الرأيالعالم اليوم

التاريخ لا يرحم : تركيا وإيران من أوائل المساهمين في تثبيت إسرائيل

بقلم: بوشعيب حمراوي

قد يبدو الحديث عن العلاقة بين إيران وإسرائيل اليوم غريبًا أو حتى مستحيل التصديق لدى كثيرين، في ظل العداء الحاد الذي يطبع خطاب الطرفين، والتوتر الدائم الذي يشكل أحد أبرز معالم الصراع في الشرق الأوسط. غير أن التاريخ السياسي يخبرنا بحقيقة مختلفة تمامًا؛ إذ لم تكن العلاقة بين البلدين دائمًا علاقة صراع وعداء، بل مرت بفترة تعاون وثيق وتحالف غير معلن، قبل أن تنقلب المعادلة رأسًا على عقب بعد التحولات الكبرى التي عرفتها إيران سنة 1979.

ولعل العودة إلى اللحظات الأولى لقيام إسرائيل تكشف مفارقات سياسية لافتة؛ فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تعترف بإسرائيل يوم 14 ماي 1948، وتبعها بعد أيام قليلة الاتحاد السوفياتي، في مشهد يعكس توافقًا نادرًا بين قوتين عظميين كانتا آنذاك في قلب صراع سياسي وإيديولوجي واقتصادي حاد عُرف بالحرب الباردة.

وبعد ذلك توالت الاعترافات الدولية، وكان من أبرزها اعتراف تركيا سنة 1949 باعتبارها أول دولة ذات أغلبية مسلمة تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، قبل أن تلتحق بها إيران سنة 1950 في عهد الشاه محمد رضا بهلوي باعتراف فعلي فتح الباب أمام علاقات اقتصادية وأمنية وسياسية بين الطرفين. هذه المعطيات التاريخية تكشف أن شبكة العلاقات التي أحاطت بإسرائيل في سنواتها الأولى كانت أوسع وأكثر تعقيدًا مما يتصوره كثيرون اليوم، وأن التحالفات في السياسة الدولية كثيرًا ما تحكمها حسابات المصالح والظروف الجيوسياسية أكثر مما تحكمها الشعارات والمواقف المعلنة.

في بداية خمسينيات القرن الماضي، اختارت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي الاعتراف بإسرائيل اعترافًا فعليًا سنة 1950. لم يكن هذا الاعتراف كاملاً من الناحية الدبلوماسية، لكنه فتح الباب أمام إقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية بين البلدين. دامت حوالي 29 سنة.
في سياق التوازنات الإقليمية آنذاك، كان الشاه يبحث عن تحالفات خارج الدائرة العربية، بينما كانت إسرائيل تسعى إلى كسر العزلة التي فرضتها عليها الدول العربية بعد قيامها سنة 1948.

مع مرور الوقت، تحولت تلك العلاقة المحدودة إلى تعاون واسع النطاق، خاصة ابتداءً من ستينيات القرن الماضي. فقد أصبحت إيران أحد أهم مزودي إسرائيل بالنفط، كما نشأت بين الطرفين مشاريع اقتصادية مشتركة وتبادل تجاري نشط. ولم يقتصر الأمر على الاقتصاد فقط، بل امتد إلى مجالات الأمن والاستخبارات والتعاون العسكري، حيث نسجت أجهزة المخابرات في البلدين شبكة تنسيق وتبادل معلومات في إطار مواجهة خصوم مشتركين في المنطقة.
ورغم عمق هذا التعاون، بقيت العلاقة بين الطرفين في معظمها بعيدة عن الأضواء.

فقد كانت القيادة الإيرانية آنذاك تدرك حساسية الرأي العام في العالم الإسلامي، لذلك حافظت على طابع غير معلن للعلاقات الدبلوماسية، واكتفت بمكاتب تمثيلية بدل السفارات الرسمية. لكن خلف هذا الحذر الظاهري كانت المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية ترسم مسارًا متينًا للتعاون.

غير أن كل شيء تغير مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979. فقد أطاحت الثورة بنظام الشاه، وأعلنت قيام نظام سياسي جديد قائم على رؤية إيديولوجية مختلفة تمامًا. ومنذ الأيام الأولى للثورة، اتخذت القيادة الجديدة موقفًا حاسمًا تجاه إسرائيل، فتم قطع العلاقات بشكل كامل، وإغلاق الممثلية الإسرائيلية في طهران، وتسليم مقرها إلى ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية.

لم يكن هذا القرار مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل كان إعلانًا عن تحول جذري في السياسة الخارجية الإيرانية. فقد اعتبرت القيادة الجديدة أن دعم القضية الفلسطينية جزء من هويتها السياسية، وأن الصراع مع إسرائيل يمثل بعدًا أساسيًا في خطابها الإقليمي. ومنذ ذلك الحين دخلت العلاقة بين البلدين مرحلة عداء مفتوح، اتخذ في الغالب شكل صراع غير مباشر عبر ملفات متعددة في المنطقة.

هكذا تكشف هذه القصة جانبًا مهمًا من طبيعة السياسة الدولية، حيث لا تبقى التحالفات ثابتة ولا تستمر الخصومات إلى الأبد. فالمصالح، والتحولات الداخلية، وتغير موازين القوى، كلها عوامل قادرة على تحويل الأصدقاء إلى خصوم، أو تحويل الخصوم إلى شركاء. وما حدث بين إيران وإسرائيل يظل مثالًا واضحًا على أن السياسة ليست مجرد شعارات أو مواقف معلنة، بل هي قبل كل شيء شبكة معقدة من المصالح والتوازنات التي يعاد رسمها كلما تغيرت الظروف.

ومن يتأمل هذا المسار التاريخي يدرك أن كثيرًا من الصراعات التي تبدو اليوم أبدية قد تكون في حقيقتها مجرد مرحلة في مسار طويل من التحولات. فالتاريخ، كما يثبت دائمًا، لا يعرف الثبات، بل يتحرك باستمرار بين التحالف والخصومة، بين التقارب والقطيعة، وفق ما تمليه حسابات القوة والمصالح في كل مرحلة من مراحل الزمن.

يكشف تتبع مسار الاعترافات الدولية بدولة إسرائيل منذ إعلان قيامها سنة 1948 أن تثبيت هذا الكيان في النظام الدولي لم يكن حدثًا مفاجئًا أو معزولًا، بل نتيجة سلسلة من الاعترافات السياسية المتتالية التي منحت الدولة الجديدة شرعية دولية متزايدة. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تعترف بإسرائيل يوم 14 ماي 1948، وبعدها بثلاثة أيام اعترف بها الاتحاد السوفياتي يوم 17 ماي من السنة نفسها، في مفارقة تاريخية تعكس توافق القوتين العظميين آنذاك رغم صراعهما الإيديولوجي.

وخلال سنة 1948 توالت الاعترافات من عدة دول، من بينها غواتيمالا، نيكاراغوا، أوروغواي، آيسلندا، رومانيا، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا. وفي سنة 1949 التحقت دول أخرى بهذا المسار مثل فرنسا، إيرلندا، تركيا التي كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل. أما سنة 1950 فقد شهدت اعتراف دول أخرى من بينها المملكة المتحدة صاحبة (وعد بلفور سنة 1917 الذي أعلن فيه وزير الخارجية البريطاني دعم إقامة ما أسماه بوطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين )، واعتراف إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وهو اعتراف تم بحكم الواقع وفتح الباب أمام علاقات اقتصادية وسياسية بين الطرفين.

وخلال سنوات الخمسينيات استمرت الاعترافات الدولية لتشمل دولًا أخرى من أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وهو ما ساهم تدريجيًا في ترسيخ وجود إسرائيل داخل المنظومة الدولية إلى حدود نهاية العقد، أي سنة 1959. ويبين هذا التسلسل التاريخي أن الاعترافات المبكرة من قوى دولية كبرى ومن دول متعددة القارات لعبت دورًا حاسمًا في تثبيت إسرائيل سياسيًا ودبلوماسيًا في السنوات الأولى من قيامها، في وقت كانت فيه الدول العربية ترفض الاعتراف بها وتخوض معها صراعًا مفتوحًا حول مستقبل فلسطين.

وبعد استحضار كل هذه الوقائع التاريخية، يحق للمرء أن يتساءل: أليس من المشروع القول إن إيران كانت من بين الدول التي ساهمت، في مرحلة مبكرة، في تثبيت أقدام إسرائيل في المنطقة؟ فقد اعترفت بها في وقت كانت فيه غالبية الدول الإسلامية والعربية ترفض مجرد التعامل معها، ووفرت لها النفط والتعاون الاقتصادي والأمني، وفتحت أمامها قنوات الدعم والتنسيق في سنواتها الأولى.

وبذلك يمكن القول إن إيران، في تلك المرحلة، كانت من بين الدول التي أسهمت في احتضان هذا الكيان وهو في بدايات تشكله، مولودًا جديدًا أراد له داعموه أن يستقر فوق أرض لها أهلها وتاريخها العربي والإسلامي العريق، قبل أن تنقلب المعادلات لاحقًا وتتحول العلاقة إلى عداء وصراع مفتوح.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى