
من يكتب التاريخ المعاصر؟ بين أقلام السلطة وذاكرة الشعوب
بقلم : بوشعيب حمراوي
من يملك حق كتابة التاريخ المعاصر؟
سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ العمق حدّ الوجع في دلالاته. سؤال يفرض نفسه كلما ضاقت أنفاس هذا العالم المثقل بالدخان والرماد، وكلما بدا الإنسان، في لحظة جنون عظمة، كأنه ضغط بيده على زر التدمير الذاتي وجلس ينتظر النهاية.
نعيش زمنًا تتكاثر فيه الحروب، وتُستباح فيه الحياة، ويُستنزف فيه الإنسان والطبيعة بلا أدنى إحساس بمصير الأجيال القادمة. زمنٌ جرى فيه ترخيص واستباحة كل السيول البشرية من دماء ودموع وعرق، وكأن الإنسان تحوّل إلى وقودٍ رخيص في معارك لا تخصه، تُدار باسمه ولا تُنقذه. تُستنزف الطاقات البشرية حدّ الإبادة، وتُهدر الكرامة الإنسانية في صفقات القوة والنفوذ، دون اكتراث بما سيُترك لمن لم يولدوا بعد.
زمن لم يعد فيه القتل استثناءً، بل ممارسة يومية تُسوَّق أحيانًا باسم العقيدة، وأحيانًا باسم الأمن، وأحيانًا باسم (السلام) نفسه. وسط هذا الخراب الكوني، يطفو سؤال الذاكرة: من سيحكي للأبناء ما جرى؟ ومن سينقذ التاريخ من التحريف، ومن الكذب الممنهج، ومن صناعة الوهم؟، ومن ؟، ومن؟ ….
لم نكن يومًا على وفاق تام مع ما حُقِن في عقولنا عبر كتب التاريخ والجغرافيا والسياسة والفلسفة. ولم يكن هذا الشك وليد عبث أو نزق فكري، بل نتيجة وعي مبكر بأن كثيرًا مما كُتب لم يكن صوت الشعوب، بل صدى القصور، وأوامر البلاط، ومصالح الحكام، وشهوات الزعماء، ومشاريع الهيمنة والتطرف. كتبٌ صيغت من فوق، لا من بين الناس.
كثير من المؤرخين كتبوا وهم بعيدون عن نبض الشارع، وعن ما جرى ويجري داخل القصور والمداشر والثكنات… عن دموع الأمهات، عن صرخات الضحايا، عن الخبز المكسور في بيوت الفقراء. كتبوا مقابل الامتيازات والمناصب والجوائز والرضا السلطوي، ولم يجدوا حرجًا في حذف الحقيقة أو تلوينها أو إحراقها، كلما تغيّرت الرياح السياسية أو تبدّلت موازين القوة. بل إن التاريخ يولد لكل نظام جديد، ولكل زعيم.
غير أن الشعوب، رغم القمع والتهميش، لم تكن يومًا بلا ذاكرة. فقد خبّأت حقائقها في الصدور، وفي الحكايات الشفوية، وفي تفاصيل الجسد، وفي أسماء الأمكنة، وفي المسالك والشعاب، وفي آثار التعذيب، وفي الأغاني، بل وفي الصمت أيضًا. وها هي هذه الذاكرة، المتناقلة عبر الأجيال، تكشف اليوم زيف كثير من الروايات الرسمية، وتفضح ظلمًا تاريخيًا طال الشعوب ورموزها الحقيقية في عدة بقع من هذا العالم الظالم والمظلم.
يزداد المشهد تعقيدًا في زمن بات فيه الخبر قادرًا على أن يكون صحيحًا وزائفًا في آن واحد. عالم انهارت فيه الثقة في الوثائق والأدلة والبيانات الرسمية، وتُدار فيه الحروب بالكاميرا، وتُصنع فيه السرديات داخل غرف مظلمة، وتُمنح فيه جوائز السلام لمجرمي الحروب ولحاضني الفساد والاستبداد، وتُلمّع فيه مبادرات وهمية بمهارة إعلامية فائقة.
في مثل هذا السياق، كيف يمكن لمؤرخ نزيه أن يصل إلى الحقيقة؟ وكيف له أن يقنع أجيال الغد برواية أمينة وسط آلاف الروايات المتناقضة التي تُسوَّق عبر الكتب والمنصات الرقمية ومواقع التواصل، على يد محترفي الإقناع والتضليل؟
التاريخ المعاصر، في جوهره، لا يحتاج فقط إلى أرشيف، بل إلى ضمير. لا يحتاج إلى أقلام مأجورة، بل إلى شهود صادقين، إلى مؤرخات ومؤرخين من عامة الشعوب، عاشوا الألم، ولامسوا الحقيقة، وأنصتوا لنبض الناس، وكتبوا بلا خوف ولا ولاء إلا للإنسان. فالشعوب لا يمكن أن تنهض بتاريخ مغلوط، ولا يمكن للأجيال أن تبني ذاتها في غياب القدوة الصادقة والقائد النزيه. نزاهة الأنظمة، ووعي الشعوب، يقاسان بمدى مصداقية تاريخها وبشجاعتها في مواجهة أخطائها، لا في طمسها.
وتزداد خطورة التلاعب بالتاريخ حين تنتقل عدواه إلى المدرسة. فمن أخطر مظاهر العبث بالذاكرة الجماعية أن تتحول البرامج التعليمية في التاريخ والجغرافيا إلى كائنات هشة، يتغير مضمونها بتغير أنظمة الحكم، أو بإعادة ترتيب العلاقات بين الدول، أو بتبدل التحالفات السياسية. في لحظة قد يُحذف اسم زعيم سابق من المقررات ويُضاف اسم آخر محبوب لدى النظام القائم، وفي لحظة قد يُمحى حليف الأمس من الخرائط ويُعاد توصيفه كعدو، لا وفق ما جرى فعلًا، بل وفق ما ينبغي أن يُنسى أو يُضخَّم أو يُشيطَن.
هكذا يصبح المتعلم ضحية صراعات لم يخترها، ويتلقى معرفة مؤقتة، صالحة فقط إلى إشعار سياسي آخر. لم تعد الجغرافيا، في كثير من الدول، علمًا للمكان، بل خطابًا للتموقع السياسي، تُحرّك فيه الحدود على الورق، وتُغيَّر الأسماء، وتُطمس وقائع، وتُضخَّم أخرى، انسجامًا مع خرائط النفوذ لا مع منطق العلم. أما التاريخ، فيُعاد ترتيبه وفق منطق (المرحلة)، فيُحذف ما يُحرج، ويُبرز ما يُلمّع، ويُؤوَّل الماضي ليخدم الحاضر.
المتعلم هو أول ضحايا هذا التلاعب. فطالب العلم الذي يكتشف، بعد سنوات، أن ما درسه قد تغيّر أو نُقض أو عُكس، لا يفقد فقط ثقته في المقررات والمناهج ، بل يفقد ثقته في المعرفة ذاتها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حيث قتل الإيمان بالعلم، وتحويل المدرسة من فضاء للتحرر الفكري إلى أداة لإعادة إنتاج الاصطفاف الإيديولوجي.
إن تنقية التاريخ وحماية صفحاته من التزوير والتطبيل والحشو لا يمكن أن تتحقق دون تحرير المناهج التعليمية من التقلبات السياسية الظرفية. فالمعرفة التي تُكتب بعمر الحكومات تموت بسقوطها، والتاريخ الذي يُربط بشرعية نظام يسقط بسقوط تلك الشرعية. المطلوب ليس تاريخًا (محايدًا) بالمعنى الساذج، بل تاريخًا أمينًا، يعترف بتعقيد الوقائع، ويعرض التعدد في الروايات، ويُدرّس الاختلاف بدل إخفائه.
نحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما :
إما الاستسلام لمنطق الاحتضار، وانتظار نهاية عالمٍ لم يعد يحتاج إلى منجّم أو فقيه ليؤكد اقتراب زواله.
وإما الإسراع في ترسيخ روح الإنسانية داخل هذا الكائن البشري الحاقد، ونزع إصبعه من زر التدمير الذاتي، وفتح المجال أمام ذاكرة الشعوب لتكتب، وتصحح، وتُنقذ ما تبقى من المعنى.
فالتاريخ ليس ملكًا للأقوياء وحدهم، والتاريخ أمانة . وعلينا أن ننكب على تنقيته وتطهيره، من أجل إنصاف أصحابه الحقيقيين (الشعوب)، ونحرس على ترسيخ ثقافة أساسيات الحياة الممثلة في توفير الحريات الكاملة والعدالة اللازمة والحقوق الإنسانية التي تتغنى بها دساتير الأنظمة. ولا نسمع ها رنين على أرض الواقع. ونؤثث لظروف وأجواء صالحة لبروز مؤرخين قادرين على بدء تاريخ معاصر يليق بالإنسانية.
وإلا سنترك التاريخ أداة أخرى في يد الخراب. يحول الإنسان إلى مجرد بشري لقيط بلا هوية ولا أثر.. كائن حي ينتظر متى يفتح جحيم الدنيا، ليلقي به إلى جحيم الآخرة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



