
فيضانات بنسليمان: حين تستعيد الأرض ذاكرتها ويكشف الماء أعطاب التعمير
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
عرفت مدينة بنسليمان خلال التساقطات المطرية الأخيرة وضعًا مقلقًا، بعدما غمرت المياه أجزاء من أحياء سكنية، وخصوصا حي شمس المدينة وتدفقت نحو الحي الإداري لتغمر مقرات مؤسسات عمومية يفترض فيها أن تكون محصّنة تقنيًا. لم يكن المشهد وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من اختلالات التخطيط، وتأخر مشاريع الحماية، وتجاهل ذاكرة الأرض.
حي شمس المدينة… حين لا تنسى الأرض وظيفتها
لفهم ما جرى بحي شمس المدينة، لا بد من العودة إلى أصل الأرض. فهذا الحي أُنجز فوق أجزاء مُقتطعة من مساحة غولف بنسليمان، ويمتد في عمقه إلى ما كان يُعرف محليًا بـضاية بوبو؛ بركة مائية طبيعية راسخة في الذاكرة الجماعية للسكان الأصليين.
ولم تكن هذه الضاية مجرد مجال مائي، بل كانت أيضًا فضاءً اجتماعيًا مفتوحًا، يلجأ إليه الشباب لممارسة الرياضة في الهواء الطلق، أو للجلوس والمراجعة والتحضير للدروس بعيدًا عن صخب المدينة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى وعاء عمراني.
وتحمل الذاكرة المحلية كذلك صفحات أليمة، إذ ارتبطت الضاية بحوادث غرق مأساوية فقدت فيها بعض الأسر أبناءها، ما جعلها مكانًا حاضرًا في الوجدان الجماعي بحمولته الإنسانية والاجتماعية. واستحضار هذه الوقائع ليس من باب الحنين أو العاطفة، بل تأكيدًا لحقيقة عمرانية ثابتة: الأرض تحتفظ بوظيفتها الطبيعية، والماء حين يُمنع من مساره، لا يختفي، بل يعود بأشكال أخرى.
تجزئات عند الأطراف… حين يُحوَّل مجرى الماء قسرًا
لا يتوقف سبب الفيضانات عند حي شمس المدينة وحده، بل يتعزز بما عرفته أطراف مدينة بنسليمان من إنجاز تجزئات سكنية لم تحترم تصاميم التهيئة والبناء، أو أُقيمت أجزاء منها فوق ضايات ومناطق رطبة، في خرق واضح لقواعد التعمير ومقتضيات السلامة الهيدرولوجية.
هذه التجاوزات لم تكن دائمًا معزولة أو فردية، بل جرت حسب ما هو متداول محليًا ومؤكد إداريًا، في سياق تواطؤات ومسؤوليات متداخلة، أدت إلى تحويل قسري لمجاري مياه الأمطار، وجعلها تتجه بقوة نحو الحي الإداري، حيث غمرت مقرات عمومية حساسة، من بينها الأمن الوطني، المحافظة العقارية، محكمة الأسرة، ملحقة الغرفة الفلاحية والوقاية المدنية …
وقد ترتب عن هذه الاختلالات في وقت سابق إعفاء مسؤولين بالوكالة الحضرية ببرشيد وبعمالة بنسليمان، في خطوة تعكس حجم الخلل وخطورته. ولا يزال لحسن بوكوتة، عامل الإقليم، يواصل البحث والتدقيق من أجل تحديد كامل المسؤوليات، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية، مع السعي في الآن نفسه إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه والحد من آثار قرارات عمرانية خاطئة تراكمت عبر السنوات.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن الفيضانات ليست فقط نتاج الطبيعة، بل أيضًا نتيجة مباشرة لسوء الحكامة في التعمير، وأن معالجة آثارها تظل ناقصة ما لم تُستكمل بمساءلة حقيقية تُنهي منطق الإفلات من المسؤولية. هنا تتقاطع مسؤوليات التعمير مع ضعف الحماية، وتتحول المؤسسات إلى نقاط هشاشة بدل أن تكون نقاط أمان.
المركز الثقافي .. بركة مائية لا تنفع معها الحلول الترقيعية
أما المركز الثقافي، فقد شُيّد فوق أرض بركة مائية معروفة، والكل كان على علم بذلك. وُضعت مضخات لشفط المياه منذ البداية، في اعتراف ضمني بخطورة الموقع، غير أنها غير مجدية أمام طبيعة الأرض المشبعة بالمياه والتي تعتبر مصبا لمياه الأمطار الجارية من محيطها العالي. فالمشكل بنيوي ومكاني، ولا يمكن لأي تجهيز ميكانيكي أن يعالج خطأً في اختيار الوعاء العقاري. والمركز يحتاج إلى دراسة جديدة لإيجاد الحلول والٱليات اللازمة مع ديمومة الصيانة.
المستشفى الإقليمي… منطقة رطبة وأعطاب مقلقة
وبالنسبة إلى المستشفى الإقليمي، فقد أُنجز بدوره في منطقة رطبة، تحيط البرك المائية. مع تسجيل تشققات وتصدعات، وشبكات صرف صحي عشوائية، بسبب البناء العشوائي الصيني، إذ يدخل ضمن مجموعة مستشفيات بنتها الصين في المغرب بطرق مستعجلة وغير آمنة. مما تسبب في روائح كريهة تؤرق الأطر والمرتفقين. وضع يثير قلقًا مشروعًا حول السلامة الإنشائية وجودة الإنجاز، ويحوّل كل موسم مطري إلى عامل خطر إضافي.
الوقاية المدنية… تدخل اضطراري لا يُخفي أصل الداء
أمام هذه الاختلالات، اضطرت عناصر الوقاية المدنية للتدخل داخل مؤسسات عمومية حديثة البناء لشفط المياه، في وقت كان يُفترض أن ينصبّ الجهد أساسًا على مساعدة الأسر المتضررة. مجهودات تُثمَّن، لكنها تكشف في العمق غياب الوقاية الاستباقية، وسوء ترتيب الأولويات حين تُترك الأسباب دون علاج . علما أنه واجب حماية وتهيئة وصيانة تلك المقرات العمومية يعود إلى القطاعات التابعة لها. وقبلها إلى اختيار الأراضي المناسبة لها، عوض بناءه فوق أراضي برك مائية أو أراضي غير مؤمنة المحيط.
مشروع حماية المدينة… التأخر الذي فجر غضبة عاملية
في أكتوبر 2025، وُقّعت اتفاقية شراكة لتهيئة جزء من شعبة الجمامرة في إطار حماية بنسليمان من الفيضانات، بغلاف مالي قدره 750 مليون سنتيم، وبمشاركة وزارة التجهيز والماء، ولاية جهة الدار البيضاء/سطات، عمالة إقليم بنسليمان، مجلس الجهة، مجلس الجماعة، ووكالة الحوض المائي.
المشروع يتضمن قنوات للحماية بطول يقارب 700 متر ومنشآت لتصريف مياه الأمطار بالخرسانة المسلحة، على أن يُنجز في أجل سنة. غير أن الأشغال لم تنطلق بعد، بسبب ربطها بتهيئة حديقة لالة مريم(المتعثرة بدورها)، وكذا السوق الحضري المجاور، ما فجّر غضبة عاملية مشروعة بسبب كلفة التأخير.
فيضانات بنسليمان ليست قضاءً وقدرًا. إنها نتيجة تراكم أخطاء بشرية في التعمير، وتأخر في تنفيذ مشاريع الحماية، وتجاهل لذاكرة المكان. الحل لا يكمن في مضخات إضافية، بل في قرارات شجاعة تُعيد الاعتبار للتخطيط السليم، وتُصالح التنمية مع طبيعة الأرض، وتربط المسؤولية بالمحاسبة. فالماء لا ينسى طريقه… حتى لو نُسيت الضايات
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



