الرأيالسياسة

انتخابات 23 شتنبر… محطة حاسمة بين رهانات الإصلاح وتحديات المشهد السياسي المغربي

  • حسن كرياط //

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الإصلاح المؤسسي مع تطلعات المجتمع إلى تجديد النخب وتعزيز فعالية الأداء السياسي. فهذه الانتخابات لا تندرج فقط ضمن الاستحقاقات الدستورية الدورية، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على مواكبة التحولات التي يشهدها المغرب في سياق إقليمي ودولي متسارع.

لقد أضحى واضحاً أن المغرب يعيش خلال السنوات الأخيرة دينامية سياسية ودبلوماسية متقدمة، عززت موقعه كشريك استراتيجي في محيطه الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. وفي هذا السياق، يشكل الاستحقاق الانتخابي المقبل فرصة لتجديد الشرعية الديمقراطية للمؤسسات التمثيلية، وترسيخ الثقة بين المواطن والعمل السياسي، بما يسمح بتقوية البناء المؤسساتي للدولة ومواصلة مسار الإصلاحات الكبرى.

وتأتي هذه الانتخابات في سياق وطني يتسم باستمرار الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي أطلقها المغرب خلال العقد الأخير، وعلى رأسها المشاريع التنموية المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد، والتحولات الاقتصادية التي تعرفها المملكة من خلال مشاريع البنيات التحتية الكبرى، والاستثمارات الصناعية، والانتقال الطاقي، إضافة إلى تعزيز مكانة المغرب كمركز اقتصادي ولوجستي في القارة الإفريقية. كما تتزامن هذه المرحلة مع التحضير لاحتضان أحداث دولية كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما يفرض دينامية تشريعية وسياسية قادرة على مواكبة هذه التحديات.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يواصل المغرب تحقيق مكاسب مهمة في ملف الصحراء المغربية، حيث اتسع نطاق الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية للنزاع الإقليمي المفتعل، وهو ما يعزز موقع المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية ويضع الطبقة السياسية أمام مسؤولية تاريخية لتقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الاستقرار المؤسساتي.

غير أن هذه التحولات الإيجابية لا تخفي وجود تحديات داخلية حقيقية، من بينها ضعف الثقة في العمل الحزبي، وتراجع نسب المشاركة السياسية، وتنامي الشعور لدى فئات واسعة من الشباب بأن الفضاء السياسي لم يعد يعكس تطلعاتهم. وهو ما يجعل من الانتخابات المقبلة محطة أساسية لإعادة الاعتبار للفعل السياسي، وتجديد النخب، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تقديم تصورات واقعية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

كما تفرض المرحلة الراهنة ضرورة تطوير الأداء التشريعي والرقابي داخل المؤسسة البرلمانية، حتى تصبح أكثر قدرة على مواكبة الإصلاحات الكبرى، خاصة في مجالات العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي هذا الإطار، فإن نجاح محطة 23 شتنبر لا يقاس فقط بسلامة العملية الانتخابية، بل بمدى قدرتها على إنتاج نخبة سياسية جديدة تمتلك رؤية استراتيجية، وتتمتع بالكفاءة والنزاهة، وقادرة على التفاعل الإيجابي مع التحولات المتسارعة التي يعرفها المغرب.

اعتقد أن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق التدبير السياسي التقليدي إلى منطق الفعل السياسي القائم على الكفاءة والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، بما يسمح بخلق دينامية سياسية جديدة تعيد الثقة للمواطن في المؤسسات التمثيلية، وتدفع الشباب إلى الانخراط الفاعل في الحياة العامة.

إن انتخابات 23 شتنبر ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل لحظة سياسية فارقة يمكن أن تشكل بداية مرحلة جديدة في مسار الديمقراطية المغربية، إذا ما تم استثمارها في تجديد النخب، وتعزيز ثقافة المشاركة السياسية، وبناء مؤسسات قوية قادرة على مواكبة طموحات المغرب في التنمية والريادة الإقليمية.

وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح هذه المحطة رهيناً بمدى وعي مختلف الفاعلين السياسيين بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم، وإدراكهم أن مستقبل المغرب لا يُبنى فقط بالبرامج والشعارات، بل بإرادة سياسية صادقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى واقع ملموس يخدم الوطن والمواطن.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى