الثقافة

سينما تالا حديد..القراءة والتأويل

  • محمد بكريم //

هناك أفلام نشاهدها (الصورة – الحركة)؛ حيث نبقى في المستوى الفسيولوجي للعين. يكون الجسد فيها رهن الإقامة الجبرية، يتلقى الرسالة فحسب. هذا النوع يصلح لأمسية سبت عادية. وهناك أفلام نراها، أفلام تستجوبنا؛ تنتقل من العين إلى العقل.

وهناك أفلام نتأملها (الصورة-الزمن) تدعونا إلى سفر مزدوج، فكري وتخييلي. إنها لا تضعنا على طريق يؤدي إلى محطة نهائية، بل تضعنا في مسار يستمر طويلاً بعد صعود شارة النهاية. فرضيتي هي أن سينما تالا حديد تنتمي إلى هذه الفئة الثالثة.

في فيلمها “إطار الليل الضيق” (The Narrow Frame of Midnight / الإطار الضيق لمنتصف الليل)، لا تراهن المخرجة على الانغلاق/الاكتمال. إنه مشروع يُبنى أمامنا ومعنا (في الحالة المثالية): بطل متعب يأتي من لا مكان ويمضي إلى لا مكان (الدار البيضاء، إسطنبول، بغداد…)، بحثاً عن أخ لم يحتفظ منه إلا بشذرات من ذكريات طفولة سعيدة؛ بضع صور وأدلة شحيحة. المعنى هنا ليس نتيجة بناء سببي (أ+ب=س) بل يكمن في فجوات سرد غير مكتمل؛ في تراكم الصور والمواقف البصرية والسمعية (أ+ب+س). المشاهد مدعو ليصبح رفيقاً لهذه الأجساد التي تتحرك أمامه. مدعو لرحلة، لتيه، ولنزهة تأملية.. كما هو الحال في المتحف!

فيلم تالا حديد يخرج عن الطرق المعبدة؛ فهو ليس فيلماً استقى مقوماته من وصفات النجاح السهل. كما أنه لا يعتمد على نجوم الشباك؛ فرغم المشاركة السخية للفنانة الكبيرة مجدولين في دور رمزي، إلا أن الممثلين الآخرين يشكلون اكتشافات حقيقية للجمهور الواسع. لا يركب الفيلم موجة المواضيع المثيرة أو المعالجة الغوغائية، بل يتناول بطريقة أصيلة تساؤلات عالم معقد وكون يتجاوز الحدود الموضوعاتية والجغرافية.

قوته الضاربة الوحيدة تكمن في انخراطه في منطق سينمائي بحت. هو فيلم “مضاد لـ بازان” (anti-bazinien) بشكل ما، لأن الفيلم هنا يعمل وفق منطق “من أجل سينما صافية”؛ وذلك التفافاً على العنوان الشهير لمقال الناقد الفرنسي أندريه بازان، الأب الروحي للموجة الجديدة: “من أجل سينما غير صافية”.

إنه فيلم من زمننا. ليس معنىً يسعى لارتداء قالب جاهز كالمياه العادمة التي تسلك طريقاً مطروقاً (نوع فني محدد بصرامة كالكوميديا أو الميلودراما)، بل هو شكل يسعى للتعبير عن معنى من خلال مساءلة المشاهد؛ استدعاء تعاونه وانخراطه: العين، العقل، والقلب. الحضور الكلي للمشاهد. جسد يتحد مع أجساد تبحث عن نفسها، تضيع وتلتقي بشكل مختلف.

يبدو لي أن تالا حديد قد تبنت ملاحظة روبرت بريسون: «تأكد من أنك استنفدت كل ما يمكن إيصاله عبر السكون والصمت». الفيلم بهذا المعنى، يتطلب انتباهاً، وانخراطاً في إيقاع؛ وتعاطفاً تجاه كائن جمالي نوعي.

هناك حتماً قصة؛ لكنها، كما يقول غودار، لا تُقدم بالضرورة وفق الترتيب الكلاسيكي (بداية، وسط، نهاية). يلتقي قدران: زكريا وعائشة. الأول، زكريا -الذي يصل في سيارة أجرة كما في الصورة الأولى لفيلم تالا حديد القصير “شعرُكِ الأسود يا إحسان”، غير أن الإطار (بالمعنى السينمائي) لم يعد هو نفسه- هو من يفتتح الفيلم ويختتمه. يأتي من لا مكان، يحمل جرحاً داخلياً نخمنه من خلال التلميحات وصور الذاكرة.

ينطلق في البحث عن أخ غادر، حسب كل المؤشرات، إلى العراق. وبذلك قد يكون فيلم تالا حديد أول فيلم مغربي يتناول قضية انخراط “الجهاديين” في حرب بالشرق الأوسط، ويتم ذلك ببراعة من خلال نهج ينتمي أكثر إلى البحث الداخلي. زكريا وأخوه يوسف؛ من الناحية الاسمية، نحن بالفعل في سجل “المقدس”، فالدلالة الدينية للأسماء تضيء القدر.

في مواجهة زكريا، نجد عائشة. منذ متتالية الافتتاح، يجعل الفيلم بينهما حواراً عبر مشهدين متتاليين. “عائشة” تحيل إلى الحياة، إلى الطبيعة؛ نكتشفها لأول مرة في غابة، كطفلة برية (نجاح كبير للكاستينغ مع فدوى بوجوان). إنها طفلة يتيمة تُنتزع من بيئتها، قرية “تيمحضيت” التي تعني بالأمازيغية، للمفارقة، “المحمية” (!)، لتصبح ضحية لشبكات الاتجار بالأطفال نحو أوروبا.

زكريا/عائشة: الثقافة والطبيعة. عندما تتقاطع طرقهما، يدركان أن وحدتيهما خُلقتا لتلتقيا، وسيرسم مسارهما تعقيد عالم بلا معالم. يساعدها على الهروب من خاطفيها بوضعها في منزل معزول في البادية، سنعرف لاحقاً أنه المنزل الذي كان يتقاسمه مع صديقته الأوروبية. تُرسم خارطة العلاقات لتحدد صلات ذات رمزية قوية: جوديت تلتقي بعائشة وتتبناها. مرة أخرى: الثقافة والطبيعة.

فيلم تالا حديد هو فحص دقيق (Radioscopie) للغيرية في عالم مُعولم. اختطاف عائشة يحيل إلى نهب الجنوب من قبل قوى الشمال بتواطؤ من وسطاء محليين. زكريا يعيش قصة حب متعثرة مع جوديت، صديقته الأوروبية؛ صور خاطفة لقصة حب في فضاء رومانسي لكنه محاصر بالحنين (الأم المريضة، الراديو…). أما يوسف، الأخ المختفي، فقد سحقته رغبته في الانتماء إلى مثال مطلق، ضحية لعنف بلا وجه لكنه يتقدم تحت راية المقدس.

هناك مشهد جميل جداً في الفيلم، يعتبر مؤسساً لمنهجه الجمالي والفكري، يرسم في الخلفية -كقصة داخل القصة- ديمومة العنف. إنه المشهد الذي توجه فيه الكاميرا نظرتنا نحو اللوحة الشهيرة “استشهاد القديسين كوزماس وداميان” (1843-1844) للفنان فرا أنجيليكو. نحن في غرفة جوديت، تعمل على مكتبها، نسخ، وثائق، وكتب. أحد الكتب مفتوح على صور لوحات فنية، وبحركة كاميرا، في صمت كنسي، نُقاد نحو هذه اللوحة، وهي كلاسيكية من فن الرسم يظهر فيها قديسون معصوبو الأعين في مشهد قطع رؤوس.

غمزة لواقع حزين، خاصة وأن الشخصيات في اللوحة هم قديسون ولدوا في… سوريا. قاوموا الاضطهاد، ولا يزال يحتفى بهم في التقاليد المسيحية في الغرب والشرق الأوسط على حد سواء. نوع من عودة التاريخ التي ترفض المخرجة تناولها كقدر محتوم؛ فالسرد يبث لقطات مضادة تشي بتعقيد العالم، عالم بلا معالم، وتعلن رفض التفسيرات الخطية.

«لقد نسيتَ ساعتك» هي بالنسبة لي الجملة المفتاح في الفيلم، التي تحدد مستوى قراءة كل العلامات الأخرى المنقولة بالصوت والصورة؛ تنطق بها في الصباح الباكر الشابة الأمازيغية التي التقاها زكريا في حانة. لقد قضيا ليلة حب تحكي له خلالها بالأمازيغية حكاية رمزية عن ضرورة مواصلة الطريق الذي اخترناه.

علاوة على ذلك، يقدم الفيلم افتتاحية مزدوجة لختام سرده. عائشة نجحت مرة أخرى في الهروب من خاطفيها، لتجد هذه المرة وحدها الطريق الذي يقودها نحو المرج حيث يلعب الأطفال. أما زكريا، وفي نهاية بحث معلق، يجد نفسه غارقاً وسط موجة من النساء المتشحات بالسواد. مشهد رائع جمالياً لكنه يفتح مجالاً لتأويلات متعددة.

المشهدان يستجيبان أولاً لضرورة الدراما الفيلمية (Diégétique) كونهما يعملان كنقيض لمشهدي الافتتاح، وبذلك تُغلق الدائرة. لكن من وجهة نظر التلقي السياقي، فإنهما يجسدان ببلاغة القدر المنقسم لما سُمي بـ “الربيع العربي”؛ فمن جهة، هناك الموجة السوداء الجارفة التي تسد الأفق، ومن جهة أخرى، هناك غناء وألعاب الأطفال في مرج غارق في ضوء ربيع متأخر.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى