الثقافة

“الگرداي”: أو مرثية الخشبة..

  • بقلم الفنان المسرحي: بشير ارگي //

في إطار برنامج توطين الفرق المسرحية المدعوم من وزارة الثقافة والاتصال .. قطاع الثقافة، قدمت فرقة روافد للمسرح الاحترافي من مدينة الداخلة عرضها المسرحي “الگرادي”، النص للكاتب المغربي علي الداه، برؤية إخراجية للفنان حسن بديدة، وتشخيص متميز لكل من محمد سيموكا أوراغ، سيدي أحمد شگاف، وإبراهيم غليل. عرض مسرحي ينتمي إلى ذلك اللون الذي يلامس جوهر المسرح نفسه، ويعيد مساءلة علاقة الفنان بزمنه، وبمصيره حين تتبدل الأضواء وتتغير المواقع.
منذ اللحظة الأولى، يختار العرض أن يفتح فضاءه الدلالي عبر كتابة سينوغرافية مشحونة بالرمز والإيحاء. بقعة ضوء وحيدة تخترق عتمة الخشبة، مركزة على “بوكس” الحراسة، كأنه صندوق ذاكرة لا صندوق أدوات. إنارة باهتة تستدعي حزن المكان، وتمنح الفضاء نبرة جنائزية هادئة، حيث يبدو المسرح نفسه ككائن يشيخ بصمت. حين يفتح الحارس الستيني صندوقه، تنسكب منه صور قديمة معلقة بعشوائية محسوبة، وأغراض بسيطة تروي سيرة رجل تقاسمت حياته الخشبة والهامش. أما المائدة الصغيرة والكرسي الموضوعان على يمين الركح، فيبدوان كعلامة على انتظار طويل، انتظار لم ينجح الزمن في إلغائه، بل حوله إلى طقس يومي.

"الگرداي": أو مرثية الخشبة.. - AgadirToday
ينطلق العرض بصمت كثيف، صمت يكاد يتحول إلى شخصية قائمة بذاتها، قبل أن يتسلل صوت راديو صغير ينبعث منه لحن مغربي قديم، ليؤكد أن الليل ليس مجرد زمن مسرحي، بل حالة نفسية يعيشها الحارس، حيث تتقاطع العزلة مع استعادة الذكريات.
يبني العرض مادته الدرامية على كولاج نصي ذكي يجمع بين “حارس المسرح” للكاتب السعودي عباس الحايك و*”أغنية البجع”* لأنطوان تشيخوف، وهو تزاوج نصي منح العرض عمقًا فلسفيًا وإنسانيًا، حيث يلتقي سؤال الفن بالزمن، ويتقاطع مصير الممثل مع قدر الانطفاء التدريجي. هذا الاشتغال النصي لم يأتِ مجرد اقتباس، بل إعادة كتابة مسرحية تتماهى فيها النصوص لتخدم رؤية إخراجية موحدة.
يتصاعد الخط الدرامي مع دخول ممثل شاب، خريج معهد الفنون، يحمل ملفه الفني وأوراقه الثبوتية، في مشهد يعكس صدام الأجيال بين حماس البداية ومرارة النهاية. الحوار بين الشاب والحارس لا يشتغل على مستوى الواقعة فقط، بل يفتح أفقًا تأمليًا حول سؤال الشرعية الفنية، بين اعتراف المؤسسات وحقيقة التجربة الحياتية. حين يوجه الحارس الشاب إلى مدير المسرح في النهار، يبدو وكأنه يوجهه نحو زمن آخر، زمن لا ينتمي إليه الحارس نفسه.
تبلغ المسرحية ذروتها مع ظهور الشخصية الثالثة، تلك الشخصية “الحشرية” التي تتخذ طابعًا مراوغًا بين الحقيقة والوهم. من خلالها تنكشف سيرة الحارس، الذي لم يكن مجرد موظف ليلي، بل ممثلًا كبيرًا تقمص أدوارًا خالدة مثل تاجر البندقية والملك لير. هنا تتجلى قوة الكتابة الدرامية التي تجعل الماضي بطلاً خفيًا للعرض. حين يوهمه هذا الشخص بأنه صحفي سيعيده إلى الساحة بمقال يعيد له مجده، يتجسد الوهم كآخر ملاذ للفنان حين يتخلى عنه الواقع.
رؤية حسن بديدة الإخراجية اشتغلت على اقتصاد بصري شديد الدقة، حيث تحولت الإضاءة إلى لغة سردية موازية للنص، تتغير درجاتها لتعكس تحولات الحالة النفسية للشخصيات. كما اعتمد الإخراج على الإيقاع البطيء المقصود، الذي يسمح للمتلقي بالغوص في الطبقات الداخلية للشخصية، بعيدًا عن الاستعراض الحركي الزائد، مع تركيز واضح على قوة الأداء التمثيلي.
في مستوى التشخيص، قدم سيدي احمد شگاف أداءً عميق الحساسية، نجح من خلاله في رسم شخصية الحارس بوصفه إنسانًا يعيش بين انكسار الحاضر وجلال الماضي. أداؤه اتسم باقتصاد حركي معبر، جعل من الصمت أداة تعبيرية تضاهي الحوار. كما شكل حضور الفنان محمد سيموكا وإبراهيم غليل دعامة درامية متوازنة، حيث أضفى كل منهما على الشخصية التي جسدها بعدًا إنسانيًا ساهم في إثراء البناء الدرامي للعرض.
“الكرداي” ليس مجرد عرض عن حارس مسرح، بل هو تأمل جمالي في مصير الفنان، وفي العلاقة الملتبسة بين المجد والنسيان، وبين الضوء الذي يصنع النجوم والعتمة التي تحفظ أسرارهم. عرض يذكرنا بأن المسرح، حتى في لحظات وحدته، يظل فضاءً للبوح الإنساني، وأن الفنان، مهما انطفأت حوله الأضواء، يظل حارسًا لوهج الحلم

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى