الرأيالمجتمع

متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟

ها هو الشهر الفضيل يطل علينا من جديد بعد غد الخميس ، في دورته الهجرية المتجددة، حاملاً معه فرصة نادرة للمراجعة والمصالحة مع الذات، وفرصة أندر للتخفف من أثقال القلوب قبل البطون.

رمضان لا يأتي ليعدّ أيام الامتناع عن الأكل والشرب، بل ليوقظ فينا سؤالاً جوهرياً طال تجاهله: متى ندرك فعلاً المعنى الحقيقي للصوم؟

لقد تعلّمنا، للأسف، كيف نصنع الأزمات ونغذّي البؤس ونزرع اليأس والإحباط، ونسينا أن نترك جزءاً من أراضينا الداخلية لبناء الكرامة، وتشييد السعادة، وزرع المحبة.

كبر فينا الغلّ والحقد تجاه بعضنا البعض، بينما عجزنا عن توجيه قسط ضئيل من هذا الغضب نحو أعدائنا الحقيقيين، أو تحويل سمومنا إلى مناعة جماعية بدل أن نجعلها أدوات لتدمير ذواتنا وتمزيق صفوفنا.

تعلّمنا أن نكره بالعين قبل العقل والقلب، وأن نسترق السمع فيما لا يعنينا، وأن نغوص في مشاكل غيرنا لا لإصلاحها بل لتعقيدها.

وفي خضم هذا الانحدار القيمي، يأتي رمضان، لا كطقس موسمي، بل كمشروع إصلاحي متكامل، أراده الله تعالى مدرسة للتقوى، ومختبراً للأخلاق، ومساحة لإعادة ترتيب الأولويات.

رمضان لم يُشرّع للتفاخر بأنواع الأطعمة ولا للتباهي بموائد مثقلة، بل شُرع للإحساس بالجائع، ولمعايشة وجع المعوز، ولمقاسمة لحظة العطش مع من يعيشها قسراً طيلة العام. هو شهر العبادة، والتماسك، والتراحم، لا شهر السهرات الفارغة واللهو العبثي، ولا مواسم التفاهة المُعلّبة..

فليكن إفطارنا جماعياً يعيد “اللّمة” ويقوّي أواصر الأمة، وليكن سحورنا خفيفاً على البطون، رفيقاً بالناس، لا يُقلق النائمين ولا يُرهق الأجساد.

وليكن صيامنا عن الأكل والشرب طريقاً إلى الصوم عن الأذى، وترويضاً للحواس، حتى تخضع جميعها لقيادة واحدة: العقل المربوط بالقلب والضمير.

كلنا نصوم عن الطعام، عن الشراب، عن الشهوات الظاهرة، لكن قلة منّا من تصوم عن إيذاء الناس، عن الغيبة، عن التحقير، عن التسلط، عن الابتزاز، عن الظلم. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الصيام والصوم.

الصيام امتناع مؤقت، أما الصوم فهو سلوك دائم، أخلاق تمتد إلى ما بعد رمضان، وقيم تُمارس في كل الشهور.

لقد جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، لأن الصوم الحقيقي هو ذاك الذي لا يترك جرحاً في إنسان، ولا كسراً في كرامة، ولا ظلماً في طريق.

رمضان فرصة لإعادة تقييم عزائمنا وإراداتنا. ما دمنا قادرين على الصبر ساعات طويلة، فنحن قادرون على مقاومة الفساد، وكبح الاستبداد، وتغيير ما بأنفسنا، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، ولا طريق إلى الإصلاح غير ذلك.

مرة أخرى، كُتب علينا أن نلتقي برمضان، وأن تُفتح لنا أبواب المغفرة، وأن يمنحنا الله فرصة جديدة لاستدراك الأخطاء وتصحيح المسارات. لقاء رمضان ليس طقساً عابراً، بل لطف إلهي وسخاء رباني،

فطوبى لمن تزاحم على أبوابه، وهي ليست فقط في المساجد، بل في الأحياء الهامشية، والقرى النائية، حيث يئن المشردون، ويتألم المنسيّون، وتُستباح البراءة.

قلّلوا من الطعام، وقاطعوا أولاد الحرام، واركبوا سفن الحب والإحسان والسلام. فالحياة، مهما طالت، لا تعدو أن تكون حلماً سريعاً، والحقيقة هناك… حين نُترك وحدنا مع أرواحنا.

اسألوا أنفسكم:

ماذا لو استيقظتم يوماً واكتشفتم أنكم لم تُنجزوا فروضكم الأخلاقية في مدرسة الحياة؟

ماذا لو كانت كل مغامرات العمر مجرد حلم، وبقي الحساب؟

الثراء الحقيقي ليس في ما نملك، بل في ما نكون. والغنى غنى النفس، والفائز من ثابر واجتهد، وتقبّل المصير بوعي ورضا.

كل عام وأنتم تُصحّحون أخطاءكم، وتخففون من ذنوبكم، وتستقبلون رمضان كفرصة لا كعادة، وكثورة داخلية لا كمجرد صيام.

صوماً مقبولاً، وعملاً صالحاً، وقلباً أنقى. ودمتم في رعاية المولى عز وجل ..

بوشعيب حمراوي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى