
المغرب بين امتحان الطبيعة وذكاء التدبير: كرونيك في تاريخ ترويض الندرة والطوفان
- الحسين بو الزيت //
لم يكن ما شهده المغرب في فبراير 2026، أثناء مواجهة عاصفة ليوناردو، حدثًا معزولًا عن سياق الزمن الطويل، ولا لحظة عابرة في رزنامة الكوارث الطبيعية. بل بدا، لمن يقرأ التاريخ بعين الجغرافيا، امتدادًا لتراكم عميق من المعرفة والخبرة في تدبير الصدمات الكبرى، تلك التي فرضتها الطبيعة على هذا المجال الوسيط بين البحر والصحراء، وبين الوفرة القلقة والندرة المزمنة.
فالمغرب، كما وصفه الجغرافيون المسلمون الأوائل، “أرض التناقضات الكبرى”: أمطار غزيرة تتحول فجأة إلى طوفان، وسنوات خصب يعقبها قحط طويل. وقد أشار الإدريسي في نزهة المشتاق إلى أن “بلاد المغرب كثيرة الأودية، سريعة الانقياد للمياه، إذا كثرت الأمطار فاضت، وإذا احتبست جفت”، وهو توصيف مبكر لبلد يعيش دائمًا على حافة الاختلال المناخي.
من الذاكرة الزراعية إلى هندسة الوقاية
منذ العصور القديمة، لم يتعامل المغاربة مع الطبيعة بوصفها قدرًا أعمى، بل باعتبارها قوة يجب فهمها وتدبيرها. فالأنظمة التقليدية لتقاسم المياه، من الخطّارات في تافيلالت، إلى السايس وفي سوس السواقي الجماعية إلى أعراف “النوبة” و”الترتيب”، ليست مجرد حلول تقنية، بل تعبير عن فلسفة اجتماعية كاملة تقوم على تدبير الندرة قبل وقوعها.
وقد التقط ابن خلدون هذه الفكرة حين ربط في المقدمة بين العمران والاستعداد للكوارث، معتبرًا أن المجتمعات التي لا تُحسن تدبير الماء والغذاء تكون أولى بالانهيار عند الشدائد. فالكارثة، في نظره، لا تصنعها الطبيعة وحدها، بل هشاشة التنظيم أيضًا.
الطوفان كاختبار للسلطة والعمران
عرف المغرب عبر تاريخه طوفانات مدمرة، خاصة في أحواض سبو وأم الربيع وسوس، وكانت دائمًا لحظات اختبار حقيقي للدولة. فقد ذكر الحسن الوزان (ليون الإفريقي) أن فيضانات فاس ومراكش لم تكن مجرد كوارث طبيعية، بل أحداثًا سياسية تكشف قدرة السلطان على حماية الرعية وضمان الاستقرار.
من هنا نفهم لماذا ارتبط بناء السدود، تاريخيًا، بالشرعية السياسية. فمن سدود المرابطين والموحدين الصغيرة، إلى سياسة السدود الكبرى في العصر الحديث، ظل التحكم في الماء عنوانًا للسيادة، ووسيلة لتحويل الخطر إلى مورد.
من الجفاف إلى السيادة التقنية
غير أن خصوصية التجربة المغربية تكمن في أنها لم تُبنَ فقط على مواجهة الجفاف، كما هو شائع في الأدبيات، بل على الاستعداد للنقيض أيضًا: الطوفان. فبلد يعيش في منطقة انتقالية مناخيًا، لا يملك ترف التفكير في سيناريو واحد.
وهنا تبرز أهمية التحول النوعي الذي عرفه المغرب في العقود الأخيرة، حيث انتقل من منطق ردّ الفعل إلى عقيدة الاستباق. فأنظمة الرصد الجوي، والإنذار المبكر، والنمذجة الهيدرولوجية، ليست أدوات تقنية فحسب، بل امتداد حديث لتلك “الحكمة الترابية” التي راكمها المغاربة عبر قرون.
ما حدث في فبراير 2026 لم يكن، بهذا المعنى، مفاجأة للتاريخ، بل لحظة تكثيف له: استغلال الزمن الذهبي قبل 48 ساعة، تدبير وقائي للسدود الكبرى، تعبئة لوجستية دقيقة، وتدخل إنساني منظم أعاد إلى الأذهان تلك الفكرة الخلدونية البسيطة: الدولة القوية هي التي تمنع الكارثة قبل أن تتحول إلى فوضى
بين الندرة والوفرة: درس مغربي للعالم
لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى المغرب كبلد “يعاني من الجفاف”، لكنه في هذه اللحظة بدا، بشهادة المراقبين الدوليين، بلدًا يملك قدرة نادرة على ترويض التناقضات: أن يدبر القلة حين تقل، وأن يحاصر الفائض حين يفيض.
وهنا تتجلى فرادة النموذج المغربي: نموذج لا يراهن على الطبيعة، بل على المعرفة؛ ولا ينتظر الصدمة، بل يسبقها؛ ولا يحوّل الكارثة إلى خطاب شفقة، بل إلى تمرين سيادي في حماية الإنسان.
كما لو أن التاريخ، من الإدريسي إلى ابن خلدون، ومن الخطّارة إلى الرادار الجوي، كان يهيئ المغرب لهذه اللحظة: لحظة يقول فيها للعالم إن الصمود ليس وليد الصدفة، بل ثمرة تراكم طويل من فهم الأرض، والإنسان، والزمن.
*الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



