الجهة اليوم

موت جماعي لأشجار أركان… كارثة بيئية صامتة نواحي أكادير تهدد رئة سوس ماسة

  • أكادير : إبراهيم فاضل//

لم تعد غابة أزراراك وجبال كسيمة مسكينة، الواقعة ضمن النفوذ الترابي لإقليم أكادير إداوتنان بجهة سوس ماسة، تلك الصورة الخضراء الوارفة التي ارتبطت في الذاكرة الجماعية بخصوبة الأرض وصمود الإنسان، بل تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى مشهد بيئي صادم يوثّق موتاً جماعياً متدرجاً لمئات من أشجار الأركان، في صمت يبعث على القلق ويُنذر بتداعيات بيئية واقتصادية واجتماعية خطيرة.
وعبر قرون موغلة في التاريخ، شكّلت شجرة أركان إحدى أهم الثروات الطبيعية بالمغرب، بل استثناءً بيئياً فريداً على الصعيدين القاري والدولي، باعتبار أن هذا الصنف النباتي لا ينتشر بكثافة إلا داخل المجال البيئي المغربي، خصوصاً بسوس ماسة والحوز. ولم تكن الأركان مجرد شجرة، بل مكوّناً هوياتياً وثقافياً حاضراً في الأدب الشفهي، والأغنية الأمازيغية، والعادات اليومية، إلى جانب دورها الحيوي في تحقيق التوازن البيئي ومقاومة التصحر.
كما ألهمت هذه الشجرة الصامدة مبادرات مدنية وثقافية عديدة، من مهرجانات فنية وندوات علمية، وجعلت منها محوراً لبرامج تنموية محلية، خاصة عبر التعاونيات النسوية التي اعتمدت على زيت الأركان كمورد اقتصادي أساسي، تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى مادة استراتيجية مطلوبة عالمياً في مجالات التجميل والصناعة الغذائية والطب البديل.

موت جماعي لأشجار أركان… كارثة بيئية صامتة نواحي أكادير تهدد رئة سوس ماسة - AgadirToday
غير أن هذه الصورة المشرقة بدأت تتلاشى بشكل مقلق. فخلال الأسابيع الأخيرة، وعلى هامش التساقطات المطرية التي شهدتها المنطقة، تحوّلت الغابات المحيطة بأكادير إلى وجهة مفضلة للأسر الباحثة عن متنفس طبيعي، لكن المفاجأة كانت صادمة. إذ عاين زوار ومواطنون بأعينهم أعداداً هائلة من أشجار الأركان وهي في حالة صحية متدهورة، أو في طور الموت البطيء، على امتداد مناطق واسعة تشمل أزراراك، دوار يفرخس، تيماشيوين، تيمسال، تالوغاشت، تبضكوكت، امالو ، ايت أحمد، والعدين من الأماكن الواقعة ضمن المجال الترابي لجماعتي الدراركة وأمسكروض.
وتشير المعاينات الميدانية وشهادات متطابقة إلى أن عدداً كبيراً من أشجار الأركان أصيب بأمراض فتاكة، من بينها مرض تعفّن القلف ” Canker” وأنواع أخرى من التعفنات الفطرية، التي تتجلى أعراضها في اسوداد الجذوع، وانتفاخ القشرة، ثم انفصالها عن الجذع، مع توقف سريان النسغ داخل الشجرة، ما يؤدي في النهاية إلى موتها التدريجي. وهي أعراض باتت تتكرر بشكل لافت، رغم التساقطات المطرية الأخيرة، ما يعزز فرضية وجود خلل بنيوي أو وبائي يتطلب تدخلاً علمياً عاجلاً.
و أمام هذا الوضع المقلق، تتعالى تساؤلات الرأي العام المحلي بمرارة: أين دور جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالبيئة؟ وأين هي المصالح المكلفة بحماية شجرة اركان و الملك الغابوي ومراقبة صحة الغابات؟ ولماذا هذا الصمت أمام كارثة بيئية تتفاقم يوماً بعد يوم دون أي بلاغ رسمي أو تدخل ميداني واضح؟
إن ما يجري اليوم في غابات الأركان نواحي أكادير لا يمكن اعتباره حادثاً عابراً أو ظرفياً، بل ناقوس خطر حقيقي يستوجب إطلاق دراسات علمية عاجلة لتحديد الأسباب الدقيقة لهذا الموت الجماعي، سواء تعلق الأمر بأمراض فطرية، أو بتغيرات مناخية، أو بممارسات بشرية غير مستدامة، من قبيل الرعي الجائر، والاستغلال العشوائي، وغياب المراقبة الغابوية الصارمة.
كما تفرض خطورة الوضع اتخاذ إجراءات استعجالية، من بينها عزل بؤر العدوى، ووضع برنامج وطني أو جهوي لحماية ما تبقى من غابة الأركان، وتعزيز حضور أعوان المياه والغابات، إلى جانب إشراك الباحثين المختصين، والجامعات، والساكنة المحلية في مقاربة تشاركية تضمن حماية هذا التراث الطبيعي الفريد.
إن التأخر في التدخل اليوم، أو الاكتفاء بالصمت، لن يكون سوى مشاركة غير مباشرة في جريمة بيئية صامتة، ثمنها شجرة الأركان، ورئة سوس ماسة، وحق الأجيال القادمة في أرض حية ومتوازنة. فأركان ليست مجرد شجرة تموت، بل منظومة بيئية وهوية جماعية في طريقها إلى الاندثار إن استمر هذا الإهمال.
أكادير: إبراهيم فاضل.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى