الرأيالعالم اليوم

فرانس 24 بين سقطة التحقق وسؤال المهنية الإعلامية

  • بقلم: حسن كرياط //

أثارت واقعة تداول قناة فرانس 24 لمحتوى منسوب إلى وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، تبيّن لاحقاً أنه غير صحيح، موجة انتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية. ولم يُنظر إلى الحادث باعتباره مجرد خطأ عابر في التحقق، بل كواقعة تعيد إلى الواجهة النقاش حول معايير المهنية وحدود المسؤولية التحريرية في القنوات الدولية.
إن بناء تحليلات سياسية على معطيات غير موثوقة يطرح إشكالاً عميقاً يتجاوز الهفوة التقنية إلى سؤال المنهج. فالتحقق من المصادر، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتصريحات مسؤولين سياديين، ليس إجراءً شكلياً بل قاعدة مؤسسة للعمل الصحفي الرصين. وعندما يغيب هذا الشرط، تتحول المنصات الإعلامية من فضاءات لنقل الخبر إلى أدوات لإنتاج الالتباس وإرباك الرأي العام.
الواقعة كشفت هشاشة في آليات التدقيق، وأعادت طرح إشكالية التوازن والحياد في تغطية الملفات المرتبطة بالمغرب. فالمتابعون يسجلون، منذ سنوات، توتراً في المعالجة الإعلامية لبعض القضايا الحساسة، حيث تُستضاف أصوات بعينها وتُضخّم زوايا معينة على حساب أخرى، ما يخلق انطباعاً بوجود اختلال في مقاربة الأحداث.
ولئن كان الخطأ وارداً في العمل الصحفي، فإن الإصرار على تقديم محتوى غير موثق في قضايا دبلوماسية دقيقة يضع سمعة المؤسسة الإعلامية على المحك. فالثقة، وهي رأس مال أي وسيلة إعلام، لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسة اليومية الصارمة لقواعد التحقق والتوازن.
إن ما حدث يفرض مراجعة عميقة لآليات العمل داخل القناة، ويجدد الدعوة إلى ترسيخ أخلاقيات المهنة بعيداً عن أي حسابات سياسية أو اصطفافات ظرفية. فالإعلام الدولي، بحكم تأثيره العابر للحدود، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بأقصى درجات المسؤولية، لأن زلة واحدة في زمن السرعة الرقمية قادرة على إشعال جدل واسع وتغذية سرديات متعارضة.
في النهاية، تبقى المهنية معياراً فاصلاً بين الإعلام كرسالة والإعلام كأداة. وأي مؤسسة تختار أن تكون فاعلاً مؤثراً في الفضاء العمومي مطالبة بأن تجعل من الدقة والموضوعية خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه، حفاظاً على مصداقيتها أولاً، وعلى حق الجمهور في خبر موثوق ثانياً.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى