
حكاية صراع دامي، بين الإنسان والبشر..
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
ليست كل الكائنات التي تمشي على قدمين إنسانًا، كما أن امتلاك الروح والحواس لا يعني امتلاك الجوهر.
فهنا، في قلب هذا العالم المضطرب، يدور صراع خفيّ لكنه دمويّ، صراع لا تُسمع فيه أصوات المدافع فقط، بل تتصارع فيه القيم، وتتقابل فيه الأخلاق، ويتواجه فيه وجهان متناقضان لكائن واحد: الإنسان والبشر.
الإنسان: ذاك الذي يزرع الخير ولو في أرضٍ قاحلة، ويختار الرحمة حين تتكدّس مبررات القسوة، ويؤمن بأن الحياة أمانة لا غنيمة، وبأن الاختلاف قدر لا مبرر للقتل.
أما البشر: فهو ذلك الكائن الحي الشبيه بالإنسان، الذي يتقن فن التدمير، ويبرّر الشر بالعقيدة، ويغلف الجريمة بالسياسة، ويحوّل الطمع إلى حق، والحقد إلى مشروع، والقتل إلى خبر عابر.
الإنسان يبني، والبشر يهدم،
الإنسان يُنقذ، والبشر يستنزف،
الإنسان يسمو بأخلاقه، والبشر ينحدر بسلوكه.
شتّان بين قلبٍ نابض بالضمير، وغريزةٍ عارية لا ترى في الآخر سوى عدوٍّ محتمل أو غنيمة مؤجلة.
هذا الصراع ليس بين شعوب أو أديان أو أعراق، بل بين قيمٍ تسكن الروح، ووحشيةٍ تتخفّى في الجسد.
بين من يرى في الحياة معنى، ومن لا يرى فيها سوى ساحة صيد.
بين الإنسانية باعتبارها رسالة، والبشرية حين تُختزل في مجرد وجود بيولوجي بلا أخلاق ولا مسؤولية.
من رحم هذا التناقض الدموي، يولد سؤال العصر الأخطر :
هل ما نعيشه اليوم هو انهيار الإنسان، أم انتصار البشر الشبيهين به؟
عالم على حافة الاحتراق، بعد أن صبح الكذب وقودًا، والحرب أسلوب حياة.
هذا عالمٌ لا ينام .. عالمٌ يتنفس دخانًا، ويقتات كذبًا، ويستحمّ بالبهتان.
عالمٌ تحوّلت فيه الحروب من استثناء إلى قاعدة، ومن جريمة إلى صناعة، ومن مأساة إنسانية إلى نشرة أخبار باردة تُستهلّ بابتسامة مذيع وتدور كل فقراتها عن الحروب والفساد، قبل أن تُختتم بإعلان تجاري.
أقضي ساعاتٍ طويلة، ليلًا ونهارًا، أُحدّق في هذا الكوكب المنهك وأسأل: إلى أين نمضي؟.. أي مستقبلٍ ينتظر الإنسانية وقد ضغط الإنسان بنفسه زرّ التدمير الذاتي، ثم جلس يعدّ الدقائق منتظرًا الانفجار الأكبر؟.
أي مصيرٍ للطبيعة والحياة، في ظل هذا الكائن البشري المصاب بجنون العظمة، وهوس الريادة الوهمية، وسعار الانتقام؟.
لقد صار القتل لغةً، والحقد سياسة، والخيانة وجهة نظر.صار الدم رخيصًا إلى حدّ أن خرائط العالم تُعاد صياغتها بجثث الأطفال، وأنقاض المدن، ودموع الأمهات.
لا أحد يفكر في الأجيال القادمة، لأن حاضر هذا العالم مهووس بالسيطرة، ومخمور بالقوة، وأعمى عن العواقب.
حين تُمنح جوائز السلام لجلادي الشعوب
في هذا العالم المقلوب، تُمنح جوائز السلام لمجرمي الحروب، وتُعلّق الأوسمة على صدور من أتقنوا إدارة المجازر.
يُحتفى بمبادرات (إنسانية) نُسجت بخيوط الوهم والتضليل، وتُوثّق (منجزات) بُنيت فوق جماجم الأبرياء..
أما الحقيقة، فتُدفن تحت ركام البيانات الرسمية، وتُغتال في زحمة الروايات المتناقضة.
هنا يصبح الخبر صحيحًا وزائفًا في آن واحد. وتغدو الأدلة محل شك، والمصادر الرسمية متّهمة، واليقين عملة نادرة.
كيف يمكن لمؤرخٍ نزيه أن يكتب تاريخ هذا العصر وسط طوفان الكذب، وتكاثر محترفي التضليل، وتواطؤ أجهزة علنية وسرية تتقن صناعة السرديات حسب الطلب؟.
تاريخ كُتب للحكام… لا للشعوب. لم نكن يومًا على وفاقٍ كامل مع ما لُقّن لنا في كتب التاريخ والجغرافيا والفلسفة والسياسة.
ليس لأن المعرفة خطأ، بل لأن كثيرًا ممن كتبوا التاريخ لم يكتبوه من قلب الشعوب، بل من مكاتب السلاطين.
كتبوا مقابل المال والمكانة، وفق التعليمات والمصالح، وحذفوا ما لا يخدم أولياء نعمتهم، وبدّلوا الحقائق أو أحرقوا كتبهم إرضاءً للحاكم.
لكن الشعوب، رغم القمع والتهميش، لم تنسَ. اختزنت الحقيقة في الذاكرة الجمعية، في الحكايات الشفوية، في الندوب، في السلوك، وفي الصمت الطويل.
ولا تزال أسرار كثيرة تتناقلها الأجيال، تفضح زيف مؤرخين، وتعيد الاعتبار لرموز حقيقية ظُلمت عمدًا.
نحن اليوم أمام مفترق طرق حاسم، أما خياران لا ثالث لهما.
إمّا القبول بخيار الاحتضار الجماعي، وانتظار نهاية عالمٍ أنهك نفسه بنفسه.
وإمّا الإسراع في ترميم ما تبقّى من إنسانيتنا، ونزع إصبع الحقد من على زرّ التدمير، وفتح المجال لمؤرخات ومؤرخين من عامة الشعوب، ليكتبوا التاريخ بصدق، ويصحّحوا ما أمكن من تفاهات الماضي.
فالشعوب لا تنهض بتاريخٍ مغلوط، والأجيال لا تكبر بلا قدوة حقيقية، والأنظمة لا تُقاس قوتها بترسانتها، بل بمصداقية سرديتها وعدالة ذاكرتها.
نحن شركاء في الجريمة… بالصمت.
للأسف، تعلّمنا كيف نصنع الأزمات، ونغذّي البؤس، ونزرع اليأس تعلّمنا الكراهية قبل العقل، والوشاية قبل الحكمة، واحتضان الغريب قبل القريب.
غُصنا في مشاكل غيرنا لنزيدها تعقيدًا، وتركنا جراحنا دون علاج.
نسينا أن لِمّة الشعب هي صمّام الأمان، وأن وحدتنا أقوى من كل سمومنا إذا أحسنّا توظيفها.
نسينا أن الفساد والاستبداد لا يُهزمان إلا بتغيير ما بأنفسنا، وأن رضا الله لا يسكن المساجد وحدها، بل الأحياء الهامشية، والقرى المنسية، وبيوت المقهورين.
الحياة، مهما طالت، ليست سوى غفوة بين حلم وكابوس
وبين الحقيقة والوهم ستارة رقيقة في الدماغ قد تسقط في أية لحظة لذلك، لا تزال أمامنا فرصة(ربما الأخيرة)لتصحيح أخطائنا البسيطة قبل أن تتحول إلى خطايا كبرى.
فلنُرمّم الإنسان في داخلنا، ولنُعيد الاعتبار للشرف لأنه مفتاح كل الأبواب، ولنلتئم من أجل وطنٍ في القمّة، وحياةٍ راقية، شعارها: كلنا آدميين… قبل أن نكون أي شيء آخر
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



