
هلاوس السلطة في الجزائر: حين يتحوّل الوهم السياسي إلى عقيدة رسمية
- بقلم: حسن كرياط//
لم يعد الخطاب السياسي الصادر عن قصر المرادية مجرّد زلّات لسان أو مواقف ظرفية ناتجة عن ارتباك دبلوماسي عابر، بل أضحى تعبيرًا صريحًا عن حالة إنكار عميقة تعيشها السلطة الجزائرية، وعلى رأسها الرئيس عبد المجيد تبون، الذي بات يتعامل مع التحولات الجيوسياسية بمنطق الأوهام، لا بمنطق الدولة والمؤسسات.
ففي سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتسارع التحالفات وتتغير موازين القوة، تصرّ الجزائر الرسمية على إعادة إنتاج خطاب متخشّب، يقوم على العداء المرضي للمغرب، وتغذية سرديات متجاوزة لفظها الزمن، متناسية أن السياسة الخارجية لا تُدار بالشعارات ولا بالهروب إلى الأمام، بل بالقراءة الواقعية للمصالح الوطنية.
إن أخطر ما في الخطاب الجزائري الحالي، ليس فقط عداؤه المفتعل للمملكة المغربية، بل محاولته تسويق هذا العداء كقضية إجماع داخلي، في وقت يعرف فيه الداخل الجزائري احتقانًا اجتماعيًا واقتصاديًا صامتًا، تُخفيه السلطة خلف شماعة “العدو الخارجي”. وهي تقنية قديمة في أنظمة تعاني من أزمة شرعية، حيث يتحوّل الصراع الوهمي إلى وسيلة لإلهاء الشعوب عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالحكم، والتنمية، والعدالة الاجتماعية.
لقد اختارت الجزائر، منذ عقود، الاستثمار في نزاع إقليمي مفتعل بدل الاستثمار في بناء مغرب عربي قوي ومتكامل. واليوم، ومع تزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، واتساع دائرة الشراكات الاستراتيجية للمغرب مع قوى كبرى، تجد السلطة الجزائرية نفسها أمام مأزق تاريخي: إما مراجعة خياراتها السياسية، أو الاستمرار في سياسة العزلة والانغلاق.
المفارقة أن الجزائر، التي ترفع شعار “حق تقرير المصير”، تُغلق في المقابل كل منافذ التعبير الحقيقي داخل حدودها، وتضيق على الصحافة، وتكمم أفواه المعارضين، وتُحاكم النوايا بدل الأفعال. فكيف لمن يرفض حق شعبه في الاختلاف أن يدّعي الدفاع عن حقوق الشعوب الأخرى؟
إقليميًا، لم تعد مقاربة الجزائر مقنعة حتى لحلفائها التقليديين. فإفريقيا اليوم تتحرك بمنطق التنمية والاندماج الاقتصادي، لا بمنطق النزاعات الباردة. والمبادرات المغربية، سواء في مجال الأمن الغذائي، أو الطاقات المتجددة، أو الربط الأطلسي الإفريقي، تكشف بوضوح الفرق بين دولة تشتغل بعقل استراتيجي، وأخرى ما تزال أسيرة حسابات الحرب الباردة.
أما دوليًا، فإن العالم لم يعد ينظر إلى الخطابات العدائية كدليل قوة، بل كعلامة ضعف. والتموقع المغربي المتزن، القائم على الشراكات المتعددة، والدبلوماسية الهادئة، جعل من المملكة فاعلًا موثوقًا، في مقابل خطاب جزائري متشنج يفتقر إلى الواقعية والنجاعة.
إن ما يمكن وصفه بـ“هلاوس سياسية” ليس توصيفًا انفعاليًا، بل تشخيص لحالة إنكار ممنهجة، ترفض الاعتراف بالتحولات، وتُصرّ على إعادة تدوير خطاب لم يعد يجد له صدى، لا داخليًا ولا خارجيًا. فالدول لا تُدار بالعناد، ولا تُبنى على الأوهام، والتاريخ لا يرحم من يصرّ على معاداة الجغرافيا والمنطق معًا.
ختامًا، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: إلى متى ستستمر الجزائر الرسمية في معاداة المغرب بدل مصالحة المستقبل؟ وإلى متى سيظل الوهم السياسي بديلاً عن شجاعة المراجعة؟
أسئلة لا تنتظر جوابًا إعلاميًا، بل قرارًا سياسيًا يعيد للدولة الجزائرية رشدها، قبل أن تتحوّل الهلاوس إلى عزلة دائمة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



