
حركة 20 فبراير: ذكرى في حاجة إلى الذاكرة..
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
في كل ذكرى لحركة 20 فبراير، يعود السؤال القديم الجديد: ماذا تبقى من تلك اللحظة المفصلية في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب؟ هل كانت مجرد موجة عابرة في سياق إقليمي مضطرب، أم أنها محطة عميقة كشفت ما كان مسكوتًا عنه، وعرّت أعطابًا بنيوية ما تزال إلى اليوم تبحث عن أجوبة شجاعة؟ الأكيد أن 20 فبراير لم تكن حدثًا معزولًا، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن تراكمات اجتماعية وسياسية، وعن وعي جماعي بدأ يتشكل خارج القوالب التقليدية.
ما ميّز حركة 20 فبراير، ومعها لاحقًا موجات الاحتجاج الفئوي والاجتماعي، هو أن الشارع المغربي استعاد معناه الحقيقي: فضاءً للتعبير السلمي، ومنبرًا للمطالب المشروعة، لا مسرحًا للمزايدات ولا حلبة لتصفية الحسابات السياسية. اختارت فئات واسعة من المحتجين أن تكون القيادة للمتضررين أنفسهم، بعيدًا عن وصاية الأحزاب والنقابات والمنظمات التي فقد كثير منها رصيده الرمزي.
هكذا وُلدت التنسيقيات، وتعددت أشكال التنظيم الذاتي، في رسالة واضحة مفادها أن الشارع لم يعد أرضًا سائبة، ولا غنيمة انتخابية، ولا وسيلة للضغط الموسمي. لقد أصبح الشارع محصنًا بوعي مواطنيه، وبخطوط حمراء يرسمها الدستور، وبذاكرة جماعية لم تعد تقبل العبث أو الركوب.
بين المطالب المشروعة والأجندات الملتبسة
لا خلاف حول مشروعية المطالب التي رفعتها 20 فبراير، والتي ما يزال صداها حاضرًا: العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، الكرامة، الصحة، التعليم، الشغل، والعيش الكريم. هذه مطالب شعب، لا يملك أحد حق مصادرتها أو التشكيك فيها.
لكن ما يفرض النقاش الصريح اليوم هو التمييز الضروري بين هذه المطالب، وبين محاولات توظيفها لخدمة أجندات أخرى، تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، أو تفريغ الاحتجاج من مضمونه الوطني. فليس كل من يرفع شعارًا معارضًا صادق النية، وليس كل من يتحدث باسم الشعب معنيًا فعليًا بمصالحه. هناك من احترف القفز بالمظلات عند الأزمات، والظهور بمظهر المنقذ، بينما يفرغ في العمق حقدًا دفينًا ورغبة في الهدم لا في الإصلاح.
المغاربة الشرفاء… نضال بلا ضجيج
في مقابل هذا الضجيج، هناك مغرب آخر لا يظهر كثيرًا في العناوين الصاخبة. مغرب الشرفاء الذين يناضلون يوميًا من داخل المجتمع: يؤسسون مبادرات إنسانية، يطلقون مشاريع اجتماعية، يشتغلون في التربية والصحة والبيئة، يبتكرون حلولًا اقتصادية محلية، ويمارسون المواطنة الحقة بعيدًا عن الشعارات.
هؤلاء لا يزايدون على الوطن، ولا يتاجرون بمعاناة الناس، بل يدافعون عن مغرب قوي بتماسكه، متقدم بتنميته، ومحصن بوحدته. هم الذين فهموا أن محاربة الفساد والاستبداد لا تعني هدم الدولة، بل تقويتها بالإصلاح، ولا تعني كسر المؤسسات، بل تخليقها وربطها بالمحاسبة.
الشارع ليس غنيمة
من أخطر الأوهام التي سقط فيها بعض الساسة، أن التموقع في المعارضة يمنح تلقائيًا حق امتلاك الشارع. الشارع المغربي له سكانه الأصليون: المواطنات والمواطنون، لا الزعامات الطارئة ولا الوجوه المحترقة. لا يكفي إعلان الغضب، ولا رفع لافتات رنانة، ولا استدعاء الهويات الدينية أو العرقية أو القبلية، لكسب ثقة الناس.
من أراد الشارع، عليه أن يجتاز امتحان الوطنية والأمانة والكفاءة. عليه أن يقدم برنامجًا نضاليًا بديلًا، لا مجرد خطاب انتقامي. وعليه قبل كل شيء أن ينظف بيته الداخلي، لأن الشارع لا يقبل أن يقوده فاسد، مهما تلون بشعارات براقة.
السلط… توازن لا صراع
إن فهم لحظة 20 فبراير يقتضي أيضًا إدراك طبيعة توازن السلط في المغرب. فإلى جانب السلط الدستورية الثلاث، برزت أدوار حاسمة لسلط موازية: الإعلام، المجتمع المدني، ومنصات التواصل الاجتماعي. هذه الأخيرة، التي يقودها في الغالب جيل شاب، أصبحت المحرك الأساسي للرأي العام.
غير أن هذا الدور، على أهميته، يفرض بدوره مسؤولية أخلاقية ووطنية. فكما يمكن لهذه المنصات أن تكون أداة للتنوير والمساءلة، يمكن أن تتحول، إذا تُركت دون وعي، إلى أدوات تضليل أو اختراق أو خدمة أجندات معادية.
جيل Z… سؤال الهوية والمسؤولية
وهنا نصل إلى جيل اليوم، جيل يُطلق عليه اسم (زيد). جيل ذكي، متصل، جريء، كسر احتكار المعلومة، وفرض حضوره في العالمين الرقمي والواقعي. لكنه مطالب اليوم بسؤال أعمق : أي نضال يريد؟ وبأي هوية؟.
المفروض أن يظهر هذا الجيل للوجود بخلفية وأصول مغربية، وأن يتواصل بلغتي المغرب الرسمية (العربية والأمازيغية)، وباقي اللهجات المغربية. وقبل كل هذا أن يكون له اسما مغربيا، وليس حرفا بلغة المستعمر الغاشم. حرف يوحي وأكن وراء الحراك جهات غير مغربية.والمفروض أن يكون النضال بوجوه مكشوفة وهويات معلنة مغربية خالصة بالعالمين الرقمي والواقعي؟ لماذا لا يكون الاسم نابعًا من السياق الوطني (أشبال المملكة…)، من رمزية مغربية جامعة؟ لماذا يُترك المجال لأصوات مجهولة، بهويات غير معلنة، لتركب على مطالب مشروعة؟ وهل يقبل هذا الجيل أن تتحول بصماته الراقية إلى وقود لمعارك لا تخدم الوطن، بل تفرح خصومه؟
المطالب الاجتماعية حق، والضغط السلمي مشروع، لكن الخط الفاصل بين الإصلاح والفوضى، بين النقد والبناء، وبين المعارضة الوطنية وخدمة الأعداء، خط رفيع لا يحميه إلا الوعي.
الشارع يغلي بمطالبكم المشروعة في الصحة والتعليم والعيش الكريم، وحسن تدبير ثروات البلاد. واتضح أن الانتفاضة أتت نيابة عن الأسر المغربية. وقد علا سقف مطالبكم إلى المطالبة بانسحاب الحكومة التي فشلت كما فشل من سبقوها في إنصاف المغاربة.
ما ميز انتفاضة جيل زيد، ورغم عفويتها. أنه تمكنت أن توصل معاناة المجتمع مع الصحة والتعليم والعيش الكريم. كما تمكنت من إجهاض محاولات الخونة والمدسوسين. الذين كانوا يسعون لتحريف النضال. وضرب أمن واستقرار الوطن. كما تمكنت من المخربين من الشباب الذين حاولوا إفساد الاحتجاجات السلمية. وطبعا فهؤلاء (المخربين) ليسوا خونة ولا انفصاليين لا مجرمين. بل هم مرضى ضحايا التدبير الأمني والحمائي لهم من تجار المخدرات والبشر.
نحو ذاكرة حية لا ذكرى عابرة
عشرين فبراير و (جيل زيد)، وقد تولد أخريات.. استحضارها ليست ذكرى للاحتفال ولا للتخوين، بل لحظة للتفكير الجماعي. هي مرآة تعكس ما تحقق وما تعثر، وما يجب تصحيحه. والرهان اليوم ليس في إعادة إنتاج الشعارات، بل في إنتاج الوعي، وترسيخ ثقافة المواطنة، وبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأجيال المختلفة. فالمغرب لا يُبنى بالضجيج، ولا يُحمى بالإنكار، بل بإرادة صادقة للإصلاح، وبشباب واعٍ، وبنخب تتحمل مسؤوليتها التاريخية.
هل استوعب السياسيون تلك الحراكات ؟..
يبدو أن معظم ساسة اليوم لم يستوعبوا بعد دروس حركة 20 فبراير وجيل (زيد). ولم يتعلموا الدروس والعبر من الاحتجاجات الفئوية الشعبية السلمية التي نظمت من أجل الإنصاف.
اختار روادها أن تكون القيادة والريادة للمتضررين والمعنيين المباشرين بأهداف ومرامي كل الاحتجاجات. إلى درجة أن معظم الفئات المتضررة اختارت إحداث تنسيقيات أو حتى جمعيات لتمثيلها بعيدا عن الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الحقوقية.
فهل ينتبه هؤلاء إلى أن الشارع المغربي أصبح مكانا محصنا، لا يمكن لأي كان ولوجه من أجل العبث بالشعب داخله. و أن هؤلاء (ساسة أسواق النخاسة)، لا يمكنهم مستقبلا التواطؤ والتلاعب والنصب والاحتيال وانتزاع بعض الكراسي و المناصب داخل السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما لا يمكنهم بأي حال من الأحوال الضحك على ذقون المواطنين. وانتزاعهم مقاعد بالشارع العام. وليعلم هؤلاء أن عليهم اجتياز مباريات كتابية وشفوية في الوطنية والأمانة والوفاء والكفاءة. إن هم أرادوا حمل مشعل المعارضة الأكيدة والصادقة، وخوض نضال الشارع المغربي.
للشارع المغربي رب يحميه، ورواد تغذيه، وخطوط حمراء يرسمها دستور البلاد. ولا يمكن أن نرهنه بأياد وعقول من هب ودب. لا يمكن أن يكون مسرحا لإبراز عضلات ورقصات من يسعون إلى الركوب على مآسي ومعاناة الشعب من أجل ابتزاز الحكومة والدولة.
للشارع المغربي أبواب ونوافذ يصعب اختراقها.تحرسه وحدة المغاربة ووطنيتهم الصادقة، وقدرتهم على كشف هويات كل الدخلاء والمدسوسين. قد يكتسبون مهارات التفاوض والإقناع من أجل ولوج الأغلبية، وانتزاع مقاعد وكراسي المسؤولية داخل الحكومة ودواليبها. وفي حالة إبعادهم، فإنهم لن يفلحوا في كسب ثقة الشعب بالوعود والشعارات الكاذبة. كما أن الإعلان عن جنوحهم إلى المعارضة لن يكون كافيا لتسليمهم مفاتيح الشارع المغربي. كما لن يقبل الشارع ركوبهم السياسي الممنهج باعتماد التنوع الديني والعرقي والقبلي المغربي.
فالشارع المغربي مفتوح لكل المغاربة بعيدا عن أجندات هواة الركوب السياسي والتموقع، خصوم الوطن وأعداء وحدته الترابية. لم يعد المغاربة يولون اهتماما لما يحكى ويشاع من طرف من يعتبرون أنفسهم معارضين. هؤلاء الذين اعتادوا النزول بالمظلات والمروحيات والظهور بمظاهر المنقذين والغيورين والداعمين لمطالب الشعب. يستغلون الأحداث والأزمات، ويظهرون الحب الزائف والمساندة الكيدية. يفرزون حقدهم الدفين و رغبتهم في زعزعة أمن واستقرار البلاد. أيادي وعقول مأجورة تدار بأجهزة التحكم عن بعد. همها تعطيل التنمية والدفع بالبلاد نحو الفساد والكساد.
الجنوح إلى المعارضة لا يعني امتلاك الشارع
على من ألقي بهم في أحضان المعارضة، كما على من يرون في فكرهم ونضالهم ومطالبهم أن مكانهم الدائم هو المعارضة.. أن يدركوا أن التموقع في جناح المعارضة لا يعني احتلال الشارع المغربي والعبث بنظامه الداخلي الذي وضعه السكان الأصليين للشارع. ولا يعني أن المغاربة سيكونون رهن إشارة كل من انتفض من فراشه المبلول، وقرر التسكع داخله حاملا ملصقات ولافتات تحوي كلاما وعبرا لا تخص إلا أصحابها.
على المبعدين من الحكومة وقبل التفكير في النزول إلى الشارع، أن يؤثثوا لبرنامج نضالي بديل لبرنامجهم الانتخابي السابق. وأن يحظى برنامجهم بثقة الشارع المغربي. كما يجب انتقاء الساسة بعيدا عن أسواق النخاسة. حتى تحظى بالحب والقبول. فلا يعقل أن يقود المحتجين سياسي أو نقابي أو حقوقي فاسد.
في حاجة إلى احترام و تثمين مكانة السلط
على الساسة أن يدركوا جيدا قيمة و مكانة السلط التي تدبر شئون البلاد والعباد. بداية بسلطة الملك أعلى هرم في الدولة. ومرور بالسلط الستة الممثلة للمغاربة، والتي من المفروض أن تتوحد وتنسق، لكي تؤثث لمسار تنموي منصف لكل الفئات المجتمعية، ولتواكب القرارات والمبادرات الملكية .
وعلى ممثلي السلط الرسمية الثلاثة الأولى (التنفيذية، التشريعية، القضائية)، التي تمثلها إتباعا الحكومة والبرلمان والنيابة العامة والقضاء بكل أجهزته. أن يدركوا أن روادها هم منتوج خاص وصرف للسلط الموازية الثلاث الأخرى. وأعني بها السلطة الرابعة (صاحبة الجلالة)، والخامسة (المجتمع المدني)، والسلطة السادسة (رواد منصات التواصل الاجتماعية ). لدى فإن تنقية وتطهير السلط الثلاثة الأولى يفرض بالأساس تخليق وتقنين عمل السلط الثلاثة المتبقية. والسلطة السادسة (سلطة مواقع التواصل) هي أم تلك السلط ومحركها الأساسي. وفي ظل قصور أدوار الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الحقوقية، فإن السلط الثلاثة الموازية هي من باتت تقود الشارع المغربي. وعلى المقبلين على خوض معركة المعارضة الحكومية إثبات أحقيتهم وجدارتهم لهاته السلط. والتي بيدها جوازات المرور.
رسالة مني (شيخ شاب) إلى شاب في عز الشباب
احمل مطالبك بيد، واحمل وطنك باليد الأخرى. لا تفرط في أي منهما. فالأوطان لا تُقايض، والكرامة لا تُستعمل جسراً للهدم.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



