
من الصحافي المناضل إلى الصحافي المقاول: تحولات النموذج المهني في الصحافة المغربية
شهدت الصحافة المغربية، منذ بواكير القرن العشرين إلى اليوم، تحولات عميقة مست بنيتها ووظائفها وأنماط اشتغالها، وانتقلت من نموذج “الصحافي المناضل” المرتبط عضويا بالحركة الوطنية والأحزاب السياسية، إلى نموذج “الصحافي المقاول” الذي يتحرك ضمن منطق السوق واقتصاد الإعلام. هذا التحول لم يكن تقنيا فحسب، بل كان تحولا في المرجعية والوظيفة والتموقع داخل الحقل السياسي والاجتماعي.
1. الصحافة الحزبية: الامتداد الطبيعي للفعل النضالي
في مرحلة ما قبل الاستقلال وخلال العقود الأولى التي تلته، ارتبطت الصحافة المغربية ارتباطا وثيقا بالفعل السياسي والنضالي. كانت الجرائد، في أغلبها، لسان حال الأحزاب والحركات الوطنية، تؤدي وظيفة التعبئة والتأطير وتشكيل الرأي العام في سياق مواجهة الاستعمار ثم في سياق بناء الدولة الوطنية.
صحف مثل العلم (حزب الاستقلال) والمحرر والاتحاد الاشتراكي (الاتحاد الوطني/الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) لم تكن مجرد منابر إخبارية، بل كانت أدوات صراع سياسي وإيديولوجي. الصحافي في هذا السياق لم يكن “مهنيا” بالمعنى التقني الحديث بقدر ما كان “مناضلا”؛ ينتمي تنظيميا إلى الحزب، ويتبنى خطه التحريري دون مسافة نقدية كبيرة.
خصائص هذا النموذج يمكن تلخيصها في:
- أولوية الرأي والتحليل على الخبر المحايد؛
- التموقع الصريح داخل الاستقطاب السياسي؛
- ضعف البعد المقاولاتي وغياب الاستقلال المالي؛
- مركزية الوظيفة التعبوية.
كانت “صحافة الرأي” هي المهيمنة، حيث يشكل الافتتاحي والمقال السياسي العمود الفقري للعدد، بينما يحضر الخبر بوصفه مادة مساندة للرؤية الإيديولوجية.
2. أزمة الصحافة الحزبية وتآكل النموذج النضالي
ابتداء من نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بدأت الصحافة الحزبية تدخل مرحلة تراجع تدريجي. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل:
- تحول المشهد السياسي مع بداية الانفراج النسبي في المجال العام وظهور تعددية حزبية أوسع.
- تراجع القاعدة الاجتماعية للأحزاب التقليدية وضعف قدرتها على تمويل منابرها.
- صعود جيل جديد من الصحافيين غير المنتمين تنظيميا، وأكثر ميلا إلى المهنية التقنية.
- تحول اهتمام القراء نحو الخبر السريع والمعلومة الدقيقة بدل الخطاب الإيديولوجي المطول.
أمام هذا التحول، فقدت الصحف الحزبية جزءا مهما من جمهورها، وأصبحت عاجزة عن مجاراة إيقاع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
3. بروز الصحافة المستقلة: من الرأي إلى الخبر
في التسعينيات، خاصة مع حكومة التناوب (1998)، برزت موجة جديدة من الصحف التي قدمت نفسها بوصفها “مستقلة”. ظهرت عناوين مثل لوجورنال، الصحيفة، المساء، الأحداث المغربية وغيرها، مع اختلافات في الخط التحريري، لكنها تشترك في الابتعاد عن الارتباط التنظيمي المباشر بالأحزاب.
هنا بدأ التحول من “صحافة الرأي” إلى “صحافة الخبر”، حيث:
- أصبح الخبر والتحقيق والاستقصاء في صدارة الاهتمام؛
- برزت المهنية بمعناها التقني (السبق، التحقق، التوازن)؛
- تطورت أشكال الإخراج والطباعة والتسويق؛
- دخل الإعلان كمورد أساسي في تمويل المؤسسة الصحافية.
في هذا السياق، تغيرت هوية الصحافي: لم يعد مناضلا حزبيا، بل أصبح فاعلا مهنيا داخل مؤسسة لها هيكل إداري وتجاري واضح.
4. صعود الصحافي المقاول: من الرسالة إلى المشروع
مع الألفية الثالثة، تعمق التحول نحو منطق المقاولة الإعلامية. تأسست شركات إعلامية خاصة، بعضها مملوك لصحافيين أنفسهم، وبعضها لمستثمرين دخلوا القطاع باعتباره مجالا اقتصاديا.
الصحافي المقاول هو ذاك الذي:
- يؤسس منبرا إعلاميا ويديره بمنطق المشروع؛
- يجمع بين التحرير والتسيير والتسويق؛
- يتحرك داخل سوق تنافسية تعتمد على الإعلانات والدعم العمومي؛
- يراهن على العلامة التجارية (Brand) أكثر من الرمز النضالي.
هذا التحول ترافق مع صدور قوانين جديدة للصحافة والنشر، وتأسيس المجلس الوطني للصحافة، وإعادة تنظيم الدعم العمومي، ما جعل الحقل الإعلامي أكثر تقنينا، لكنه أيضا أكثر خضوعا لمنطق السوق.
5. الصحافة الرقمية وتسريع التحول
جاءت الثورة الرقمية لتسرّع هذا الانتقال. فمع انتشار المواقع الإخبارية منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ظهر نموذج جديد: مقاولات إعلامية صغيرة، بتكلفة أقل، وإيقاع أسرع، وجمهور أوسع.
الصحافي هنا قد يكون:
- مؤسسا لموقع إلكتروني؛
- مديرا لمقاولة إعلامية رقمية؛
- صانعا للمحتوى متعدد الوسائط؛
- فاعلا داخل اقتصاد المنصات (إشهار رقمي، شبكات اجتماعية).
غير أن هذا النموذج يطرح تحديات كبرى: هشاشة التمويل، ضغط السرعة على حساب الجودة، وتداخل الحدود بين الصحافة والمحتوى الدعائي.
6. بين النموذجين: سؤال الاستقلالية والمعنى
الانتقال من الصحافي المناضل إلى الصحافي المقاول لم يكن انتقالا خطيا ولا كاملا. فما زالت بعض المنابر الحزبية قائمة، كما أن بعض الصحافيين المستقلين يمارسون دورا نقديا يشبه روح النضال، وإن خارج الإطار الحزبي.
لكن السؤال المركزي اليوم هو:
هل عزز منطق المقاولة استقلالية الصحافة أم جعلها أكثر ارتهانا للسوق والمعلنين؟
إذا كان النموذج النضالي يعاني من التبعية الحزبية، فإن النموذج المقاولاتي قد يعاني من التبعية الاقتصادية. وبين التبعية السياسية والتبعية السوقية، تظل الصحافة المغربية مطالبة بإعادة تعريف موقعها بوصفها سلطة رابعة، لا مجرد أداة تعبئة ولا مجرد مشروع تجاري.
خاتمة
إن تاريخ الصحافة المغربية هو تاريخ انتقال من خطاب الرسالة إلى منطق المشروع، ومن الصحافي المنتمي حزبيا إلى الصحافي الفاعل داخل مقاولة إعلامية. هذا التحول يعكس تحولات أوسع في الدولة والمجتمع والاقتصاد.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير النموذج التنظيمي، بل في ترسيخ أخلاقيات المهنة، وضمان استقلالية التحرير، وبناء مؤسسات إعلامية قادرة على التوفيق بين الاستدامة الاقتصادية والوظيفة الديمقراطية.
فالصحافة، مهما تغيرت أشكالها، تظل فضاء لإنتاج المعنى وصناعة الرأي العام. وبين النضال والمقاولة، يبقى التحدي هو الحفاظ على جوهرها: خدمة الحقيقة والمجتمع.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



