
من بستان الكرز لأيام الصيف تحوّلات النص والفضاء والذاكرة بين أنطون تشيخوف وفوزي بنسعيدي
عرض النادي السينمائي نور الدين الصايل بأكادير يوم الاثنين 16 فبراير 2026 بتعاون مع الجماعة الترابية للمدينة والجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، فيلم “أيام الصيف” للمخرج المغربي فوزي بنسعيدي ، سيناريو الفيلم، عبارة عن نص سينمائي مأخوذ من نص مسرحي، لأنطون تشيخوف عن مسرحيته “بستان الكرز”. تلى عرض الفيلم، مداخلة للناقد السينمائي محمد بكريم، بعنوان” من النص المسرحي إلى النص السينمائي، تحولات البلاغة السردية”، وتابع المداخلة عدد من المهتمين ومنخرطي النادي ساهموا بنقاش مستفيض هام.
من النص المسرحي إلى الفيلم السينمائي ..تمرين جمالي معقد
يشكّل الانتقال من نص مسرحي كلاسيكي إلى معالجة سينمائية معاصرة تمرينًا جماليًا معقّدًا، خاصة حين يتعلق الأمر بعمل مفصلي في تاريخ الدراما الحديثة مثل مسرحية أنطون تشيخوف، التي كتبها سنة 1904 على تخوم انهيار طبقة النبلاء الروس. في المقابل، يقدّم المخرج المغربي فوزي بنسعيدي في فيلمه «أيام الصيف» قراءة بصرية حرة تستلهم روح النص لا حبكته، وتنقل سؤال الأفول والتحوّل من روسيا القيصرية إلى سياق مغربي متخم بالتحولات الاجتماعية.
أفول الطبقة القديمة: من الإقطاع الروسي إلى البرجوازية المغربية
في «بستان الكرز»، يتكئ تشيخوف على حكاية عائلة أرستقراطية تعود إلى ضيعتها المهددة بالبيع بسبب الديون. البستان ليس مجرد فضاء طبيعي، بل رمز لذاكرة طبقية آيلة إلى الزوال. الشخصيات تعيش حالة إنكار، عاجزة عن إدراك التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثله صعود البرجوازية الجديدة.
هذا البعد الرمزي يجد صداه في «أيام الصيف»، حيث يستثمر بنسعيدي فضاء الفيلا العائلية بوصفها معادلاً بصريًا للبستان. هنا أيضًا، هناك مكان مثقل بالذكريات، مهدد بالتفكك أو البيع، وشخصيات تتحرك داخل زمن معلّق بين ماضٍ متخيّل وحاضر ضاغط. غير أن التحول في السياق المغربي لا يرتبط بإلغاء الإقطاع، بل بتحولات الرأسمال الحضري، وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى والعليا في مدن كـطنجة، التي تشكل خلفية دلالية لجزء من أعمال بنسعيدي.
من التراجيديا الصامتة إلى الكوميديا السوداء
تميّزت كتابة تشيخوف بما يمكن تسميته “الدراما الساكنة”: أحداث كبرى تقع خارج الخشبة، بينما تحتل التفاصيل اليومية والحوارات المتقطعة صدارة المشهد. هذه التقنية، التي اعتبرها لاحقًا نقاد مثل قسطنطين ستانسلافسكي ثورة في فن التمثيل، تقوم على الإيحاء بدل التصريح.
بنسعيدي، من جهته، يشتغل على الإيقاع البطيء، واللقطات الثابتة، والفراغات الزمنية. الكاميرا عنده لا تلاحق الحدث بل تراقبه من مسافة، ما يخلق نوعًا من “البرودة الجمالية” التي تكشف هشاشة العلاقات. غير أن الفيلم يميل إلى مفارقة ساخرة أقرب إلى الكوميديا السوداء، حيث يتحول الحنين إلى مادة تهكمية، ويغدو التردد الجماعي علامة عجز وجودي لا مجرد أزمة طبقية.
الفضاء بوصفه شخصية
في المسرح، البستان فضاء رمزي مغلق، ينهار في النهاية مع صوت الفأس الذي يقطع الأشجار. في السينما، يتحول المكان إلى بنية بصرية متعددة الطبقات: الداخل/الخارج، الضوء/الظل، البحر/الفيلا. يشتغل بنسعيدي على جمالية اللون والفراغ، بحيث يغدو البيت فضاءً نفسانيًا يعكس تصدّع العلاقات العائلية.
هنا يتجاوز الفيلم فكرة “الاقتباس” المباشر إلى ما يمكن تسميته “التناص الحر”. فالعلاقة ليست علاقة تطابق سردي، بل استلهام ثيمة الأفول: أفول القيم، أفول الروابط، وأحيانًا أفول المعنى ذاته.
سؤال الزمن والذاكرة
الزمن عند تشيخوف دائري، يعيد إنتاج العجز ذاته. أما في «أيام الصيف»، فالزمن يبدو معلقًا في عطلة طويلة، كما لو أن الشخصيات تؤجل قرارها النهائي. هذا التعليق الزمني يعبّر عن حالة مجتمع يعيش انتقالًا غير محسوم بين تقاليد راسخة وأنماط عيش معولمة.
من هذا المنظور، يتحول البستان الروسي إلى استعارة كونية: كل مجتمع يملك “بستانه” الخاص الذي يخشى فقدانه. وبنسعيدي، دون أن يعلن اقتباسًا حرفيًا، ينجح في ترجمة روح تشيخوف إلى سياق مغربي معاصر، مستثمرًا أدوات السينما في تفكيك سؤال الانتماء والهوية الطبقية.
بين الكلاسيكي والمعاصر: جدلية الاستمرار والتحوّل
تكشف المقارنة بين العملين أن النص الكلاسيكي لا يفقد راهنيته، بل يعيد إنتاج نفسه في سياقات مختلفة. فـ«بستان الكرز» ليست فقط مسرحية عن روسيا القيصرية، بل عن كل مجتمع يواجه لحظة انتقال تاريخي. و«أيام الصيف» ليس مجرد فيلم عن عائلة مغربية، بل تأمل بصري في هشاشة الامتلاك، وقلق التغيير، وعبث الانتظار.
في النهاية، يبرهن فوزي بنسعيدي أن الاقتباس ليس نقلًا حرفيًا، بل حوارًا عابرًا للثقافات والأزمنة. ومن خلال هذا الحوار، يلتقي تشيخوف بالمغرب المعاصر، حيث يظل سؤال الفقد والتحوّل مفتوحًا على احتمالات جمالية وفكرية متعددة.
- أكادير اليوم – الحسن باكريم
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





