العالم اليوم

الجزائر المراقب الذي يحضن كيان وهمي ويسلحه ويترافع بدل عنه

  • بقلم : بوشعيب حمراوي//

يبدو أن دبلوماسية العالم الٱخر. اخترعت مؤخرًا مفهوما سياسيا جديدا يصلح للتدريس في كليات العبث السياسي، ألا وهو : المراقب الفاعل. مراقب يحضر الاجتماعات، ينوب ويمول أحد أطرافها، يهاجم الطرف الآخر، يقطع العلاقات، ويهدد المنطقة… ثم يخرج بكل برودة ليقول: لسنا طرفا، نحن نراقب فقط.

آخر فصول هذه الكوميديا السوداء خرجت به الخارجية الجزائرية من دائرة الصمت، عبر مصدر رسمي مجهول كالعادة، لتؤكد أن حضورها جلسات الحوار حول الصحراء المغربية بسفارة الولايات المتحدة في مدريد لا يتجاوز صفة المراقب. تصريح لا يضحك فقط، بل يُحرج حتى أكثر المدافعين عن البلاغة الرديئة في السياسة.

في القواميس السياسية المعروفة، المراقب هو من يحضر دون تدخل، يلاحظ دون تأثير، ويغادر دون بصمات. ليرفع التقارير حول ما جرى ودار. أما في القاموس الجزائري، فالمراقب، يجلس إلى الطاولة المستديرة، يتحدث باسم طرف آخر، يكتب مذكرات الاحتجاج، ويوزع التعليمات من الخلف.

وهو ما نسف عمليًا كل ادعاء (الحياد)، خصوصًا وأن قرارات مجلس الأمن لم تترك مجالا للتأويل، حين دعت الجزائر باسمها إلى المشاركة في الموائد المستديرة، لا لمراقبة الجدران أو عدّ الكراسي، بل لمناقشة الحل السياسي.

مراقب يستضيف طرف النزاع فوق أرضه
أغرب ما في الرواية الجزائرية، أنها تريد إقناع العالم بأن دولة تستضيف طرفا في النزاع مسلحا فوق ترابها منذ نصف قرن، وتمكن تنظيما انفصاليا من الأرض والسلاح والوثائق والتنقل، يمكن أن تكون (غير معنية).

ففي أي كتاب قانون دولي، تصبح الدولة مسؤولة بمجرد أن يتحول ترابها إلى قاعدة خلفية لصراع إقليمي.أما في النسخة الجزائرية، فالأرض أرضها، لكن النزاع ضيف عابر.

مراقب يمول الحرب ويعارض السلام، هكذا هي دولة العالم الأخر. لا تكتفي بالمراقبة البصرية، بل تمارس المراقبة المالية بسخاء. ميزانيات ضخمة تُرصد، أسلحة تُسلَّم، دبلوماسية تُجند، وإعلام يُعبأ… ثم عندما يُطرح حل واقعي كالحكم الذاتي، تقف الجزائر أول المعارضين له، وكأنها طرف متضرر من السلام نفسه.

وهنا يطرح السؤال الساخر: منذ متى يعارض “المراقب” نهاية المباراة؟ مراقب يقطع العلاقات ويتوعد. ففي سنة 2021، قررت الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب، مبررة ذلك بأسباب مرتبطة مباشرة بملف الصحراء. خطوة سيادية ثقيلة لا تقدم عليها دولة محايدة، ولا يتخذها مراقب، بل طرف مأزوم يرى في النزاع امتدادا لصراعاته الداخلية والخارجية.

المراقب عادة يكتب تقريرا… لا يقطع العلاقات. مراقب له ذاكرة قصيرة. والتاريخ، للأسف بالنسبة للجزائر، لا يعترف بالنسيان الانتقائي. معارك أمغالا، وأسر الجنود الجزائريين، والمواجهات المباشرة مع القوات المسلحة الملكية، ليست إشاعات مغربية ولا روايات فولكلورية، بل وقائع موثقة.فهل كان (المراقب) آنذاك يحمل منظارا أم بندقية؟

وإذا كانت الجزائر مجرد شاهد محايد، فلماذا ترفض إلى اليوم إحصاء سكان مخيمات تيندوف؟، و لماذا تتحكم في حركة السكان، وتمنع المفوضية السامية من أداء مهامها؟. فالمراقب لا يحتجز البشر، ولا يدير المخيمات، ولا يخشى الأرقام.

سياسة الهروب إلى صفة وهمية

الحقيقة البسيطة التي يحاول الخطاب الجزائري الهروب منها، هي أن صفة (المراقب) ليست موقفا قانونيا، بل مخرج لغوي لتفادي الاعتراف بالفشل.فشل مشروع الانفصال، فشل فرض كيان وهمي، وفشل محاولة عزل المغرب دبلوماسيا.

لهذا، تحاول الجزائر اليوم الجلوس في المنطقة الرمادية،ليست طرفا حين تُسأل عن الحل، وتصبح طرفا حين تُعرقل الحل. أي عاقل يدرك أن المراقب يشاهد من بعيد، وأن من يموّل،يسلّح، يحتضن، يعارض، يقطع العلاقات، ويعطّل الاتحاد المغاربي. فهو ليس مراقبا، بل الطرف الحقيقي الذي يرتدي قناع الحياد.

والسياسة، مثل التاريخ، لا ترحم الأقنعة حين تسقط. وعندها يصبح المراقب هو المتهم الأول. في كل مرة يخرج فيها النظام الجزائري لينفي صفته كطرف، يضيف دليلاً جديدًا على كونه الطرف الأثقل حضورًا. فالمراقب، في المنطق السليم، لا يُصاب بالهستيريا كلما اقترب الحل، ولا يشن حملات هستيرية كلما حقق المغرب اختراقًا دبلوماسيًا أو اقتصاديًا.

لكن الجزائر، كلما ضاق الخناق على أطروحتها، اتسعت بلاغاتها، وارتفع منسوب الصراخ، وكأنها تقول للعالم: لسنا طرفًا… لكن دعونا نصرخ أكثر حتى تصدقوا.

المفهوم الجديد للرقابة التبونية

منذ اعتلائه كرسي الرئاسة، لم يترك عبد المجيد تبون مناسبة داخلية أو خارجية، دون أن يزج بملف الصحراء في خطاباته، حتى في لقاءات كان يفترض أن تكون اقتصادية أو اجتماعية.

الرجل يتحدث عن المغرب أكثر مما يتحدث عن التضخم، والبطالة، وطوابير الحليب، وهجرة الشباب. وملف الصحراء المغربية حاضر في أجندته السياسية مع أنظمة طل دول العالم. ثارة بالابتزاز أو المساومة وثارة بالاستعطاف أو المقايضة.

وهنا المفارقة الساخرة، رئيس يدعي أنه غير معني بنزاع، لكنه أكثر من يصرخ ويترافع بشأنه. أي مراقب هذا الذي يحوّل كل خطاب رئاسي إلى بيان حرب باردة؟.
دبلوماسية مجهولة إعلام بلا كرامة

وزارة الخارجية الجزائرية لا تتكلم، بل تتسلل، لا تصدر مواقف واضحة، بل تكتفي دائمًا بـ(مصدر رسمي) مجهول، كأن الدولة تخجل من مواقفها، أو تخشى توقيعها.

بلاغات تُكتب بنبرة عدائية، مليئة بالتهديد والاتهام، ثم تُختم بجملة: الجزائر ليست طرفًا.دبلوماسية تريد أن تضرب، دون أن تُحاسب، وأن تشتم، دون أن تُسمّى.

والإعلام العمومي الجزائري تحوّل إلى نشرة يومية للهجوم على المغرب.لا اقتصاد، لا ثقافة، لا تحقيقات، لا أسئلة محرجة… فقط إعادة تدوير نفس الخطاب، من قبيل : المغرب عدو، المغرب خطر، المغرب يتآمر.. قنوات وصحف تعيش على رهاب المغرب، حتى صار الخبر الجيد الوحيد الذي تنتظره هو أي إشاعة سلبية عنه.

إعلام لا يخبر شعبه بالحقيقة، بل يحقنه بالكراهية، لأن الحقيقة أخطر على الأنظمة من الأكاذيب.

ذباب إلكتروني يقتات من ميزانية الشعب الجزائري
واحدة من أكثر صور السقوط فجاجة، هي جيش الذباب الإلكتروني الذي يُدار من غرف مظلمة، ويُصرف عليه من أموال الغاز والنفط.

حسابات وهمية، لغة سوقية، سبّ، شتم، تحريض، تشكيك في الاستقرار، ومحاولات بائسة لضرب صورة المغرب واقتصاده. دولة عاجزة عن تنويع اقتصادها، لكنها متخصصة في تمويل الكراهية الرقمية. إنه استثمار فاشل: لا يؤلم المغرب، لكنه يفضح الجزائر.

سياسة دولة مبنية على عقدة المغرب

النظام الجزائري لا يعادي المغرب لأنه مختلف، بل لأنه ناجح. نجاح دبلوماسي، استقرار سياسي، مشاريع اقتصادية، شراكات دولية، ثقة مؤسساتية.كل ما يفتقده النظام العسكري، يراه أمامه في التجربة المغربية، فيحوّل غيرته إلى عداء، وفشله إلى مؤامرة، وعجزه إلى خطاب تهديد.

نظام عسكري يحارب الخارج ليهرب من الداخل.كلما اشتد الضغط الاجتماعي داخل الجزائر، ارتفعت نبرة العداء للمغرب.كلما فشل النظام في تلبية مطالب شعبه، اخترع عدوا خارجيًا. إنها وصفة قديمة، سياسة الهروب إلى الأمام، وتصدير الأزمة، وتخدير الداخل بمعركة وهمية.

المغرب: دولة تبني… والجزائر: نظام يعطّل

بين بلد يستثمر في الاستقرار، وآخر يستثمر في النزاعات، تتضح الصورة بلا خطب ولا بلاغات.المغرب يطرح حلولًا، والجزائر تطرح شروطًا.المغرب يتقدم، والجزائر تراقب، لكنها تراقب بمنظار الوهم والحقد والكراهية. من يترافع باسم (جبهة الوهم) داخل الاتحاد الإفريقي ليس كيانًا بلا صوت، بل دولة كاملة الأركان، ببعثاتها وسفرائها وميزانياتها.

فالجبهة لا تملك بعثات دبلوماسية، ولا شبكة علاقات، ولا قدرة على الحضور المؤسسي، لولا أن الجزائر تحمل الملف وتدفع به وتتكلم باسمه، كمن يترافع عن قاصر سياسي لا يملك حتى حق التوقيع.

من يتحدث داخل أروقة مجلس الأمن؟، فداخل مجلس الأمن، لا تُسمع لغة الخيام، بل لغة الدول. ومن يتقدم بالمذكرات، ويجري الاتصالات، ويضغط على العواصم، ويعترض على الصياغات، ليس (لاجئًا)، بل نظام يملك سفارات وجوازات دبلوماسية. لو كانت الجبهة كيانًا قائمًا بذاته، لسمع العالم صوتها مباشرة. لكن ما نسمعه دائمًا هو الصوت الجزائري بلكنة الإنكار.

من يصرف أموال الغاز والنفط لشراء المواقف؟، من يموّل الأنظمة الهشة، ويغدق الهبات على جمهوريات الفشل، ويدفع مقابل بيانات دعم جاهزة، ليس (مراقبًا)، بل مستثمرًا في الوهم..

أموال الشعب الجزائري لا تُصرف على التعليم أو الصحة بقدر ما تُضخ في شراء ذمم سياسية، تمويل حملات ضغط، الحفاظ على حياة اصطناعية لكيان بلا مقومات. إنها دبلوماسية العصابات والقراصنة، حين تفشل دبلوماسية الحجة.

من يوظف (عصابات) بجلابيب حقوقية وإعلامية؟.حين تعجز الدولة عن إقناع العالم، تلجأ إلى استئجار الضمير المزيف.تفريخ منظمات حقوقية ، و منابر صحفية، صحفيون ومعلقون رياضيون يتحولون إلى خبراء نزاعات ، تقارير تُفصَّل حسب الطلب، وملفات تُكتب بالحبر النفطي. شبكة مدفوعة الأجر، كلها تتحرك في الاتجاه نفسه، وتكرر الجمل نفسها، وتهاجم الجهة نفسها.. المملكة المغربية…

أي كيان في العالم يختار قياداته بنفسه، إلا (جبهة الوهم)، حيث يتم التعيين لا الانتخاب، والاختيار لا التداول، والشرعية لا تُسأل. القادة يُنصَّبون في كواليس المخابرات، ويُستبدلون ببلاغ، ويُقدَّمون للعالم كـ(ممثلين شرعيين)، بينما لا يمثلون سوى الجهة التي صنعتهم. من يمنع الإحصاء داخل مخيمات تندوف؟

ومن يخاف من الأرقام؟ . لو كان الكيان حقيقيًا، لرحّب بالإحصاء. ولو كانت الجزائر غير معنية، لما عرقلت المفوضية السامية، ولا خافت من كشف الأعداد، ولا من مصير المساعدات. جبهة الوهم ليست سوى واجهة كرتونية لنظام عسكري فشل في بناء شرعية داخلية، فاختار افتعال عدو خارجي . ودفع ثمن ذلك من جيوب شعبه، ومن مستقبل منطقته، ومن سمعته أمام التاريخ.

في عالم السياسة، الكلمات ليست بريئة، وبعضها يُستعمل لا للتوصيف بل للتبرير، لا للتفسير بل للهروب. ومن أكثر الكلمات التي أُسيء استعمالها في قاموس (العالم الآخر)، كلمة (مراقب)؛ تلك المفردة التي كانت تعني الحياد، فأصبحت تعني كل شيء… إلا الحياد. لقد بدأ (العالم الآخر) في توظيف صفة المراقب لتبرير ما لا يمكن تبريره، ولتجميل أدوار فاضحة لا تستقيم مع العقل ولا مع القانون الدولي.

فالمراقب، في المنطق السليم، لا يموّل النزاع، ولا يسلّح أحد أطرافه، ولا يترافع باسمه، ولا يقطع العلاقات بسببِه، ولا يعبّئ الإعلام والذباب الإلكتروني دفاعًا عنه. أما في النسخة التي تُسوَّق اليوم، فالمراقب هو من يفعل كل ذلك. ثم يطلب من العالم أن يصدّق أنه كان فقط يشاهد.إنها ليست زلة لغوية، بل حيلة سياسية، قناع يُلبس عند الحاجة، ويُنزَع حين تُفتح الكواليس.

وحين تُستعمل الكلمات لتغطية الأفعال، يصبح سقوط الخطاب مقدمة لسقوط الرواية بأكملها. من هنا، لا تعود مسألة (المراقب) مجرد توصيف تقني، بل تتحول إلى سؤال أخلاقي وسياسي : هل يمكن لمن يصنع النزاع، ويموّله، ويديره، أن يدّعي الوقوف خارجه؟

فهل سيفلح (العالم الآخر) في تغيير مفهوم كلمة «مراقب» داخل قاموس اللغة العربية، كما حاول من قبل وفشل في تغيير معنى الشرعية، والشعب، والتحرير، وتقرير المصير؟.
أم أن اللغة العربية، بتاريخها وعمقها وذاكرتها، أقوى من أن تُغتصَب دلاليًا، وأصلب من أن تخضع لبلاغات عابرة صادرة عن أنظمة مأزومة؟

اللغة العربية ليست بيانًا دبلوماسيًا يُعدَّل في آخر لحظة، ولا تصريحًا رسميًا يُنسَب إلى مصدر مطلع، ولا نشرة أخبار موجهة، تُفصَّل على مقاس السلطة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى