المغرب اليوم

 النهضة في تدبير الموارد المائية وربط السدود طريق المغرب نحو الأمن المائي والتنمية المستدامة

  • إعداد: بدر شاشا//
كمغربي باحث في مجال البيئة ودينامية تدبير الموارد المائية، أجد نفسي اليوم أمام مسؤولية أخلاقية وعلمية تجاه وطننا الغالي، وأتوجه بهذه الرسالة المفتوحة إلى كل المسؤولين عن قطاع البيئة، والماء، والتجهيز، والفلاحة، وكل من له علاقة بتدبير الموارد الطبيعية في المغرب. إنها رسالة صادرة من قلب تجربة طويلة في مراقبة الواقع المائي والفلاحي، ومن خبرة تراكمية في فهم طبيعة الأرض والمناخ، ومن إيمان بأن مستقبل بلادنا يعتمد على حكمة تدبيرنا للمياه اليوم، قبل أن نفقد فرص الغد.
 
لسنوات طويلة، شهد المغرب اعتمادًا على استراتيجيات قديمة، غير متجددة، غير مبتكرة، تجعل الموارد المائية تتعرض للضياع، والمياه الغزيرة تضيع في البحر، والأراضي الزراعية تعاني من الجفاف في سنوات الأمطار الضعيفة. الفيضانات التي تأتي أحيانًا كنعمة من الله، تتحول إلى كارثة في غياب التخطيط الذكي، والمياه التي تمطر وتتدفق عبر الأنهار لا يتم تخزينها بشكل كافٍ، فتضيع على المغرب فرصة تحقيق أمنه المائي والزراعي والصناعي.
 
إن كل استراتيجية قديمة يجب أن تتغير الآن. يجب أن ننتقل من التخطيط التقليدي، الذي يقتصر على بناء السدود فقط، إلى نهضة جديدة في تدبير الموارد المائية، تعتمد على الابتكار والإبداع العلمي والهندسي. يجب أن يصبح الهدف الأساسي عدم ضياع قطرة ماء واحدة، وتحويل كل فيضان وكل مطر غزير إلى ثروة مستدامة تخدم كل المواطنين والأجيال القادمة.
 
أرى الحل في ربط السدود ببعضها البعض، وربط الأحواض المائية، وإنشاء قنوات تصريف ضخمة، وكبيرة، وقنوات سيّارة لنقل المياه من مناطق الفائض إلى مناطق الحاجة. هذا الربط لا يجب أن يكون فكرة نظرية فقط، بل يجب أن يتحول إلى خطة عملية، مدروسة، ومفصلة لكل جهة، ولكل إقليم، ولكل سد. تخيلوا معي، سد في أكادير ممتلئ بالماء وهناك فائض كبير، وسد في العيون يعاني من نقص المياه، يمكن حينها عبر قنوات ضخمة ومدروسة نقل الفائض من سد أكادير إلى سد العيون، لتأمين المياه للسكان وللزراعة والصناعة. هذه ليست فكرة خيالية، بل هي حل هندسي وإداري وعلمي قابل للتنفيذ فورًا.
 
كما يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية الكبرى تدبير قنوات تصريف مياه الأمطار بشكل متكامل، بحيث لا يضيع ماء الأمطار في الأراضي المنخفضة أو في البحر، بل يتم جمعه في خانات ضخمة وكبيرة، تخزن مياه الأراضي الزراعية والفلاحية وتوزعها حسب الحاجة. هذه القنوات يجب أن تكون قادرة على الربط بين السدود، وربط الأحواض النهرية، وربط المناطق الجافة بالمناطق الرطبة، وربط الجنوب بالشمال والشرق بالغرب، بما يضمن تدفق المياه بشكل مستمر ومنتظم وذكي.
 
إن تخطيط المياه بهذا الشكل يعني خلق نهضة حقيقية في تدبير الموارد المائية. لا يعود الأمر مجرد بناء سدود جديدة أو توسيع القنوات القديمة، بل يصبح لدينا شبكة وطنية مترابطة ومتكاملة، قادرة على مواجهة الجفاف والفيضانات في الوقت نفسه، قادرة على تطوير الزراعة، وحماية المواطن من الكوارث الطبيعية، وضمان الأمن الغذائي والصناعي، وتحويل المناطق الصحراوية والجافة إلى مناطق إنتاجية خصبة.
 
إن المغرب يمتلك كل الإمكانيات الطبيعية والتقنية لتحقيق هذه الرؤية: لدينا الأنهار والسدود والمياه الجوفية، ولدينا الخبرة العلمية والهندسية، ولدينا الإرادة الوطنية إذا ما تضافرت الجهود. كل ما نحتاجه هو الإرادة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والتنفيذ الفوري، والمراقبة الدقيقة، والابتكار في كل خطوة.
 
أدعو جميع المسؤولين عن البيئة والماء والفلاحة والتجهيز إلى تغيير كل الخطط القديمة، واستبدالها باستراتيجيات جديدة قائمة على الابتكار والإبداع والتفكير بعيد المدى. لا يجوز أن ننتظر سنوات أخرى لنجد أنفسنا أمام شح المياه والجفاف والفيضانات غير المستغلة. لا يجوز أن نترك مياه الأمطار والفيضانات تضيع في البحر بينما يمكن تخزينها واستخدامها لتطوير كل ربوع المغرب، من الشمال إلى الجنوب، ومن المدن الكبرى إلى أصغر القرى، وحتى المناطق الصحراوية البعيدة.
 
هذه الرسالة هي دعوة حقيقية لنهضة وطنية حقيقية في تدبير الموارد المائية وربط السدود وتخزين مياه الأمطار والفيضانات، واستثمار كل قطرة ماء بشكل ذكي ومستدام. إذا نجحنا في تطبيق هذه الاستراتيجية، سيكون المغرب نموذجًا عالميًا في الإدارة المائية، وسيحقق التنمية المستدامة والأمن الغذائي والمائي والصناعي، وسيضمن حياة كريمة لكل المواطنين.
 
الماء ليس مجرد عنصر للحياة، إنه رمز الذكاء الوطني، والابتكار، والإبداع، والاستغلال الأمثل للموارد، والحكمة البشرية المرتبطة بإرادة الله تعالى. ومن خلال هذه النهضة في تدبير الموارد المائية، يمكن أن نكتب فصلًا جديدًا في تاريخ المغرب، فصلًا من الإنجازات الكبرى، وفصلًا يضمن الأمان والازدهار لجميع المغاربة.
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى