
انتخابات شتنبر 2026: هل تغير وجه البرلمان أم تتكرر الخيبة؟
- بقلم: بوشعيب حمراوي//
حددت وزارة الداخلية يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية وتجديد دماء مجلس النواب. حدث هام يعيد فتح نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية والمدنية حول سؤال جوهري: هل سينجح المغرب هذه المرة في إفراز مجلس نواب قادر على القيام بمهامه الدستورية في التشريع والمراقبة؟.
فالدستور المغربي، وخاصة بعد 2011، منح المؤسسة التشريعية صلاحيات مهمة في سن القوانين ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية. غير أن التجربة السياسية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الأداء البرلماني لا يزال دون مستوى الانتظارات الشعبية، سواء على مستوى جودة التشريع أو فعالية الرقابة على الحكومة والإدارات العمومية محلياً وجهوياً ومركزياً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: ما جدوى الانتخابات إذا كانت تعيد إنتاج الخيبة نفسها؟ بنفس الوجوه ومن نفس الوسط العائلي.وكأن البرلمان حضن خالص وإرث مسجل ومحفظ لبعض العائلات ومحيطها من أقارب وأصهار.
فالديمقراطية لا تقاس بعدد صناديق الاقتراع ولا بانتظام المواعيد الانتخابية، بل بقدرتها على إفراز نخب جديدة قادرة على خدمة المصلحة العامة. أما إذا تحولت الانتخابات إلى مجرد آلية لإعادة تدوير نفس الوجوه ونفس الاختلالات التي ساهمت في إضعاف الثقة في العمل السياسي، فإنها تفقد جوهرها الإصلاحي وتتحول إلى طقس شكلي لا يغير من الواقع شيئاً.
كما أن منطق الإصلاح يفرض قاعدة بسيطة: من أفسد الانتخابات لا يمكنه إصلاحها. فالمتورط في شراء الأصوات أو في شبكات السمسرة الانتخابية لا يمكن أن يكون جزءاً من مشروع تغيير أنماط الممارسة السياسية. لذلك فإن أي إصلاح انتخابي جدي يجب أن يبدأ أولاً بتجفيف منابع الفساد الانتخابي، ومحاسبة المتورطين فيه، حتى لا تتحول الدعوة إلى الإصلاح، إلى مجرد شعار يرفعه المستفيدون من اختلالات النظام الانتخابي نفسه.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يطفو من جديد سؤال مؤلم: هل ستعود حكاية القطيع والسماسرة خلال الانتخابات الجماعية والتشريعية؟ وهل سيعي الممتنعون عن التسجيل أو الترشيح أو التصويت أنهم، من حيث لا يشعرون، يفسحون المجال أمام المفسدين للهيمنة على المؤسسات المنتخبة؟ فالعزوف الانتخابي ليس موقفاً محايداً، بل قد يتحول في كثير من الأحيان إلى شكل غير مباشر من أشكال التواطؤ مع الفساد السياسي.
إن كل منتخب يشتري ذمم الناخبين خلال الانتخابات لن يسعى إلى خدمة الشعب بعد فوزه. فشراء الأصوات ليس عملاً سياسياً بل استثمار مالي، هدفه استرجاع الأموال المصروفة مضاعفة عبر النفوذ والصفقات والامتيازات. وسواء كان هذا المنتخب مثقفاً أو أمياً، فإن الهدف واحد: كسب المال والسلطة والجاه، لا خدمة المصلحة العامة.
وحين يقف المرء أمام مستوى بعض المنتخبين الذين أفرزتهم الانتخابات الجماعية والتشريعية والمهنية، لا يملك إلا أن يشعر بأسف عميق على ما آلت إليه بعض المؤسسات التمثيلية، حيث تتحول المسؤولية العمومية أحياناً إلى مجال يجتمع فيه ضعف الكفاءة وقلة الخبرة، إلى درجة تدفع البعض للقول إن الجهل أصبح في بعض المجالس أكثر حضوراً من الحكمة.
ورغم هذه الاختلالات، فإن المسؤولية لا تقع على الأحزاب السياسية وحدها، بل يتحمل المواطن نفسه جزءاً منها. فالشعب المغربي مسؤول أيضاً عن تدهور بعض الأوضاع الاجتماعية والسياسية عندما يتخلى عن دوره في المشاركة الجدية في الاستحقاقات الوطنية. صحيح أن الأحزاب تختار المرشحين، لكن المجتمع قادر أيضاً على فضح المفسدين والضغط لمنعهم من الترشح. وقد شهد المغرب في لحظات سابقة حركات احتجاجية قوية، غير أن مثل هذه الحيوية المدنية لو تحولت إلى ضغط إيجابي خلال فترات الإعداد للانتخابات وأثناء الحملات الانتخابية لكان تأثيرها أكثر حسماً في توجيه الاختيارات نحو الأفضل.
كما أن من أخطر الظواهر التي تعاني منها الحياة العامة في المغرب أن كثيراً من الشرفاء يفضلون الصمت، بينما يحتل الفضاء العمومي والإعلامي والرقمي أشخاص لا يمثلون سوى الضجيج والمصالح الضيقة. فغياب صوت الحق والنزاهة والشفافية داخل المجتمع يضر بالدولة نفسها، لأنه يخلق انطباعاً زائفاً بأن الفساد أمر عادي أو مقبول.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز الثقة في الانتخابات يتطلب أيضاً إجراءات عملية تسهل مشاركة المواطنين. ومن بين هذه الإجراءات اعتماد التسجيل التلقائي للمواطنين في اللوائح الانتخابية بمجرد بلوغهم السن القانونية، بدل انتظار مبادرتهم الشخصية خلال فترات محدودة تحددها الإدارة. ففي زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يمكن بسهولة تطوير تطبيق رقمي يتيح تسجيل كل شاب وشابة بلغوا السن القانونية، مع إدماج جميع المواطنين غير المسجلين في قاعدة بيانات انتخابية دقيقة ومحدثة.
كما أن تشجيع الشباب على الترشح للانتخابات التشريعية مبادرة مهمة، لكنها تحتاج إلى تنظيم وتنسيق قبلي داخل الأحياء والقرى والمدن. فالتوافق على مرشح شاب قوي في كل دائرة انتخابية قد يكون أكثر فاعلية من تعدد الترشيحات التي تشتت الأصوات النزيهة.
كما أن بعض شبكات الفساد قد تسعى عمداً إلى دفع عدد كبير من الشباب للترشح داخل الدائرة نفسها لتقسيم الأصوات النظيفة، وبالتالي تسهيل فوز المرشح التقليدي الذي يسعى الجميع إلى إبعاده.
ويبقى الأمل قائماً في أن تشكل انتخابات شتنبر 2026 محطة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي ووقف نزيف الأصوات والشرف الذي تعاني منه الحياة الانتخابية. غير أن هذا الأمل يظل مشروطاً بقدرة الدولة على تنقية مناصب المسؤولية من المتورطين في الفساد، وبسرعة تفعيل القضاء لمساطر المتابعة وترتيب الجزاءات في حق المنتخبين والمسؤولين الذين ثبت تورطهم في جرائم الفساد المالي والإداري. فمن غير المقبول أن تذهب تقارير قضاة المجالس الجهوية للحسابات ومجهودات مفتشي وزارة الداخلية سدى دون أن تترجم إلى محاسبة حقيقية.
وفي النهاية، حين يدرك الشعب كيف يبرز للدولة وللمؤسسات أنه درع حقيقي لحماية الوطن ومصالحه، وأن روح ثورة الملك والشعب ما تزال قائمة في مواجهة الفساد والاستبداد، فإن مسار الإصلاح يمكن أن يتسارع. فالدولة القوية تحتاج دائماً إلى مجتمع يقظ يساندها، ويكشف مكامن الخلل، ويدافع عن النزاهة داخل مؤسسات السياسة والمال والإدارة.
فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس فقط بوجود الانتخابات، بل بقدرتها على إفراز ممثلين حقيقيين للأمة، قادرين على الدفاع عن مصالح المواطنين ومراقبة الحكومة بكل جرأة ومسؤولية. وإذا نجح المغرب في تحقيق هذا الهدف، فقد يكون مجلس النواب القادم بالفعل بداية مرحلة سياسية جديدة أكثر نزاهة وفعالية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



