
إنزكان تجدد العهد مع ذاكرة ” تازنزارت ” في ليلة فنية استثنائية كرّست الوفاء لرواد الأغنية الأمازيغية
إنزكان : إبراهيم فاضل//
عاشت مدينة إنزكان، مساء الجمعة 13 مارس 2026، على وقع لحظة ثقافية وفنية مميزة أعادت إلى الواجهة ذاكرة فن ” تازنزارت ” الأمازيغي، وذلك خلال فعاليات الدورة الرابعة من التظاهرة الثقافية ” تازنزارت وفاء وذاكرة ” التي احتضنتها قاعة الحسين قرير بالقصر البلدي ، في أمسية احتفالية ناجحة جمعت بين الفن والوفاء واستحضار مسار رموز بصموا تاريخ الأغنية الأمازيغية التراثية بمنطقة سوس.
وانطلقت فعاليات الحفل في أجواء مهيبة افتُتحت بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها أداء النشيد الوطني، قبل أن تُفتتح الكلمات الرسمية التي أبرزت رمزية هذه التظاهرة الثقافية ودورها في صون الذاكرة الفنية المحلية. وفي هذا الإطار، ألقى السيد رشيد المعيفي، رئيس جماعة إنزكان، كلمة بالمناسبة أكد فيها أن الجماعة تحرص على دعم المبادرات الثقافية التي تكرم الفنانين وتعيد الاعتبار لرواد الأغنية الأمازيغية، معتبرا أن إنزكان ظلت على الدوام فضاءً حاضناً للإبداع الفني ورافداً أساسياً للثقافة الأمازيغية بالمنطقة. كما ألقى السيد أحمد اليزيدي كلمة باسم النقابة الوطنية لفنون الدراما والتراث والموسيقى، شدد فيها على أهمية مثل هذه المبادرات في حفظ الذاكرة الفنية وتكريم الأسماء التي ساهمت في ترسيخ هذا اللون الموسيقي الأصيل. من جانبه، أكد السيد علي أمقدوف، المندوب الجهوي للمكتب المغربي لحقوق المؤلفين والحقوق المجاورة، في كلمته على ضرورة صون الحقوق الأدبية والفنية للمبدعين، مبرزاً الدور الذي يقوم به المكتب في حماية الإنتاج الفني وضمان استمراريته للأجيال القادمة.

وجاء تنظيم هذه الدورة من طرف جماعة انزكان، بتنسيق مع النقابة الوطنية لفنون الدراما والتراث والموسيقى، تكريماً لروح الفنانين الراحلين مصطفى الشاطر ولحسن بوفرتال عن مجموعة ازنزارن ايكوت عبد الهادي، اللذين تركا بصمة بارزة في مسار فن ” تازنزارت ” وفي الأغنية الأمازيغية التراثية بمنطقة سوس، حيث عرفت الأمسية حضور عائلات وأصدقاء المكرَّمين إلى جانب فنانين وباحثين وفعاليات ثقافية ومدنية، فضلاً عن حضور رئيس وأعضاء المجلس الجماعي لإنزكان وعدد من الوجوه الفنية والجمعوية و السياسية التي حرصت على تقاسم لحظة الوفاء لهذه القامات الفنية.
وتخللت فقرات الحفل لحظات إنسانية مؤثرة، حيث تم عرض شريط وثائقي يستعرض المسار الفني للمرحوم لحسن بوفرتال، وذلك بحضور زوجته وابنته، في لحظة امتزجت فيها مشاعر الاعتزاز بالحزن والحنين إلى مسيرة فنية شكلت جزءاً من ذاكرة الأغنية الأمازيغية بالمنطقة. كما أعلن رئيس المجلس الجماعي لإنزكان عن مبادرة إنسانية تمثلت في إهداء عمرة لزوجة الراحل لحسن بوفرتال، في التفاتة لقيت استحساناً كبيراً من طرف الحاضرين الذين اعتبروها عربون وفاء وتقدير لمسار الفنان الراحل.
وفي لحظة أخرى لا تقل تأثيراً، تم عرض الآلات الموسيقية التي كان يعزف عليها الراحلان، حيث تم تقديم آلة “الطامطام”الخاصة بالمرحوم بوفرتال، إلى جانب آلة ” السنتير ” التي اشتهر بعزفها الفنان الراحل مصطفى الشاطر، في مشهد رمزي استحضر ذاكرة فنية حية ظل صداها يتردد في وجدان عشاق الأغنية الأمازيغية. كما جرى تكريم روح المرحوم مصطفى الشاطر بحضور شقيقته وأصدقائه المقربين، في أجواء غلب عليها التأثر والاعتزاز بمسار فني حافل بالعطاء، قبل أن يبادر رئيس المجلس الجماعي لإنزكان أيضاً بإهداء عمرة لشقيقة الراحل في التفاتة إنسانية عكست روح التضامن والوفاء التي طبعت هذه التظاهرة.
وعلى المستوى الفني، شهدت الأمسية مشاركة عدد من الأسماء البارزة في الساحة الفنية الأمازيغية، من بينهم الرايس الحسين بن يحيى أوتزناخت والرايس الحاج إدير، إلى جانب الفنانين هشام ماسين وعمر الكدالي، حيث قدموا وصلات موسيقية استلهمت روح فن ” تازنزارت ” وأعادت إلى الأذهان روائع هذا اللون الموسيقي العريق الذي شكل جزءاً من الهوية الثقافية لسكان سوس. كما أمتعت مجموعة ” أكيدار” الجمهور بفقرات فنية استحضرت الموروث الموسيقي الأمازيغي، مقدمة لوحات فنية جمعت بين الأصالة والإبداع.
ولم تقتصر فقرات الحفل على الموسيقى فحسب، بل شهدت أيضاً لحظات شعرية مؤثرة ألقاها الشاعران مولاي علي شوهاد وسعيد إدبناصر، حيث استحضرت قصائدهما الذاكرة الثقافية للمنطقة واسترجعت مسار الفنانين الراحلين وإسهاماتهما في الحفاظ على هذا التراث الفني العريق، ما أضفى على الأمسية بعداً ثقافياً وإنسانياً عميقاً.
وتناوب على تقديم فقرات الحفل كل من الإعلامي عبد الرحيم أوخزار والفنانة زهرة المهبول تامكروت، حيث نجحا في إدارة فقرات البرنامج بأسلوب سلس ومتناغم جمع بين التقديم الإعلامي واستحضار البعد الثقافي والفني للتظاهرة، الأمر الذي ساهم في خلق تفاعل كبير بين الفنانين والجمهور الذي ملأ جنبات القاعة.
الحفل، الذي انطلق في حدود الساعة العاشرة ليلاً، استمر إلى الساعات الأولى من الصباح في أجواء احتفالية طغى عليها التفاعل والحماس، حيث تفاعل الحاضرون مع مختلف العروض الموسيقية التي أعادت إلى الواجهة ألحاناً خالدة شكلت جزءاً من الذاكرة الفنية الأمازيغية. وقد اختُتمت هذه الأمسية بتناول وجبة عشاء على شرف الحاضرين، في أجواء ودية عكست روح التآخي والتقدير التي طبعت هذه المناسبة الثقافية.
وأكد عدد من المتتبعين أن تظاهرة ” تازنزارت وفاء وذاكرة ” أصبحت موعداً ثقافياً سنوياً بارزاً بمدينة إنزكان، لما تحمله من رمزية ثقافية وفنية تهدف إلى صون الذاكرة الفنية للأغنية الأمازيغية والاحتفاء بروادها، فضلاً عن إبراز غنى التراث الموسيقي لمنطقة سوس وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي المحلي والوطني.
وهكذا نجحت الدورة الرابعة من هذه التظاهرة في تجديد العهد مع ذاكرة فنية ما تزال نابضة بالحياة، مؤكدة أن الفن الأمازيغي، وعلى رأسه فن ” تازنزارت “، يظل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية للمنطقة، ورافعة حقيقية لحفظ التراث ونقله إلى الأجيال القادمة في إطار مبادرات ثقافية تعيد الاعتبار لرجال ونساء صنعوا مجد الأغنية الأمازيغية وتركوا بصمتهم في وجدان الجمهور.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



