المغرب اليوم

مغاربة العالم…حكايتان والوجع واحد

  • عبد الرفيع حمضي //

قبل عشرين سنة وزيادة، كنت في نقاش جانبي مع وزير مهم في حكومة إدريس جطو حول تحويلات الجالية المغربية المقيمة بالخارج. لم يكن لقاء رسميا، بل حديثا عابرا على هامش مناسبة ما. كنت آنذاك أشتغل في قطاع الجالية بوزارة الخارجية والتعاون، وأتحدث بحماس عن مساهمة مغاربة الخارج في اقتصاد بلدهم، وعن الارتفاع المتواتر للتحويلات المالية.

كنت أستعرض الأرقام كما لو أنها حجج لا يمكن ردها.
استمع الرجل إلي بهدوء، ثم ابتسم وقال بالدارجة المغربية جملة قصيرة بددت كل تلك الحماسة: “هاد الفلوس ما كيسيفطوهاش ليا (الحكومة)… راه كيسيفطوها لمهاتهم.”
ضحكت يومها، لكنني أدركت بعد لحظة أن في الجملة قليلا من الحقيقة، وكثيرا من الاستهزاء الذي يختزل قضية كبيرة في تعليق ساخر.

نعم، مغاربة الخارج يرسلون المال إلى أمهاتهم، إلى البيوت التي خرجوا منها، وإلى العائلات التي تنتظرهم في القرى والمدن. لكن تلك الأموال، حين تصل إلى البيت، لا تبقى داخله طويلا. فهي تتحول، بطريقة هادئة، إلى حياة تتحرك: بيت يبنى، طفل يتابع دراسته، مشروع صغير يرى النور، وأبناك تنتعش، واحتياطي من العملة الصعبة يتراكم.
قد تبدأ الحكاية عند الأم… لكنها في النهاية تنتهي عند الوطن.

ومناسبة استحضار هذه الحكاية اليوم أنه بعد ربع قرن تواترت فيه العناية الملكية بالجالية، وإحداث يوم وطني للاحتفال بها في 10 غشت من كل سنة، وإطلاق برنامج “مرحبا” الذي أصبح تجربة مرجعية في تدبير استقبال مغاربة العالم، إلى جانب مجهود عمومي ملموس، وإن كان غير كاف في بعض الجوانب، خرج وزير الصناعة والتجارة بتصريح أثار الكثير من الجدل.

فقد تحدث عن عودة الكفاءات المغربية إلى بلدها معتبرا أن الأمر لا يحتاج إلى ثناء، وليس مجهودا يشكرون عليه، ولا هدية للبلد الأصل، مستعملا عبارة أثارت بدورها موجة من الاستياء، وبطريقة بدت لكثيرين فجّة. بالزعط
وإذا كانت الحكاية الأولى قبل عشرين سنة تحمل شيئا من التهكم على التحويلات المالية، فإن الحكاية الثانية اليوم تحمل شيئا من الاستفزاز، بل تهكما على الكفاءات.

وهنا تكمن المفارقة.

فالعالم تغير كثيرا منذ تلك الحكاية الأولى. لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو بما يدخل خزائنها من عملات صعبة. نحن نعيش اليوم في زمن اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت الجامعات ومراكز البحث والمختبرات العلمية تصنع ثروة الدول بقدر ما تصنعها المصانع والموانئ.

وفي مثل هذا العالم، تصبح الكفاءات المهاجرة رأسمالا استراتيجيا. فالعقول التي تعمل في الجامعات والشركات والمختبرات عبر العالم ليست مجرد قصة هجرة، بل جزء من شبكة معرفة عالمية يمكن أن يكون للوطن نصيب منها.

ولهذا السبب تحديدا تسعى دول كثيرة إلى الحفاظ على صلتها بكفاءاتها المنتشرة في الخارج، بل إن بعضها يضع سياسات كاملة لاستعادتها أو لربطها بمشاريع التنمية في الداخل.

أما المغرب، فقد ظل ينظر إلى جاليته دائما باعتبارها امتدادا حيا للوطن. فمغاربة الخارج لم يكونوا مجرد مهاجرين، بل ظلوا عبر عقود جسورا بشرية وثقافية واقتصادية بين المغرب والعالم.

ولهذا تبدو أحيانا بعض التصريحات، مهما كان قصدها، وكأنها لا تعكس عمق هذه العلاقة.

لكن في النهاية، يبقى ما قيل كلاما يحسب على صاحبه وحده. لا يمس الهيئة التي ينتمي إليها، ولا الحكومة التي هو عضو فيها، ولا تلك العلاقة الطويلة التي نسجها المغرب مع جاليته عبر عقود.

أما مغاربة العالم، فهم يواصلون ببساطة ما اعتادوا عليه منذ زمن طويل: يرسلون المال إلى أمهاتهم… ويحملون في رؤوسهم شيئا من الوطن أينما ذهبوا.

أما العبارة التي أثارت كل هذا الجدل، فكان من الأفضل ألا تقال أصلا.

وعلى الأقل، لا أنصح بالعودة إلى القواميس العربية لفهم معناها. ففي بعض الأحيان، لا تحتاج الكلمات إلى تفسير… بل فقط إلى قليل من الحكمة قبل ان تنطق .

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى