
إحياء لذكرى وفاته، ما لا تعرفونه عن الملك محمد الخامس: عاش النضال رضيعا وطفلا ويافعا وتوج سلطانا شابا رغم الاحتلال
- بوشعيب حمراوي//
تحلّ ذكرى وفاة الملك محمد الخامس،في كل عاشر من رمضان، لا باعتبارها لحظة حزن رمزية فقط، بل باعتبارها مناسبة تاريخية وسياسية عميقة لإعادة ترتيب الذاكرة الوطنية، وإنصاف رجل ظلّ، أكثر من غيره عرضة للخلط وسوء الفهم. فمحمد الخامس لم يكن يومًا سببًا في الاحتلال، ولا شريكًا في الحماية، بل كان ابن مرحلة الإكراه، والزعيم الذي تشكّل وعيه السياسي في قلبها، وقاد الخروج منها.
كتب عليه النضال وهو رضيع في سنته الثالثة، وعاش وسط طفولته وسط شعب مقاوم، كان لازال يئن تحت الحماية. وحمل مشعل المقاومة، وتوج سلطان بلد يقاوم، في سن ال18، وجاهد بقوة وشراسة، مكنته من إرساء الأسس المتينة لثورة (سلطان وشعب، ثم ملك وشعب)، انتهت تحرير البلاد، ووضع طريق الوحدة والتنمية.
سكن قلوب و عقول المغاربة..حتى شاهدوه في القمر
بل إن هذا التعلّق العميق بمحمد الخامس، وهذا الالتحام الوجداني بينه وبين شعبه، بلغ أحيانًا حدود الأسطورة الجميلة. فقد راج، في لحظات الشدة والمنفى، أن مغاربة كثيرين أكدوا أنهم رأوا صورة جلالته في القمر. وهي حكاية، إن أُخذت حرفيًا، فهي أبعد من الخيال، وإن أُخذت رمزيًا، فهي أصدق من كثير من الوثائق. ذلك أن الحب الصادق قد يُعمي البصر، لكنه في المقابل ينعش البصيرة، ويوقظ في الإنسان قدرة على الرؤية بما لا تراه العين المجرّدة. هناك أشياء تراها العقول حين تصمت الحواس، وتدركها القلوب حين تعجز الأدوات. لم يكن أولئك الناس يرون وجهًا في القمر بقدر ما كانوا يرون الأمل معلقًا في السماء، ويربطون نور الليل بصورة سلطان صار رمزًا للخلاص، فاختلط الرمز باليقين، والأسطورة بالواقع، في لحظة إنسانية نادرة لا تُقاس بالعقل وحده، بل بعمق الوجدان الجماعي.

هكذا سقط المغرب تحت الحماية الفرنسية
إن التدخل الأوروبي في المغرب لم يبدأ سنة 1912، بل سبقها بعقود، منذ ما عُرف في الأدبيات التاريخية بندوة “الملوك الثلاث”، حين صار المغرب موضوعًا لتنافس دولي محموم بين القوى الأوروبية. ففي 2 أكتوبر 1880، وُقّعت اتفاقية مدريد في عهد السلطان الحسن الأول، الذي حكم واحدًا وعشرين سنة في ظرف دولي شديد التعقيد. ورغم أن الاتفاقية نصّت شكليًا على “احترام السيادة المغربية”، فإنها فتحت عمليًا الباب أمام الامتيازات القنصلية، وشرعنت التغلغل الأجنبي، ومهّدت لتقاسم النفوذ الأوروبي داخل المغرب. بعد وفاة الحسن الأول، حكم ابنه مولاي عبد العزيز (1894–1908) في سياق داخلي هش وضغوط خارجية متصاعدة، ثم خلفه شقيقه مولاي عبد الحفيظ (1908–1912)، الذي وجد نفسه محاصرًا عسكريًا ودبلوماسيًا إلى أن فُرضت معاهدة الحماية.
وقبل ذلك بسنوات، عرف المغرب محطات إنذار خطيرة، أبرزها أزمة طنجة سنة 1905، حين زار الإمبراطور الألماني غليوم الثاني المدينة معلنًا دعمه الشكلي لاستقلال المغرب، ما فجّر أزمة دولية بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا. ثم جاء قصف الدار البيضاء في 5 غشت 1907 وإنزال القوات الفرنسية، في أول تدخل عسكري مباشر واسع، شكّل البداية الفعلية للاحتلال الأوروبي. وفي 9 غشت 1909، وُلد محمد بن يوسف، الذي سيُعرف لاحقًا بمحمد الخامس، في زمن كانت فيه سيادة المغرب تتآكل خطوة خطوة.
فرضت الحماية وعمر الملك الراحل ثلاثة سنوات
في 30 مارس 1912، فُرضت معاهدة الحماية الفرنسية، واندلعت على إثرها مقاومات مسلحة في عدة مناطق، قادها رجال مثل أحمد الهيبة والموحى أوحمو الزياني. وفي السنة نفسها، اعتلى مولاي يوسف العرش، أي بعد فرض الحماية لا قبلها. لم يكن هو من وقّع المعاهدة، ولم يكن صانع شروطها، بل ورث واقعًا مفروضًا بالقوة. إنصاف التاريخ يقتضي القول بوضوح: لا مولاي يوسف ولا ابنه محمد الخامس يتحملان أي ذنب في الاحتلال.
أحداث تؤكد أن المغرب لم يكن مستعمرا بل تحت الحماية
اعتلى محمد الخامس العرش يوم 18 نونبر 1927، كان شابًا في الثامنة عشرة من عمره، سلطانًا في زمن الوصاية، لا في زمن السيادة. وكان المغرب لازال تحت الحماية.
تاريخ اعتلائه العرش سيُخلَّد لاحقًا كعيد وطني، رمزًا للالتحام بين العرش والشعب. وبعدها موعد ذكرى عيد الاستقلال. منذ بدايات حكمه، بدأ يتشكل مسار نضالي هادئ، تراكمي، بلغ أولى محطاته الكبرى مع الظهير البربري في 16 ماي 1930، حين حاولت سلطات الحماية تقسيم المغاربة على أساس عرقي وقانوني.
كان الرد شعبيًا وسياسيًا واسعًا، خاصة في الدار البيضاء، عبر حملة “اللطيف” في المساجد، إيذانًا ببداية التمرد الشعبي المنظم.
تطوّر الوعي السياسي خلال الثلاثينيات، وبرز القمع الاستعماري بوضوح، خصوصًا بعد أحداث أكتوبر 1936، حين مُنع مهرجان سياسي في الدار البيضاء، وأُطلقت حملة اعتقالات واسعة شملت قيادات وطنية بارزة مثل علال الفاسي وبلحسن الوزاني. في هذه المرحلة، لم يكن محمد الخامس قائد حزب، لكنه كان الضامن الرمزي لوحدة المطالب، والمستند الذي تستمد منه الحركة الوطنية مشروعيتها.
خلال الحرب العالمية الثانية، دخل المغرب مرحلة مفصلية. ففي يناير 1943، انعقد مؤتمر أنفا بالدار البيضاء، وجلس محمد الخامس، وإلى جانبه ولي العهد الحسن الثاني طفلًا، إلى جانب كبار قادة العالم، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. ولم يكن ذلك مجرد حضور شرفي، بل اعترافًا دوليًا بشخصية المغرب السياسية. وبأن المغرب لم يكن دولة مستعمرة. وفي 22 يناير 1943، جرى عشاء خاص بين محمد الخامس وروزفلت، تلقّى خلاله السلطان وعدًا واضحًا بدعم حق المغرب في الاستقلال بعد نهاية الحرب. وهذا الوعد، في منطق العلاقات الدولية، لا يُمنح لمستعمَرة فاقدة للشخصية القانونية، بل لكيان يحتفظ بوجوده السياسي رغم الحماية.
الانتفاضة التي يسرت طريق الاستقلال
بعد الحرب، تسارع المسار. ففي 11 يناير 1944، قُدمت عريضة المطالبة بالاستقلال بدعم مباشر من السلطان. ثم جاءت محطة 7 أبريل 1947، حين ارتكبت القوات الفرنسية مجزرة كاريان سنترال بالدار البيضاء عشية زيارة الملك لطنجة، في محاولة لترهيب الشعب والعرش. وفي اليوم الموالي، توقف محمد الخامس بالدار البيضاء، ترحّم على الضحايا، وأكد تضامنه مع شعبه، قبل أن يُلقي في 9 أبريل 1947 خطابه التاريخي بطنجة، مطالبًا صراحة باستقلال المغرب ووحدته الترابية.
توالت بعد ذلك مظاهر التصعيد، وتكرّست مكانة محمد الخامس دوليًا، حيث مُنح دكتوراه فخرية من جامعة بوردو سنة 1950. لكن فرنسا اختارت طريق المواجهة، فقررت نفيه في 20 غشت 1953 إلى كورسيكا ثم مدغشقر. نُفي سلطانًا، لا ملكًا، فانفجرت ثورة الملك والشعب، واشتعلت المقاومة السرية، خصوصًا في الدار البيضاء. وفي خضم هذه المرحلة، شهد المغرب محاكمات سياسية صورية، من بينها محاكمة الحاج أحمد معنينو في 30 أكتوبر 1953، وسجنه في اغبيلة في ظروف مهينة، قبل الحكم عليه في 25 ماي 1954 .
بدأ ميزان القوى يميل. ففي 1 أكتوبر 1955 اندلعت انتفاضة الشمال، ثم عاد محمد الخامس من المنفى في 16 نونبر 1955، وسط استقبال شعبي تاريخي. وفي 18 نونبر 1956 أُعلن الاستقلال رسميًا. وبعدها بسنة، تغيّر اللقب: نُفي سلطانًا وعاد ملكًا، في 27 نونبر 1957، في دلالة سياسية عميقة على نهاية زمن الحماية وبداية زمن السيادة.
بعد الاستقلال، لم يتوقف نضال محمد الخامس.
فقد استُرجعت طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، وارتفعت الراية المغربية في العيون يوم 28 فبراير 1976، قبل استرجاع وادي الذهب في 14 غشت 1979، استكمالًا للوحدة الترابية. وعلى المستوى الدولي، كان محمد الخامس من رواد التحرر الإفريقي، فخطب في مؤتمر أكرا بغانا سنة 1958 ضد الاستعمار، ودعم مؤتمر طنجة للوحدة المغاربية في السنة نفسها، مساندًا الثورة الجزائرية سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، ومحتضنًا قادتها، إلى حد أن فرنسا رفضت سنة 1956 مبادلة ولي العهد الحسن الثاني بالقادة الجزائريين المختطفين.
وفي 26 فبراير 1961، رحل محمد الخامس، بعد عملية جراحية، تاركًا وراءه إرثًا نضاليًا استثنائيًا يفرض الحديث عنه. طفل وُلد في زمن التآمر الدولي، سلطان عاش الوصاية، منفيّ لأنه رفض الخضوع، وملك قاد شعبه إلى الاستقلال، وربط مصير المغرب بتحرر الجزائر وإفريقيا قبل وبعد رفع الحماية الفرنسية. فكان خالصا للأخوة بكل ما امتلكته المملكة المغربية، بتوفير حضن دافئ لقادة المقاومة الجزائرية بشمال المغرب، وتقديم السلاح والذخيرة والتغذية والدفاع الدبلوماسي الشرس.
إنصاف الملك محمد الخامس يفرض الحديث عنه منذ طفولته
إن إنصاف محمد الخامس لا يعني تمجيده بلا نقد، بل وضعه في سياقه الصحيح: لم يكن سبب الاحتلال، بل عنوان الخروج منه. والتاريخ، حين يُقرأ بعمق، لا يخلط بين من فُرض عليه الإكراه ومن كسره، ولا بين من صنع الحماية ومن أنهى منطقها.
في كل عاشر من رمضان، لا يكفي أن نستحضر ذكرى وفاة الملك محمد الخامس بوصفه زعيم الاستقلال فقط، بل تفرض الأمانة التاريخية أن نُنصف مساره الإنساني قبل السياسي، وأن نُنصف الرضيع والطفل واليافع، قبل إنصاف الشاب المقدام الذي تُوِّج سلطانًا على مملكةٍ رازحة تحت الحماية وهو في الثامنة عشرة من عمره. فمحمد الخامس لم يولد في زمن السيادة، بل وُلد في زمن الإكراه، ولم يفتح عينيه على وطن حر، بل على وطن تُنتقص سيادته خطوةً خطوة، ونشأ وعيه السياسي في حضن أمٍّ تحتضن الخوف والأمل معًا، وفي قصرٍ تحاصره الوصاية، وفي شعبٍ يتعلم الصبر والمقاومة.
وقبل أن نُنصف السلطان الشاب، يجدر بنا أن نُنصف الطفل الذي كبر والنضال يحيط به، واليافع الذي تشكّلت ملامح شخصيته على وقع القمع والمقاومة، لا في كتب التاريخ بل في تفاصيل الحياة اليومية. ثم نُنصف السلطان الذي ذاق مرارة النفي والجلاء، لا لأنه تواطأ، بل لأنه رفض أن يكون واجهة، فاختار المنفى على الخضوع. نُنصفه وهو يُنتزع من عرشه سلطانًا، ليعود إلى وطنه بشموخ وعزة وشرعية شعبية، سلطانًا أولًا ثم ملكًا، يقود نضال الاستقلال والحرية للمغرب، ويمدّ يده بسخاءٍ وشجاعة لنصرة الجزائر، ويُسهم في إشعال جبهات التحرير الإفريقية، مؤمنًا بأن الحرية لا تتجزأ، وأن كرامة الشعوب مصيرٌ واحد.
وقبل أن يُسدل الستار، نُنصف الرجل الذي غمد سيف الحرية والكرامة بعدما أدى الأمانة، وأعلن الرحيل الأخير إلى دار البقاء، تاركًا وراءه تاريخًا لا يُختزل في لقب ولا في لحظة، بل في مسارٍ كامل: من رضيعٍ في زمن الحماية، إلى قائدٍ كسر منطقها، ومن سلطانٍ منفيّ إلى ملكٍ أعاد السيادة، ومن زعيمٍ وطني إلى رمزٍ مغاربي وإفريقي للتحرر.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




