المغرب اليوم

الاستثناء المغربي في تدبير الأفراح والأحزان حين تتحول القيم إلى قوة دولة، ويصير التضامن عقيدة شعب

  • بقلم: بوشعيب حمراوي//

ليس المغرب بلدَ المناسبات العابرة، بل وطنُ اللحظات الكبرى التي تُختبر فيها الدول والشعوب معًا. لحظاتُ فرحٍ تُبهج القلب وتُنعش الروح، ولحظاتُ حزنٍ قاسٍ تمتحن معدن الإنسان وصلابة المؤسسات. وفي كل مرة، يثبت المغاربة (شعبًا وقيادة) أن لهم أسلوبًا خاصًا في العيش المشترك، في الاحتفال كما في المواساة، في النصر كما في الفاجعة. ذلك هو الاستثناء المغربي: منظومة قيمٍ تتقدّم الصفوف حين تشتد الأزمات، وتعرف كيف تُمسك بالفرح دون أن تفقد التواضع.

الاستثناء المغربي لا يقف عند ردود الفعل؛ إنه قدرة على تحويل العاطفة إلى فعل منظم. يكفي أن نستحضر كيف بُني مسجد الحسن الثاني باكتتاب المغاربة، ليغدو رمزًا لإرادة جماعية ترى في المشاركة شرفًا وفي البناء عبادة. وتكفي متابعة أدوار مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وبرامج “لنتحد ضد الحاجة”، و“قفة رمضان”، و“مليون محفظة”، لندرك أن التضامن في المغرب سياسة عمومية بروح اجتماعية، لا إحسانًا موسميًا. تربط الملك والشعب. ويمتد هذا النفس الإنساني إلى خارج الحدود عبر لجنة القدس وبيت مال القدس، حيث يصبح الدفاع عن القيم كونيًا، والتكافل عابرًا للجغرافيا، وتتحول الدبلوماسية إلى فعل إنساني دائم.

حين داهمت الفيضانات… برز التميّز المغربي من جديد
ما شهدته وتشهده مناطق عدة من فيضانات ليس حدثًا طبيعيًا معزولًا، بل امتحانًا مركّبًا لقدرة الدولة والمجتمع على التدبير والاستجابة. قرى حاصرتها المياه، مسالك انقطعت، وأسر وجدت نفسها في مواجهة خطر داهم. غير أن الردّ المغربي جاء سريعًا ومنظمًا: تعبئة ميدانية، تنسيق مؤسساتي، وحضور دائم حيث الحاجة. الدولة نزلت بثقلها، سلطات وأمن وطني ودرك ملكي ووقاية مدنية وقوات مساعدة و… تحرّكت، والمجتمع المدني تدخّل بعفويته، لتُستعاد الثقة ويبرز الإنسان، وتصعد الإنسانية للصدارة.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز القوات المسلحة الملكية كعنوان ثابت لكل طارئ. جيش لا يكتفي بحماية الحدود من الخصوم والخونة والانفصاليين، بل يحمي الإنسان حيثما كان: يفتح الطرق، يُجلّي المحاصَرين، ينقل المؤن ويحمل على الأكتاف والمرضى والشيوخ والعجائز، ويعيد بعض الطمأنينة وسط البرد والوحل والعزلة. هنا يتجسد المعنى العميق للأمن: قوة منضبطة بقلب إنساني، تؤكد مرة بعد مرة أن الدولة القوية هي التي تحسن احتضان مواطنيها في أصعب اللحظات.

قبل الفيضانات، وقبل الزلازل، كان ريان(الطفل الذي سقط قبل سنوات في بئر) مرآة مكبّرة لروح المغرب. أيام حبست الأنفاس، وعيون شاخصة من كل القارات، ودعاء جماعي لا يعرف لغة ولا حدودًا. لم يكن ريان طفلًا مغربيًا فقط؛ صار ابن الإنسانية. في تلك اللحظة القاسية، شاهد العالم كيف يحزن المغاربة: بصبرٍ طويل، وبأملٍ لا ينقطع، وبعملٍ دؤوب لا يكلّ. رأى تكاتفًا بين مؤسسات الدولة، والمتطوعين، والإعلام، والسلطات المحلية، في مشهد واحد عنوانه: لا نترك أحدًا وحده. وحتى حين كانت النهاية موجعة، ظل المعنى أكبر من الفاجعة: إنقاذ الكرامة قبل كل شيء، وترسيخ قيمة الحياة في الوعي الجمعي.

ثم جاء زمن الجائحة، فارتبك العالم، واختلف الناس، واشتد الخوف. في المغرب، لم تكن التجربة سهلة، لكنها تحولت إلى مدرسة جماعية: نقاش عمومي، شكوك وتساؤلات، أخطاء وتصحيحات، ثم تعلّم والتزام تدريجي.

الحجر الصحي لم يكن عزلة فقط؛ صار فرصة لإعادة اكتشاف الأسرة، وتعلّم مهارات جديدة، وولوج العوالم الرقمية للتعليم والعمل والتواصل. الإعلاميون حملوا عبئًا مضاعفًا: نقل الخبر، تفنيد الإشاعة، التحسيس، والمرافقة النفسية. وبرغم التباينات، حافظ المجتمع على نسيجه، فتحوّل الخوف إلى وعي، والقلق إلى مسؤولية، والتجربة إلى رصيدٍ جماعي للمستقبل.

ولم يتوقف المسار عند ذلك. توهّجت منتخبات وطنية أخرى، فتأكد أن الإنجاز مشروع دولة لا صدفة. ثم جاءت الألعاب الأولمبية باريس 2024 لتمنح المغرب الصف الثالث (البرونزية) في كرة القدم. ميدالية تُتوّج مسارًا من التخطيط والتكوين والعمل الصامت. يومها، عاد الفرح ليكون اطمئنانًا إلى المستقبل.كما التتويج في نفس السنة بكأس العرب للمحليين. كما توج منتخب الفوتسال ببطولة كأس الأمم الإفريقية ( 2024) ، وبطولة كأس القارات (2022). والمصنف السادس عالميا.

أما السنة الماضية فقد كانت مليئة بالانجازات. الفوز بكأس العرب، والفوز بكأس العالم للشباب (تحت 20 سنة)، وكأس أمم افريقيا للناشئين (تحت 17 سنة)، وفوز منتخب السيدات بالوصافة في كأس افريقيا. وتحقيق منتخب الذكور نفس الرتبة قاريا والذي يصنف حاليا الثامن عالميا..
في انتظار القادم من التظاهرات العالمية. وخصوصا كأس العالم 2026، الخاصة بالكبار، والتي ستحتضنها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا. وكأس العالم 2030 التي تتشرف المملكة المغربية بتنظيمها بشراكة مع اسبانيا والبرتغال.

لحظات الفرح… حين يبتسم المغرب ويصفّق له العالم
كما يُحسن المغاربة تدبير الحزن، يُحسنون الفرح أيضًا. فرحًا بلا تعالٍ ولا استفزاز. في كأس العالم قطر( 2022) للكبار وكأس العالم الشيلي أقل من 20 سنة). كتب المنتخب المغربي لكرة القدم فصلًا تاريخيًا ببلوغه نصف النهائي واحتلال الصف الرابع عالميًا. كما بصم منتخب أقل من عشرين سنة من ذهب بعد فوزه بكأس العالم.

لم يكن الإنجاز رياضيًا فقط، بل رسالة حضارية: انضباط، روح جماعية، واعتزاز بالهوية.خرج المغاربة إلى الشوارع، وتعانقوا مع الجار والغريب، ورفرفت الأعلام في مدن بعيدة لم تعرف المغرب إلا عبر الشاشة. كان فرحًا نظيفًا علّم العالم كيف يُحتفى بالإنجاز دون أن يُهدر المعنى. بل خرج معنا العالم كله للاحتفاء بتميز بلد بإسمه المغرب. بشعب سطع نجمه عل أرضية الملعب وكذا بالمدرجات وشوارع قطر وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة.

الفرح المغربي… قيمة جامعة

يمتاز الفرح المغربي بكونه جامعًا: لا يُقصي أحدًا، ولا يحوّل الانتصار إلى مناسبة للتعالي. يفرح المغربي لفرح جاره وابن حومته وابن مدينته، كما يفرح لوطنه. لذلك يحتفل بثلاثة رؤوس سنة (الهجري والميلادي والأمازيغي) في انسجام لافت، اختلاف في التقاويم واتحاد في الروح.

من ريان إلى كورونا، ومن مونديال قطر وبرونزية الأولمبياد، إلى فيضانات مدن الشمال.. يقدّم المغرب درسًا عميقًا: القوة في القيم. دولة تستثمر في الإنسان، ومجتمع يؤمن بالتكافل، ومؤسسات تعرف كيف تتقدّم حين تشتد العواصف.

إنها ثورة متجددة بين الشعب والملك. ثورة هادئة بلا كلل ولا ملل، تتحدى الإكراهات والعراقيل، وتصنع مجد الأمة المغربية والعربية الإفريقية، وتنافس القوى العالمية بثبات ورؤية جد متبصرة.

ذلك هو الاستثناء المغربي: وطن يُحسن تدبير الأفراح والأحزان، فيفرح بتواضع، ويحزن بكرامة، ويخرج من كل امتحان أكثر تماسكًا… وأكثر إنسانية.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى