلاً فكر مبني على الاختلاف. كما سيبقى حاضراً في الفكر الإنساني، ويكفي الباحث تصفح ما يُنشر عنه باللغات المتعددة ليعرف حجم هذا الحضور، علاوة على ترجمة كتبه إلى أكثر من 40 لغة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



