
تحرير رأسمال الصيدليات في المغرب: نقاش بين الصحة والسوق..
يشهد قطاع الصيدلة في المملكة المغربية منذ بداية 2026 نقاشًا حادًا بين مكونات المهنة حول مقترح مجلس المنافسة المتعلق بـ «تحرير رأسمال الصيدليات» والسماح بدخول المستثمرين في ملكيتها، بما في ذلك إمكانية إنشاء سلاسل صيدلية كبرى.
السياق المحلي
اليوم، ينص الإطار القانوني المعتمد في المغرب على حصر ملكية الصيدليات في الأشخاص الذاتيين من الصيادلة، ما يضمن استقلالية القرار المهني ومسؤولية الصيدلي تجاه المريض ولا يسمح بملكية الشركات أو المستثمرين في رأسمالها. وهذا ما يُعرف بنظام «تنظيم نشاط الصيدلة الصحية» الذي يرتبط بوظيفة اجتماعية أكثر من كونه نشاطًا تجاريًا فقط.
وفي اقتراحه، يرى مجلس المنافسة أن هذه القيود على ملكية الصيدليات تمثل عقبة في وجه جلب الاستثمارات الضرورية لقطاع يتعرض لضغوط اقتصادية، مثل انخفاض هوامش الربح، وزيادة المنافسة غير القانونية، وصعوبة وصول التمويلات. ودعا إلى فتح رأسمال الصيدليات مؤطرًا بضوابط تمنع الاحتكار وتضارب المصالح.
مواقف المهنيين والمعارضة
من جانبهم، عبّرت الهيئات التمثيلية للصيادلة عن رفض قاطع لأي توجه نحو تحرير رأسمال الصيدليات؛ معتبرين أن ذلك يحول المهنة من «مؤسسة صحية بخدمة اجتماعية» إلى «مشروع تجاري ربحي محض». وقد حذّروا من:
- مسّ استقلالية القرار المهني للصيدلي وخضوعه لمتطلبات المستثمرين بدل مصلحة المريض.
- تركيز السوق في أيدي كيانات مالية كبرى بما يهدد صمود الصيدليات المستقلة، خصوصًا في المناطق القروية والمهمشة.
- احتمال ارتفاع الأسعار وتعريض الدواء لمنطق السوق بدل الصحة العامة، مع تراجع الدور الاجتماعي للصيدلية.
هذه المواقف أدت إلى موجة من التحذيرات والإضرابات المحتملة من قبل الصيادلة، ونداءات لإشراك المهنيين في أي نقاش تشريعي بهذا الشأن.
التجارب الدولية: ماذا تقول الأدلة؟
في كثير من البلدان الأوروبية وأجزاء من العالم، تختلف أطر ملكية الصيدليات بشكل واضح:
- في ألمانيا، يُسمح للصيادلة بملكية صيدليات، لكنهم مقيدون بعدد محدود من الفروع لتجنب تركيز السوق.
- في دول شمال أوروبا مثل النرويج والسويد، شهدت تحريرات في ملكية الصيدليات منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة عدد الصيدليات الكبرى والشركات المهيمنة على السوق. إلا أن هذه التحولات غالبًا تركزت في المناطق الحضرية وخلقت اختلالات في توزيع الخدمات في المناطق النائية.
- تجارب جنوب أفريقيا أظهرت أن تحرير ملكية الصيدليات قد زاد عدد الصيدليات لكنه لم يرفع بالضرورة ولوج الأدوية في المناطق الفقيرة أو النائية إلا بسياسات وحوافز إضافية.
علاقة تحرير ملكية الصيدليات بأسعار الأدوية ليست مباشرة وواضحة في الأدبيات الأكاديمية: بعض الدراسات تشير إلى أن تنافسية الأسعار لا تتحسن بالضرورة بمجرد تحرير الملكية إذا ظل هناك تنظيم صارم للأسعار أو تعويضات.
آثار تحرير رأسمال الصيدليات على الأسعار والإنتاج والتسويق
الجدل حول تحرير رأسمال الصيدليات يمتد إلى تأثيرات محتملة على الجانب الاقتصادي والصحي:
1. الأسعار
- رفع مستوى المنافسة بين سلاسل الصيدليات يرى البعض أنه قد يخفض أسعار بعض المنتجات غير المنظمة (مثل الأدوية غير الخاضعة للتعويض)، لكن الأدلة العملية في أوروبا كانت مختلطة، وقد لم تظهر تخفيضات كبيرة في الأسعار المنظمة حتى بعد تحرير القطاع في بعض البلدان.
- في المقابل، وجود سلاسل كبيرة قد يمنحها قدرة تفاوضية أكبر لدى الموردين، لكن أيضًا قوى سوقية أقوى قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار أو تركيزها في المنتجات الأكثر ربحية.
2. الإنتاج والتسويق
- فتح رأسمال الصيدليات قد يجذب استثمارات أكبر في تكنولوجيا التوزيع، الخدمات الرقمية (مثل التجارة الإلكترونية)، والبرامج اللوجستية المتقدمة، لكنه يقترن غالبًا ب زيادة تركيز السوق وتقليل عدد الصيدليات المستقلة مادياً على المدى الطويل.
- من ناحية أخرى، يمكن أن يساعد في تنويع الخدمات الصيدلية (مثل التلقيح، الاستشارات)، إذا تم تنظيمها بطريقة تلائم الصحة العامة.
3. التوزيع الجغرافي والعدالة الصحية
تجارب التحرير في دول مثل السويد والنرويج أظهرت أن الصيدليات الجديدة غالبًا تظهر في المدن الكبرى بدل المناطق الريفية أو المهمشة، ما يعزز الفوارق في الولوج إلى الدواء، ما يعني أن تحرير الملكية وحده ليس كافياً لضمان انتشار عادل للخدمات الصحية.
الخلاصة: التوازن بين الصحة والمنافسة
يُمثل موضوع تحرير رأسمال الصيدليات تقاطعًا بين منطق السوق والمنافسة من جهة، والوظيفة الصحية والاجتماعية للدواء والخدمات الصيدلانية من جهة أخرى. في المغرب، ارتبطت المعارضة بخوف من تسليع القطاع وتراجع دور الصيادلة المستقلين في خدمة الصحة العمومية، بينما يدفع المدافعون عن التغيير بحجة جذب الموارد والاستثمارات اللازمة لتحديث القطاع.
تكمن أحد أبرز الدروس من التجارب الدولية في أن تحرير الملكية وحده لا يكفي لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية متوازنة ما لم يرافقه أطر تنظيمية واضحة لحماية المصلحة العامة، آليات لضمان توزيع متوازن للخدمات، وتنظيم أسعار الأدوية بما يحفظ قدرة المواطنين على الولوج إلى العلاج.
.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



