
اليوم العالمي للمرأة .. والإنصاف المؤجل
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
يُخلَّد اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل سنة بوصفه محطة رمزية للاعتراف بما تحقق للنساء من إنجازات، وفي الوقت نفسه يومًا للمطالبة بالمساواة وإنهاء كل أشكال التمييز والعنف، وهو تقليد ذو جذور تاريخية تعود إلى الحركات العمالية والنسوية في بدايات القرن العشرين، حين خرجت نساء أوروبا وأمريكا الشمالية للمطالبة بظروف عمل إنسانية وحقوق سياسية أساسية، قبل أن تتبنّاه الأمم المتحدة رسميًا منذ سنة 1975 وتُضفي عليه طابعًا دوليًا باعتباره يومًا لحقوق المرأة والسلام.
غير أن مرور العقود، وتراكم الاتفاقيات الدولية من قبيل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومنصة عمل بيجين، وإدماج المساواة في أهداف التنمية المستدامة، يفرض اليوم قراءة نقدية هادئة بين ما يُقدَّم باعتباره (مكتسبات تاريخية) وما تعيشه النساء فعليًا على أرض الواقع.
فبين الخطاب الحقوقي المترف والواقع المعاش، تتّسع هوة لا تُخفيها الشعارات السنوية، ولا تُردمها الأرقام المجمّلة. فالمرأة، منذ ولادتها رضيعة، مرورًا بطفولتها ومراهقتها وشبابها، وصولًا إلى كونها زوجة أو مطلقة أو أرملة أو مسنّة أو في وضعية إعاقة، تواجه سلسلة متصلة من المخاطر والتمييزات، تختلف أشكالها لكنها تتقاطع في الجوهر: هشاشة الحماية، ضعف الإنصاف، وبطء العدالة.
تعليم الفتيات توسّع نعم، لكن الهدر المدرسي والعنف والاستغلال لا يزال حاضرًا. ولوج النساء لسوق الشغل تحسّن ظاهريًا، لكن فجوة الأجور، وهشاشة العمل، والتحرش، والسقف الزجاجي، تجعل التمكين الاقتصادي ناقص الأثر. أما المشاركة السياسية، التي تُقدَّم غالبًا كعنوان بارز للتقدم، فقد جرى تدبيرها في كثير من السياقات عبر منطق “الكوطة” بدل فتح باب المنافسة الشريفة، فحُققت أرقام مريحة دون تغيير عميق في موازين القرار، وبات حضور النساء في مواقع التمثيل أحيانًا شكليًا أكثر منه فاعلًا.
وفي مقابل ذلك، حين تُركت المرأة لتتنافس خارج هذه الآليات، وُضعت في مواجهة غير متكافئة مع المال والنفوذ والبُنى الذكورية، في غياب دعم حقيقي، فكان الإقصاء المقنّع هو النتيجة. ويبقى العنف القائم على النوع، داخل البيوت وفي الفضاء العام والرقمي، الامتحان الأكثر قسوة لكل حديث عن المكتسبات، إذ تستمر المعاناة رغم وجود القوانين، بسبب الخوف، والوصم، وضعف التبليغ، ورداءة مسارات الحماية.
من هنا، يبدو أن اليوم العالمي للمرأة، رغم أهميته الرمزية والتاريخية، لم ينجح بعد في تحويل كثير من الوعود إلى حقوق مضمونة الأثر، وظل في حالات عديدة احتفالًا بالنية أكثر منه تتويجًا للعدالة. فالمعنى الحقيقي لهذا اليوم لا يُقاس بعدد الندوات ولا بزخم البلاغات، بل بقدرة السياسات العمومية على حماية المرأة في ضعفها قبل الاحتفاء بها في نجاحها، وبالانتقال من الاعتراف إلى التفعيل، ومن الشعار إلى الواقع.
منذ أن أُعلن عن اليوم العالمي للمرأة، رافقته لغة دولية مفعمة بالمصطلحات الكبيرة: المساواة، التمكين، العدالة، الإنصاف، تكافؤ الفرص. ووقّعت الدول عشرات الاتفاقيات، وأُطلقت الاستراتيجيات، وازدانت الخطب بالأرقام والشعارات. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بعد أكثر من قرن على انطلاق هذه الموجة النضالية هو: ماذا تغيّر فعليًا في حياة النساء؟ وأيّ هذه (المكتسبات) غادر الورق إلى أرض الواقع؟
على المستوى القانوني، لا يمكن إنكار أن المرأة انتزعت اعترافًا دوليًا بحقوقها، من اتفاقيات أممية إلى دساتير وطنية تُقر بالمساواة وتحظر التمييز. غير أن هذا الاعتراف غالبًا ما ظلّ إعلانيًا أكثر منه إلزاميًا؛ فالقانون موجود، لكن آليات التفعيل ضعيفة، ومساطر الحماية بطيئة، والولوج إلى العدالة محفوف بالإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصًا بالنسبة للنساء الهشّات.
أما على مستوى التمكين الاقتصادي، فقد رُفعت شعارات الإدماج وتكافؤ الأجور، لكن الواقع يكشف فجوة صارخة بين النص والممارسة. ملايين النساء يشتغلن في الاقتصاد غير المهيكل، دون حماية اجتماعية أو استقرار مهني، ويتقاضين أجورًا أقل مقابل العمل نفسه، بينما يُقدَّم ذلك في التقارير الرسمية كـ“تحسّن تدريجي” لا تراه المعنية بالأمر في نهاية الشهر.
المشاركة السياسية للمرأة
وفي ما يخص المشاركة السياسية للمرأة، فإن الإشكال لا يكمن في حضورها من حيث المبدأ، بل في الطريق الذي فُتح لها للوصول. فبدل أن تُهيَّأ ساحة تنافس شريفة، تقوم على تكافؤ الفرص، والتمويل العادل، والدعم الحزبي الحقيقي، اختارت الدولة في كثير من التجارب حلًّا سهلًا وسريعًا: نظام الكوطة.
هذا الخيار، وإن قدّم أرقامًا مريحة في التقارير الرسمية، إلا أنه حوّل مشاركة المرأة في حالات كثيرة إلى حضور إداري مُسيَّر أكثر منه ثمرة تنافس سياسي طبيعي.
فالكوطة لم تُرافقها سياسة جادّة لتأهيل النساء سياسيًا، ولا تفكيك فعلي للبُنى الحزبية الذكورية، ولا حماية من المال الانتخابي والزبونية. والنتيجة أن عددًا من النساء وُضعن في واجهة المشهد دون أن تُمنحن الأدوات الفعلية للتأثير وصناعة القرار، ما جعل بعض المناصب أقرب إلى تمثيل شكلي منه إلى سلطة سياسية حقيقية.
وفي المقابل، حين تُركت المرأة لتتنافس خارج منطق الكوطة، وُضعت في مواجهة غير متكافئة مع شبكات النفوذ والمال والقرابة، في غياب دعم حزبي صادق، فكان الإقصاء المقنّع هو القاعدة لا الاستثناء.
وهكذا وجدت المرأة نفسها بين خيارين كلاهما مُربك: كوطة تُؤمّن المقعد ولا تُؤمّن الفعل، أو منافسة مفتوحة بلا شروط إنصاف.
بهذا المعنى، لم تُفتح للمرأة أبواب السياسة على أساس المواطنة الكاملة، بل جرى تدبير حضورها بدل تمكينها، واستُخدمت الكوطة كبديل عن إصلاح عميق للمشهد السياسي، لا كمرحلة انتقالية نحو منافسة عادلة. والفرق شاسع بين أن تكون المرأة “مُمثَّلة عدديًا” وأن تكون فاعلة سياسيًا.
العنف ضد المرأة
أما العنف القائم على النوع، وهو الامتحان الحقيقي لأي حديث عن المكتسبات، فما يزال يحصد أجساد النساء ونفسياتهن داخل البيوت، وفي الشارع، وأماكن العمل، والفضاء الرقمي. القوانين وُضعت، نعم، لكن الخوف، والوصم، وضعف التبليغ، ورداءة الاستقبال، كلها تجعل الكثير من النساء يفضّلن الصمت على خوض معركة استنزاف جديدة باسم الحق.
هكذا يتبيّن أن جزءًا كبيرًا مما يُقدَّم كـ(مكاسب تاريخية) لم يتحوّل بعد إلى حقوق مضمونة الأثر، بل ظلّ في حالات كثيرة حبرًا جميلًا على ورق أنيق. والهوة بين الخطاب والواقع لا تُردم بالاحتفالات ولا بالشعارات الموسمية، بل بإرادة سياسية حقيقية، وقضاء فعّال، وسياسات اجتماعية تحمي المرأة في ضعفها قبل أن تحتفي بها في نجاحها.
وبينما يظلّ اليوم العالمي للمرأة محطة رمزية مهمّة، فإن معناه الحقيقي لا يُقاس بعدد الندوات ولا بحجم البلاغات، بل بسؤال بسيط وحاد: هل تغيّرت حياة النساء فعليًا؟ أم أننا ما زلنا نحتفل بالنية… ونؤجّل العدالة؟
وفرة التشريعات وندرة الأثر
لا يمكن إنكار أن المغرب، خلال العقود الأخيرة، سعى إلى إقرار مجموعة من المبادرات القانونية والمؤسساتية التي وُضعت في ظاهرها من أجل النهوض بأوضاع المرأة وتمكينها. فالدستور المغربي لسنة 2011 نصّ صراحة على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وأُحدثت هيئات ومؤسسات تعنى بالمناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز، كما جرى إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 في اتجاه توسيع حقوق المرأة داخل منظومة الزواج والطلاق والحضانة، وتم اعتماد قوانين لمحاربة العنف ضد النساء، وإطلاق برامج للتشجيع على تمدرس الفتاة القروية، ومنح الدعم للمقاولة النسائية، وتوسيع ولوج النساء إلى مجالات كانت إلى عهد قريب حكرًا على الرجال، فضلاً عن انخراط المغرب في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة.
كما أن الروزنامة الوطنية والدولية أصبحت مزدحمة بمحطات احتفالية مرتبطة بالمرأة، من اليوم العالمي للمرأة (8 مارس)، إلى اليوم الوطني للمرأة (10 أكتوبر)، واليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجال العلوم (11 فبراير)، واليوم العالمي للفتاة (11 أكتوبر)، واليوم العالمي للمرأة القروية (15 أكتوبر)، واليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء (25 نونبر)، وغيرها من المناسبات التي يفترض أن تكون لحظات للتقييم والمساءلة.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيرًا من هذه المبادرات، رغم أهميتها النظرية، لم تتحول بعد إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للنساء. فالقوانين وُضعت، لكن تفعيلها يظل بطيئًا أو انتقائيًا، والبرامج أُطلقت لكن أثرها الاجتماعي يبقى محدودًا، والأيام الاحتفالية تُستثمر في الخطابات والندوات أكثر مما تُترجم إلى سياسات عميقة تعالج جذور التمييز والهشاشة. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة واضحة: وفرة في النصوص والبرامج، مقابل ندرة في النتائج الملموسة، وكأن المرأة المغربية تُحتفى بها في المناسبات، لكنها تُترك وحدها في مواجهة واقع يومي مثقل بالتحديات.
الإنصاف المؤجل
في النهاية، لا يمكن قراءة وضعية المرأة المغربية خارج مرآة المجتمع نفسه. فالقضية ليست قضية قوانين فقط، ولا قضية مناسبات عالمية أو وطنية، بل قضية وعي جماعي وثقافة اجتماعية لم تحسم بعد موقفها من مبدأ المساواة الفعلية. إن المرأة المغربية أثبتت، في المدرسة والجامعة والبحث العلمي وسوق العمل، أنها تمتلك من الكفاءة والإرادة ما يكفي لتكون شريكًا كاملًا في بناء الوطن، لكن الطريق إلى الإنصاف ما يزال مليئًا بالعوائق التي صنعناها نحن بأيدينا، ثقافةً وتشريعًا وممارسة. ولذلك، حين نتأمل هذا المشهد بكل صدق، ندرك أن المشكلة ليست في المرأة، بل في المجتمع الذي لم يتحرر بعد من بقايا الوصاية الذكورية ومنطق التمييز الصامت.
ولهذا يظل بيت المتنبي أكثر صدقًا في توصيف حالنا: نعيب نساءنا والعيب فينا، وما لزماننا عيب سوانا. فحين نُصلح نظرتنا إلى المرأة، ونحوّل المساواة من شعار إلى ممارسة، عندها فقط يمكن أن تتحول تلك الأيام العالمية من احتفال عابر إلى خطوة حقيقية نحو عدالة اجتماعية يستحقها المغرب ومستقبله.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



