الرأيالعالم اليوم

حرب تُبَثُّ بلا صور: عندما تُدار المعارك في الظل ويُستبعَد الشهود

  • بقلم: حسن كرياط //

في زمنٍ تحوّلت فيه الحروب إلى حدثٍ عالمي يُنقل مباشرة عبر الشاشات والهواتف، تبدو الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى حالةً استثنائية تثير كثيراً من علامات الاستفهام. فالملايين يتابعون الأخبار لحظة بلحظة، لكنهم في المقابل لا يرون من الحرب إلا القليل. الأخبار تتدفق بلا توقف، غير أن الصور الميدانية شحيحة، وكأن العالم يعيش مفارقة غريبة: حرب تُروى تفاصيلها بلا شهود بصريين.
إن هذا التناقض بين فيض الأخبار وندرة الصور ليس مجرد صدفة إعلامية، بل يعكس – في تقدير كثير من المراقبين – سياسة ممنهجة من التعتيم والتحكم في الرواية الإعلامية. فقبل اندلاع المواجهة العسكرية، شهدت الولايات المتحدة حدثاً غير مألوف حين قرر نحو أربعين صحافياً أمريكياً كانوا معتمدين لتغطية الشؤون العسكرية داخل وزارة الدفاع مغادرة مواقعهم احتجاجاً على القيود الصارمة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على التغطية الإعلامية.
وقد شملت تلك القيود إلزام الصحافيين بعدم نشر أي معلومات غير مصرح بها رسمياً، إضافة إلى فرض رقابة مسبقة على التقارير قبل بثها. وبذلك، وجد هؤلاء الصحافيون أنفسهم أمام خيارين: إما القبول بدور ناقل للبيانات الرسمية فقط، أو الانسحاب من المشهد. فاختاروا المغادرة، تاركين ساحة التغطية العسكرية خالية تقريباً من الشهود المستقلين.
وفي الجهة الأخرى من التحالف العسكري، لا يختلف الوضع كثيراً. فالحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو تنظر إلى الإعلام باعتباره جبهة من جبهات الحرب. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الحرب على غزة، حين تم إقرار قوانين استثنائية تحد من التصوير والنشر أثناء العمليات العسكرية. وتشمل هذه القوانين منع تصوير عمليات القصف أو اعتراض الصواريخ، كما تحظر نشر الصور أو مقاطع الفيديو المتعلقة بالعمليات العسكرية على منصات التواصل الاجتماعي، مع عقوبات قد تصل إلى ثلاث سنوات سجناً لكل من يخالف هذه التعليمات.
بهذا الشكل، تتحول الحرب الحديثة إلى حرب مُدارة إعلامياً بقدر ما هي مُدارة عسكرياً. فالرواية الرسمية تُقدَّم للمتلقي جاهزة ومفلترة، بينما تُحجب الوقائع الميدانية التي قد تكشف حجم الخسائر أو طبيعة العمليات.
غير أن هذه الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط. فالتصعيد ضد إيران يأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتشابك ملفات النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية، من الخليج إلى البحر الأحمر. كما أن هذه المواجهة تُلقي بظلالها على واحدة من أقدم القضايا وأكثرها حساسية في المنطقة: القضية الفلسطينية.
فبينما ينشغل العالم بمواجهة جديدة قد تتسع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، يظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية القضية المركزية التي لم تجد بعد طريقها إلى حل عادل. ويخشى كثير من المحللين أن يؤدي التصعيد مع إيران إلى تحويل بوصلة الاهتمام الدولي بعيداً عن المأساة الإنسانية والسياسية في فلسطين.
كما أن انخراط الولايات المتحدة في هذه المواجهة يعكس استمرار الرهان على استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. غير أن التاريخ الحديث في الشرق الأوسط – من العراق إلى أفغانستان – يبين أن الحروب الكبرى غالباً ما تفتح أبواباً من الفوضى لا يمكن التحكم في نتائجها.
وفي هذا السياق، تبدو المخاوف العالمية مشروعة من احتمال توسع الصراع إلى حرب إقليمية أوسع قد تمس أمن الطاقة العالمي وتؤثر في الاستقرار الدولي، خصوصاً في ظل التوترات القائمة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع متعدد الأبعاد: عسكري، إعلامي، وجيوسياسي. حرب تُدار بالصواريخ كما تُدار بالمعلومات، وتُخاض في الميدان كما تُخاض في الفضاء الإعلامي.
ومن هنا يطرح السؤال الكبير نفسه: هل يستطيع العالم أن يفهم حقيقة ما يجري إذا كانت الوقائع تُحجب والعدسات تُقيَّد؟
إن أخطر ما في الحروب ليس فقط الدمار الذي تخلفه، بل أيضاً الضباب الذي يُصنع حولها، حيث تتحول الحقيقة إلى ضحية إضافية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبقى الأمل معقوداً على صوت العقل والدبلوماسية قبل أن تنزلق المنطقة – وربما العالم – إلى مواجهة أوسع قد لا ينجو أحد من تداعياتها.
اللهم الطف بالعالم من جنون الحروب

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى