الثقافة

“موجة جديدة” في أكادير: كودار…كحكاية سينمائية

  • محمد بكريم//

“المخرج الذي يرى ولا يُرى”

الفيلم (يعرض هذه الجمعة بأكادير بسينما الصحراء) لا ينتمي لجنس السيرة ذاتية (بيوبيك)، بل هو “خيال سينمائي” يسترجع محطة مفصلية في حياة المخرج الأسطورة ومرحلة تاريخية من تطور السينما حيث يقدم في صيغة روائية كواليس تصوير فيلم À bout de souffle (لحد النفس)، الفيلم التخييلي الأول للمخرج جان لوك كودار، باكورة أعماله التي دشن بها انتقاله من ناقد سينمائي بمجلة “دفاتر سينمائي إلى سينمائي سيطبع عصره. وفعلا يصور ريشار لينكلاتر كيف أحدث غودار ثورة في لغة السينما من خلال كسر القواعد التقليدية. بل ومساهمته مع بقية رفاقه في تطوير أساليب الإنتاج.

كنت اخترت فيلم لينكلاتر (رغم انني لست من قبيلة “الكوداريين”، يعجبني كمثقف اكثر منه كمخرج والذي انتهى بالنسبة الي بعد فيلم الثاني) من ضمن عشرة افلامي المفضلة لسنة 2025. وشكل لحظة متميزة خلال عرضه في احدى فقرات مهرجان مراكش في دورته الماضية. وكتبت آنذاك تدوينة حماسية لم تزدني مشاهداتي المتتالية للفيلم الا حماسا إضافيا يتغذى بما أكتشفه عند كل مشاهدة من بلاغة بصرية وثقافية في كتابة الفيلم. قلت حينها: “موجة جديدة (ريشار لينكلاتر – 2025) من التحف السينيفيلية. استرجاع سينمائي، بكل مقاييس هذه “اللغة”، لفترة مفصلية في تطور السينما مع ولوج / اقتحام كواليس تصوير فيلم “الى حد النفَس” -A bout de souffle, 1960. – شهادة ميلاد مخرج، جان ليك كودار (وتيار سينمائي مُجدد: الموجة الجديدة الفرنسية) …فيلم أجواء وإحالات، يؤسس لفرجة تمزج بين المتعة الفكرية ونوع من البهجة والسرور مع تداول أسماء ووضعيات شكلت الخلفية الثقافية لبزوغ سينيفيلية هي العنوان المدخل لفهم العالم”.

"موجة جديدة" في أكادير: كودار...كحكاية سينمائية - AgadirToday

يتيح التعامل مع غودار كشخصية خيالية للينكليتر تساؤلاً حول علاقتنا بالسينما اليوم. “من خلال تحويل غودار الى شخصية، يسألنا لينكلاتر عما إذا كانت جرأة عام 1959 لا تزال موجودة، أم أنها أصبحت الآن تنتمي فقط إلى عالم الحكايات السينمائية”. لا يبحث الفيلم عن الحقيقة التاريخية المطلقة، بل عن “الحقيقة العاطفية” لما مَثّله انفجار الموجة الجديدة، حيث يظهر غودار كبطل لملحمة فكرية وجمالية.

الفيلم انتقال من الأسطورة مقابل الرجل، يتعامل الفيلم مع غودار كشخصية روائية. نحن لا نشاهد فيلماً وثائقياً، بل إعادة اختراع لنشأة حركة فنية. إنه “غودار كما نتخيله”، نسخة خيالية تخدم قصة الثورة الفنية.

يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه “لينكلاتر” في تحويل “جان-لوك غودار” — الرجل الذي قضى حياته في تفكيك السرد والصورة — إلى “موضوع خيالي” الى شخصية في منظومة حكائية.

ومن عناصر نجاح هذا التحول الأداء او الكاستينغ عامة وفي مقدمته أداء الممثل غيوم ماركيه. الشخصية الأيقونة التي ستكون بمثابة رافعة المنظومة الفنية. لا يلعب ماركيه دور غودار، بل يجسد “ظله” أو “أيقونته” من خلال مجموعة من العناصر أبرزها تلك التي تسكن مخيلتنا وهي حضور الإكسسوارات كقناع: النظارات السوداء تخلق حاجزاً (المخرج الذي يرى ولا يُرى)، والسيجار يمثل إيقاع تفكيره المتعرج والغامض.

وهناك أيضا المجهود الكبير على مستوى الأداء الصوتي والجسدي: التقط ماركيه الصوت الرتيب واللكنة السويسرية الفرنسية، مما أعطى مسافة أرستقراطية لصوت “يروي حياته الخاصة”.

وأمام دسامة المادة الفيلمية وإحالاتها الثقافية الغنية سأختار التوقف عند مشهد معبر، سينيفيلي بامتياز. وذلك حين نشاهد كودار” الفيلمي” مع ممثليه الرئيسين (بلموندو وسيبيرك) وفي الخلفية ملصق الفيلم الأمريكي ” أصعب سيكون السقوط” (The Harder They Fall)- مارك روبسون – 1956.

انها لحظة تناص جميلة بصريا وبليغة من حيث الدلالة. هناك بداية الرابط الأسطوري: يُعرف غودار (التاريخي والخيالي) بهوسه بهامفري بوغارت (بطل الفيلم الأمريكي). في هذا المشهد، يضع لينكلاتر “غودار” (الممثل ماركيه) في مواجهة أيقونته. المشهد يجسد فكرة أن غودار “اخترع” نفسه كشخصية من خلال إعجابه بالسينما الأمريكية. كل ذلك في تركيبة سينمائية غنية ملخصها أو عنوانها لعبة “المفارقة”: لينكلاتر (المخرج الواقعي) يصور “غودار الخيالي” وهو يصور “بلموندو الخيالي” الذي يقلد “بوغارت الأسطوري”. هذه الطبقات المتعددة من التخييل تحول غودار إلى “خيميائي” يحول ملصقاً ورقياً في الخلفية إلى ثورة فنية حية.

ينجح لينكلاتر في تحويل غودار إلى همزة وصل بين زمنين. الملصق ليس مجرد إشارة إلى السينما الكلاسيكية، بل هو ‘تنبؤ خيالي’ لمصير الثورة التي يقودها غودار. من خلال وضع غودار في هذا الإطار، يُظهره لينكلاتر كشخصية لا تتنفس الهواء، بل تتنفس السينما؛ حيث تتحول حواراته مع الممثلين من تعليمات إخراجية إلى “بيان”‘ لوجوده كبطل في روايته الخاصة، وكأنه يستمد قوته الدرامية مباشرة من عيني هامفري بوغارت المعلقة خلفه.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى