
أنطون تشيخوف/فوزي بنسعيدي.. من النص المسرحي إلى النص السينمائي: بلاغة التحويل
- محمد بكريم//
«الفن هو القراءة الأفضل للفن»
جورج شتاينر
لا يصنع فوزي بنسعيدي سينما الاتجاه السائد (Mainstream)؛ فهو لا ينتج أفلاماً لإرضاء الجميع، بل يضع ثقته في المشاهد الذي يختار أن يأتي طواعية للفيلم. تفترض سينماه وجود متلقٍّ نشط؛ تستدعي مشاهداً ينخرط معه في مشروع استقبال/خلق الفيلم، ضمن ميثاق مشترك لبناء المعنى. هذا المعنى يُفهم كعملية تزداد ثراءً مع نضوج اللقاء بين الفيلم وجمهوره، على النقيض تماماً من السينما التي تفرض على المشاهد وضعية “الإقامة الجبرية”.
في عمله الجديد “أيام الصيف”، يقدم بنسعيدي للمشاهد تجربة مُمتعة ومُحفزة. ممتعة لأن الفيلم يُشاهد ككوميديا خفيفة وعميقة في آن واحد، حيث ينغمس الممثلون في الأداء بكل جوارحهم ضمن سِجلات تمثيلية متنوعة. ومحفزة لأنها تغني الفكر بصفتها عملاً (سينمائياً) يحاور عملاً آخر (مسرحياً). وأذكر هنا أن الفيلم مستوحى بحرية/بتصرف من مسرحية لتشيخوف، وهو بذلك يرد الاعتبار لذكاء المشاهد كمتلق شامل، أي منفتح على مختلف الأشكال التعبيرية.
شاهدت الفيلم لأول مرة في مراكش (عرض في احدى فقرات المهرجان الدولي)، ووصفته حينها بـ “فيلم-نُزهة” (film-balade) لشدة السعادة التي نشعر بها ونحن نستسلم للمرح الذي يشعه، ولتلك الأجواء المبهجة التي تحركه رغم الدراما التي تلوح في الأفق. ثم أثار العرض العمومي للفيلم فضولي للعودة إلى النص الأصلي الذي ألهمَه، فقرأت مسرحية تشيخوف “بستان الكرز” (1904) … وفي غمرة ذلك أعدت مشاهدة الفيلم، فتعززت لدي مشاعر المتعة والسعادة.
برحلته نحو عوالم تشيخوف، ينضم فوزي بنسعيدي بهذا العمل الجديد إلى كوكبة من السينمائيين العالميين الذين استلهموا من الدراماتورج الروسي الكبير. وهي قائمة تمتد عبر الزمان والمكان؛ تبدأ بإحياء ذاكرتنا السينيفيلية بفيلمين تمت برمجتهم ضمن أنشطة الجامعة الوطنية للأندية السينمائية في “الزمن الجميل”، تحت إشراف الراحل نور الدين الصايل: “عبدة الحب” (1976) و”مقطوعة غير مكتملة للبيانو الآلي” (1977) لنيكيتا ميخالكوف.
كما نجد في القائمة الفرنسيين لويس مال (فانيا، 1994)، كلود ميلر (ليلي الصغيرة، 2003)، المولدافي إميل لوتيانو (حادث صيد، 1978)، وخاصة نوري بيلج جيلان… الذي استلهم العديد من أفلامه من قصص تشيخوف القصيرة. إن مجمل أعمال المخرج التركي تعكس عالم المسرحي الروسي، وأذكر منها على وجه الخصوص: “القصبة” (1997)، “شجرة الكمثرى البرية” (2018)، و”أعشاب جافة” (2023) … وماذا تعلم المخرج من تشيخوف؟ يجيب “إنه فن جعل الأبطال الذين يفتقرون للجاذبية يبدون جذابين”.
ماذا يثير في هذا النص؟ لا توجد شخصيات خارقة في مسرحية “بستان الكرز”، التي كُتبت ومُثلت قبيل وفاة تشيخوف وألهمت “أيام الصيف”. لا أبطال، أو بالأحرى هم أبطال معارك خاسرة؛ معارك طبقة اجتماعية بأكملها في طور الأفول، تنويعة من نبل يفتقر للحس التاريخي، ستخلي المكان لأبطال جدد منحدرين من فئات اجتماعية صاعدة.
ومع ذلك، فإن رهان الفيلم يتموقع ما وراء مجرد الاقتباس البسيط. فالمخرج “يستحوذ” على النص المصدر ليقترح قراءة جديدة انطلاقاً من رهانات جمالية وثقافية واجتماعية جديدة. مما تبقى من “بستان الكرز” ما يمكن اعتباره ملخصاً: عائلة أرستقراطية تجتمع حول شخصية مرجعية، السيدة جليلة (منى فتو)، التي تعود إلى ضيعتها بطنجة بعد قصة حب غير مكتملة في باريس.
تجتمع العائلة المثقلة بالديون للمرة الأخيرة في الضيعة الشاسعة التي تدرك أنها ستفقدها. تبدأ القصة عشية المزاد العلني لبيع الضيعة، وستكون هذه العملية مؤسسة لعهد جديد مع مشترٍ جديد، العربي (محسن مالزي)، الذي ليس سوى ابن خادم قديم للعائلة المتهاوية. وانطلاقاً من هذه الحبكة، يخلق الفيلم عالمه الخاص، حيث نهج فوزي بنسعيدي مقاربة أصيلة. أقول عنها [ان هذا العمل المستوحى من المسرح هو اقل أعماله” مسرحة” -. Théâtralité- حيث يتم توظيف عناصر التعبير السينمائي (الكادر، التقطيع، حركة الكاميرا…) بشكل يؤسس لنص بليغ يحاور ندا لند نصا بليغا أصلي.
الجدول التركيبي التالي يقدم تلخيصا لبعض عناصر المقارنة:
كيف اشتغل فوزي بنسعيدي على هذه المادة. اضع ذلك بداية في إطار نظري عام مفاده حين تلتقي السينما بالمسرح، يمكنها مساءلته على ثلاثة مستويات:
بوصفه نصاً.
بوصفه فضاءً نموذجياً لظاهرة تسمى “المسرحة”(Théâtralité).
وبوصفه فعلاً ركحياً.
في كل مستوى من هذه المستويات، يمكن إيجاد استجابة سينمائية توافق اختيارات جمالية وفنية. والمستوى الأكثر شيوعاً وحضوراً منذ بدايات السينما يتمثل في الانطلاق من النص لإنتاج اقتباسات. كان ذلك في الأصل تلبية لحاجة السينما (التي ولدت كاختراع تقني) لاكتساب شرعية فنية من خلال الاحتكاك بالرواية ومنافسة المسرح حتى، الملقب بـ “أبو الفنون”.
لكن السينما، بعد نجاح تحولها الفني (يتم الحديث عن الفن السابع في سنوات 1920)، أصبحت قادرة على دمج عناصر “المسرحة” في مقاربتها. وأخيراً، يمكنها محاولة التقاط الفعل المسرحي لدمجه بالمادة السينمائية. ومع سينما فوزي بنسعيدي، وحتى قبل “أيام الصيف”، يمكننا تتبع أثر حضور أشكال مسرحية في أفلامه، أو علامات “المسرحة” في عمله الإخراجي. وأستطيع القول بهذا المعنى إن هناك حضوراً متعدد الأشكال في جميع أفلامه، وتتجلى ذروته في “التباعد البريشتي” (Distanciation brechtienne) التي ستعبّر عن نفسها في “أيام الصيف” عبر الوسائط السينمائية.
ولهذا اجدني أمام فرضية أولى وهي اذا كان هذا الفيلم يستمد مادته الخام من المسح فهو أقل أفلام فوزي بنسعيدي “مسرحة -théâtralité- حيث يتم توظيف عناصر التعبير السينمائي (الكادر، التقطيع، حركة الكاميرا…) بشكل يؤسس لنص بليغ يحاور ندا لند نصا بليغا أصلي.
في هذا الفيلم، المتحرر من هاجس الاقتباس ومن الثنائية الزائفة (أمانة/خيانة)، سعى بنسعيدي إلى خلق عمل يحاور عملاً آخر، بناءً على عناصر تعبيرية خاصة بكل وسيط. السينما هنا مجندة لقراءة المسرح، وليس المسرح مستدعى لدعم السينما. يذهب هذا الاستكشاف بعيداً في استنفار ما يمكن للسينما أن تقدمه من بلاغة، ومن قواعد سردية وبصرية. وأفترض هنا أن “أيام الصيف” هو الفيلم الأكثر “أسلبة” (Stylisé) لفوزي بنسعيدي منذ فيلم “WWW”.
ويمكن ان ألخص هذا الاشكال بالقول بأن مسألة الاقتباس – أفضل مصطلح التحويل- ينظمها اقتصاد سياسي للكتابة رافعته ثنائية الحذف مقابل الإضافة. والمعادلة التالية تسعى لتلخيص ذلك انطلاقا من مجموعة من الرموز:
ن1 (T1): النص الأصلي – بستان الكرز لتشيخوف
ن2 (T2) :أيام الصيف- فيلم فوزي بنسعيدي
X+ : الاضافة
X-: الحذف
وبذلك نصل الى المعدلة التالية:
T2= (T1 x X+)+ (T2xX-)
T2= T1 ÷ ( X+ x X-)
ويتجلى ذلك في أيام الصيف أولاً على مستوى تكوين اللقطات بالمعنى التشكيلي، المنزع نحو نوع من الإشباع عبر تكثيف العلامات؛ وتأطير ديناميكي يتجنب التمثيل المسرحي، ولقطات عامة واسعة جداً؛ وتأطيرات داخلية (Surcadrages) بخطوط عمودية: أشجار، أثاث، نوافذ، أعمدة، أبواب… تقسم اللقطة إلى عدة مشاهد متزامنة. كل مشهد يظهر، من خلال تعدد الأطر داخل الصورة، كأنه مونتاج لمشهدين أو حتى ثلاثة.
وتعد لقطة وصول السيدة جليلة من المطار خير مثال على ذلك: لقطة واسعة وجميلة لمدخل الفيلا الكبيرة تقدم لنا في آن واحد ثلاثة مشاهد على الأقل: في الوسط السيارة التي تقل صاحبة الضيعة؛ على يمين اللقطة الخدم ولجنة استقبال صغيرة؛ وعلى اليسار “عمر” يغادر الضيعة من مخرج موازي لتجنب لقاء الوافدة الجديدة.
وهكذا يتم عرض جانب كامل من السرد بمجرد هيكلة الفضاء. أما العنصر الآخر الذي يساهم في صياغة هذه الديناميكية فهو حركة الكاميرا التي تحمل اللقطات الطويلة (Plan-séquence) وتؤطر التطور الدرامي؛ فالكاميرا هنا متحركة جداً، لاسيما عبر لقطات التتبع (Travelling) التي ترافق حركات الشخصيات.
المكون الآخر لهذه المقاربة القائمة على “تفكيك” دراماتورجيا كلاسيكية لصالح أخرى جديدة، هو أداء الممثلين. إن غياب مرجع مباشر لنص قوي كان سيجبرهم على أداء مسرحي، قد حرر الممثلين من نوع من “الأنا الأعلى” الذي كان سيكبح مبادراتهم، مدعومين بإدارة ممثلين تولي أهمية لكل موقف على قدم المساواة، مما سمح لهم بالاندماج في الفعل، محفزين بالرغبة النابعة من الروابط التي تُنسج من جديد أو التي تفشل في التحقق (انظر المشهد الرائع لاعتراف الحب الفاشل بين العربي وعائشة). وإذ أصيب الجميع بنوع من التململ والحركة المستمرة، وربما بوعي منهم بأن شيئاً لن يعود كما كان، فهم لا يتوقفون عن الدخول والخروج من كادر الصورة.
تحركت هذه الديناميكية تحت تأطير “مربع ذهبي” يضم منى فتو (السيدة جليلة)، فوزي بنسعيدي (كمال)، نزهة رحيل (عائشة) ومحسن مالزي (العربي)، ومعهم أوفياء المخرج: محمد الشوبي (الزراوي)، نادية كوندا (غيثة)، عبد التواب (محمد) وسعيد باي (عمر) في دور المثقف الحامل لـ “يوتوبيا” ممكنة. إن المتعة التي وجدوها في “اللعب” انتهت بسقاية العمل برمته، معديةً بذلك المتلقي.
إنه عمل إبداعي لامع للذهاب إلى الجوهر؛ لالتقاط ذلك “السحر” الذي وصفه ستانيسلافسكي وهو يتحدث عن “بستان الكرز”: سحر “مصنوع من عطر لا يُمسك، مدفون في أعماق قلب العمل”. والنتيجة هي عمل معاصر في موضوعه، حديث في كتابته، وإذا جاز لي القول “مغربي” في تجذره الثقافي؛ تجذر مدينة طنجة في مواجهة زحف الزحف العمراني الإسمنتي (مشهد الافتتاح يحيل على هذه الفوضى)، وتحديات الهجرة (المشهد مع المهاجرين من جنوب الصحراء الذين احتلوا جزءاً من الضيعة)، والاستيلاء على السلطة الاقتصادية والاجتماعية من طرف طبقة جديدة.
أما رحيل هؤلاء وأولئك فيتم دون أفق، إذ لا توجد لقطة تشير إلى الأفق؛ فالشخصيات تحمل في داخلها مصيرها الخاص. وقد اضفى تصوير المطر في المشهد الختامي تصعيدا دراميا يحيل الى المشاعر المتباينة للشخصيات: هناك من يغادر وقطرات المطر بمثابة دموع الحسرة وهناك من يستحوذ على المكان كأنه وصل مع الزوبعة. “شي رعدة جاية” على حد تعبير العربي /محسن مالزي.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




