
من الحگرة إلى الخلاص: الدار البيضاء في المرآة السينمائية لنور الدين الخماري
- محمد لحميسة //
لأننا نعيش في بلد سينماه محيط تفاهات تخترقه أرخبيلات لتجارب جادة، صحراء من الافلام التجارية البسيطة تقاوم بداخلها واحات أفلام تجترح لنفسها مسارات مساءلة المجتمع والفكر وتقترض نظرات السوسيولوجيا لتحاكم أحيانا ولتسلط الأضواء احيانا اخرى على ظواهر المجتمع الذي من المفترض ان السينما تحكي قصصه.
وإن بدوت في بداية مقالي هذا أقرأ السينما من زاوية فكرية واجتماعية وأغيب البعد الاستطيقي والفني والتقني حتى، فإنني أستدرك الأمر، وأقول أن الفكري والاجتماعي في السينما المغربية متلازم مع الفني والجماليّ والتقني، اشرح الفكرة بالقول أن التجارب الجادة داخل السينما المغربية جمعت بين كل الأبعاد التي سبق التحدث عنها.
وإنني هنا اريد أن أخوض بالكتابة على تجربة سينمائية قوية في مضامينها داخل محيط/صحراء الحقل السينمائي المغربي، تجربة نور الدين الخماري، وهو مخرج درس السينما والإخراج في بولندا، وفي العام 2008 سيخرج فيلمه الطويل الأول في ثلاثيته عن الدارالبيضاء “كازا نيكرا”، ثم في عام 2012 سيخرج الفيلم الثاني الزيرو، وفي عام 2017 سيخرج فيلمه الثالث بورناوت، وبذلك تكتمل ثلاثيته المبنية على الدار البيضاء لا بوصفها الحيز المكاني التي دارت تفاصيل افلامه بداخلها، لكن بوصفها عنصرا وشخصية مركزية في كل افلامه، مدينة تعتمل بأحشائها كل التناقضات والسرديات الثقافية والطبقية محدثة نشاز جميل نحتاج فعلا إلى مخرج متمكن من الأدوات التقنية والجمالية والفكرية لصناعة السينما من طينة نور الدين الخماري لنكتشف هذا الجمال.
وليس ن. الخماري الوحيد الذي أسرته الدارالبيضاء وجعلها جزءا أو حتى محورا لبعض أعماله، وجعلها شخصية تهيمن وتحتكر وتتحكم وتمنح الحرية حينا وتسلبها حينا آخر، وتدفع باقي الشخوص إلى الفعل داخلها، بل نجد مثل هذا الاشتغال عند مخرجين آخرين مثل هشام العسري خاصة في فيلم هم الكلاب أو ماروكية حرة، وكذلك نبيل عيوش في افلام مثل يا خيل الله وعلي صوتك وحتى علي زاوا، والمشترك بين هاذين المخرجين هو إظهار تناقضات المدينة دون ترك مساحة لها على مستوى العتبة الأولى للفيلم، أقصد العنوان، الأمر الذي قام به ن. الخماري (إضافة إلى عبد القادر لقطع).
ولا يمكنني أن أنسى في هذا الصدد فيلم قصير بعنوان “6 في 12” فهو الاخر جعل الدار البيضاء الشخصية الرئيسية في غياب صريح لشخوص أخرى تحمل الفيلم، فالمكان اي الدارالبيضاء هو المهيمن وكل من ظهر في الفيلم ليس إلا كومبارس وثانوي، اي بدون حمولة عاطفية تخترق المشاهد او تجلب انتباهه، ثم هناك تجارب سينمائية حضرت فيها الدار البيضاء كتجربة عبدالقادر لقطع في فيلمي “حب في الدار البيضاء” و”بيضاوة”، او حلاق درب الفقراء لمحمد الركاب، فالأفلام التي حضرت فيها مدينة الدار البيضاء كثيرة جدا، ولا تكفي حتى دراسة شاملة لإحصائها، لكن يبقى اشتغال نور الدين الخماري عليها ذو طابع خاص ومغاير لكل من سبقوه.
ولأنني أمام منجز سينمائي (ثلاثية) امتد تقريبا لعشر سنوات، فكان لابد أن أرتكن لخطاطة مفاهيمية اجرائية تساعدني على فهم المنجز وعلى إفهامه وتقديم قراءة فيه.
وفي هذا أقترح “الحگرة” كمفهوم سوسيولوجي، الدعارة كمعطى اجتماعي، التناقض كمعطى طبقي، وفي الوهلة الأولى بعد مشاهدة هذه الافلام والاستعانة بهذه المفاهيم، سنجد أنفسنا أمام فيلم عن الحگرة (كازا نيگرا) وهو عن شابين يحاولان تخليص انفسهما من هذا الوصم والجذام الاجتماعي الملتصق بهما، سواء عن طريق اللباس والتعلق بفتاة من طبقة اجتماعية اخرى، او الحلم ببلد يتصوره الشاب الاخر كجنة ويوتوبيا تنتفي فيه الحگرة وتتعزز فيه امكانات وجوده، والفيلم الثاني(الزيرو) عن مفتش شرطة يخوض حربا سيزيفية ودون كيشوطية حتى، ضد شبكة من الدعارة الراقية، والفيلم الثالث (بورناوت) عن شاب فاحش الغنى وصل لمرحلة احتراق يجد خيط معنى الوجود بمساعدة طفل يمسح الأحذية وخلفيته الاجتماعية الفقيرة، التي هي في تناقض مع وضعية الشاب الغني، لكن ومنذ البدء، اريد التأكيد على أن التيمات والمفاهيم الثلاثة تخترق الافلام كلها، فالحكرة والدعارة والتناقض هي الجدران التي تشد بنيان الدارالبيضاء الرمزية والسينمائية التي يقدمها لنا نور الدين الخماري في ثلاثيته.
كازا نيكرا، الدار الكحلة، جدلية الهرب في والهرب من.
تتبدى لنا صدامية الفيلم وخروجه عن خط التآلف والمهادنة انطلاقا من عتبته الأولى، أي العنوان، كازا نيگرا، وهي لفظة تتموقع بين التعريض والسخرية والمبالغة وكذلك المرافعة (الترافع) والرفض والمقاومة والتمرد، فهو يحيل على كازا بلانكا، من خلال التعريض اللغوي واستعمال عكس بلانكا، اي نيكرا، ولا يخلوا العنوان من سخرية وتهكم، تتساءل الشخصيات والمخرج وواضع العنوان ومن خلالهم سكان مدينة الدار البيضاء:
أهذه المدينة التي تسمونها الدار البيضاء؟ الأجدر أن تسمى بالدار السوداء، ولكنة التهكم هذه نستشفها في الفيلم عندما ينطق عمر لطفي بعبارته القوية هاته (كازا نيكرا)، وعندما ننفذ إلى الفيلم نجد فعلا أن الدار البيضاء هذه سوداء، رغم أن جدران بناياتها الشاهقة مطلية بالأبيض، تظهر دوما خلف الشخوص كوحش يتجسس على الشخصيات، كإله ينتمي إلى الميتولوجيا اليونانية، اله يعرف كل شيء ومآلات القصص لكن يتركها ويتفرج على قصص الفشل والصراع والتدافع الاجتماعي التي تصنع عنفوان الوجود في كازا نيكرا، فالمدينة تلعب مع أبنائها لعبة القط والفأر، قط لا شهية له إلا في مداعبة فأر ترتعد فرائسه ويشعر بأنه بين الحياة والموت، فيمسك القط الفأر، ويطلقه، ليمسكه مرة أخرى إلى ما لا نهاية، تلك هي كازا نيگرا، وأولئك هم شخصيات المدينة.
يحكي الفيلم قصة شابين، في مقتبل العمر، يبحثان عن الخلاص في مدينة كبيرة وصاخبة وسادية أيضا تعرف جيدا كيف تمنع الأفراد من ثدي فرصها، الشابين يعيشان وضعا إجتماعيا غير مستقر، تفكك أسري من الجهة الأولى، وفقر وحاجة وقلة ذات اليد في جهة أخرى، وكلاهما يجتمعان في حلم واحد، التخلص من المدينة، الأول يريد أن يهرب منها، إلى جنته الموعودة مالمو، والثاني يريد أن يهرب فيها وبداخلها، عن طريق تسلق سلم الطبقات الاجتماعية، والارتباط بفتاة غنية، الأول فهم أن كازا وحش لا تترك من عليها في راحة كيفما كان موقعه الطبقي، والثاني يظن أن كازا قاسية على الفقراء ورحيمة بالأغنياء، لذلك يختبئ دوما في لباس أنيق، قناع يخفي به فقره، عسى أن تخطئ كازا التقدير وترحمه، وهو ينطلق من براءة تظن أن المدينة جوستيسيا عمياء يستطيع أن يحملها ويتفوق عليها انطلاقا من حمل ثقلها مع الشابة الغنية، وهو الأمر المعبر عنه سيميائيا وبالصورة في أحد مشاهد الفيلم.
الزيرو، بطل بلا مجد، في مدينة تضحي بأبطالها.
تبدو لنا الدار البيضاء في فيلم الزيرو كرقعة حرب، القوي فيها يستأسد على الضعيف، كبطن نتن تجتمع فيه كل النفايات البشرية، ومن يتجرأ على تنظيفها لن يعمر طويلا.
الزيرو/ يونس بواب حمل الفيلم باقتدار، وأعاد إلى ذاكرتنا أن الواقع ليس ورديا تطير فيه الفراشات، بل واقع قذر توشم فيه الفراشات على اجساد الفتيات اللواتي يبعن كالسلع في سوق الدعارة الراقية.
على عكس كازا نيكرا، المدينة هنا لا تظهر كوحش في ذاتها، بل كبيئة تعمل على حماية الوحوش التي تعيش فيها وتمنحهم الشرعية والإمكانات اللازمة لممارسة وحشيتهم، انها ليست المجرمة في ذاتها، لكنها مساعدة بشكل أكيد، مدانة طبعا، ليس لأنها من تستمتع بعذاب بناتها، لكن، لأنها تسترت عن الجرم وكانت شاهدا عليه.
ان المدينة هنا ليست بنايات شاهقة تظهر كالوحش خلف الشخصيات، بل المدينة هنا بنية تفاعلات بشرية يختلط فيها الشر والخير في صراع أزلي، فحتى الزيرو بطل الفيلم، ليس نبيا، بل فيه من الشر ما هو واضح في الفيلم( الابتزاز، السرقة، استغلال النفوذ…)، لكنه وبفعل الحگرة، هذا المصطلح السوسيولوجي المهم والذي لا نجد له مرادفا في اللغة العربية، تحول إلى بطل، وإن شئنا الدقة، بطل يعيش بداخله ضد البطل، فشخصية الزيرو وتناقضاته تجعلنا نتحدث عن بطل له خصوصيات، فيه من الشر ما فيه، وفجأة يظهر الخير بداخله، لكن، كرد فعل تجاه الحكرة والانتقاص الذي يعامله به رئيسه في العمل، كما نجد هذا التناقض في علاقته بأبيه تارة رحيم به، وتارة ينهره.
ان الزيرو في نظري بطل دون كيشوطي، مهمته تنظيف العالم، إلا أن مهمته كانت عبثية، كذلك المشهد الشاعري حين ينظف بيته، ينظف حائطا بتكلف وجهد وعبثية، لأن الحائط يبدو نظيفا، إنه يمرر رسالة شاعرية، يكشف فيها تناقضات مدينة بين مظهرها الأبيض وأحشاءها النتنة، ولأنه اختار أن ينظف تلك الأحشاء، فإنه بقي بطل بلا مجد.
بورناوت: كازا السوداء، لكن قد تكون بيضاء.
هنا المدينة تنسحب، تتجرد من الألوان، وتتخذ موقف الحياد مما يحصل بداخلها، وتمنح للشخصيات إمكانية تلوينها وفق الظروف والمواقف.
بين جاد وزوجته، أيوب وأمه، عايدة ومصاريف الدراسة، نعيش تقلبات شخصيات داخل مدينة واحدة، لكن بظروف مختلفة، وبألوان مختلفة كل منهما تتلون المدينة وفق حالته النفسية، وعلى الطرف الموازي هناك شخصيات تظهر وتساهم في بناء سردية الفيلم بدون أن تظهر لنا مساحات كبيرة من حياتهم، بدءا ب-“الروندة” وماسح الأحدية “الموس” والوزير والفنان المكتئب، لكل منهما حياة مختلفة، لكن تجمعهم مدينة الدار البيضاء، وتمنحهم الفرصة لتلوينها.
ينتهي جاد بإيجاد المعنى والحب في حياته، وينتهي أيوب حاملا حلمه وهاربا إلى أمه، أما عايدة فتنتهي محترفة في مهنة دفعت اليها مكرهة في البداية، أما ماسح الأحذية “الموس” فيخلص كازا من أحد نفاياتها البشرية ويحقق خلاصه الفردي.
كازا هنا مبددة، تحاول أن تخلع الوزر الذي ألبسها نور الدين الخماري في فيلميه السابقين، تنتفض ضد من ظلموها، وتؤكد براءتها من ما نسب اليها في كازا نيكرا والزيرو، وتصرح بأن التناقض ليس من بمباركة منها، ولا تجثم على صدر أحد، بل أنها صنيعة سكانها، الذين يصنعون صورتها بأفعالهم واهتماماتهم ومآلات حياتهم.
في الختام نستطيع القول، أن ثلاثية الخماري تعرض نماذج مختلفة من كازا، السوداء، النتنة، المتناقضة والمحايدة، وتختلف مآلات شخصياته في الأفلام الثلاث، اذ نجد في كازا نيكرا لا أحد حقق حلمه، لا الأول وصل إلى مالمو، ولا الاخر ارتبط بالفتاة الغنية، وفي الزيرو، وصل البطل إلى تحقيق الحلم، لكن كلفه ذلك حياته، وفقط في بورناوت نصل إلى الخلاص والسعادة ويحقق الأبطال طموحهم، ضمن حدود إمكاناتهم طبعا.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



