المجتمع

السرطان في المغرب: أرقام مقلقة وجهود وطنية في مواجهة مرض متصاعد

بقلم : بوشعيب حمراوي

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السرطان الذي يُخلَّد في الرابع من فبراير من كل سنة، يجدّد العالم التزامه الجماعي بمواجهة أحد أخطر التحديات الصحية في العصر الحديث، في مناسبة تحمل رسالة أمل للمصابين، ودعوة صريحة لتعزيز التضامن الدولي، والوقاية، والبحث العلمي. ويقود هذا الحدث الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان (UICC)، في سياق تحذيرات متزايدة من منظمة الصحة العالمية التي تصف السرطان بـ«الجائحة الصامتة»، مع توقع ارتفاع الوفيات المرتبطة به بنسبة تصل إلى 60 في المائة خلال العقدين المقبلين.

السرطان… تحدٍّ عالمي بأرقام مقلقة

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل ما يقارب 20 مليون حالة إصابة جديدة بالسرطان سنة 2022، مع نحو 9.7 ملايين وفاة، وسط توقعات بارتفاع عدد الحالات إلى أكثر من 35 مليون حالة سنويًا بحلول سنة 2050. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط المتزايد على النظم الصحية، والحاجة الملحّة إلى تعزيز الوقاية، وتطوير العلاج، وضمان العدالة الصحية بين مختلف دول العالم.

الوضع الوبائي للسرطان بالمغرب

على الصعيد الوطني، أصدرت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة تقريرًا يرصد الوضعية الوبائية للسرطان بالمغرب، مؤكدة أن المرض أصبح ثاني سبب رئيسي للوفاة بعد أمراض القلب والشرايين، مساهماً بنسبة 13.4 في المائة من مجموع الوفيات .

ويسجّل المغرب سنويًا حوالي 40 ألف حالة جديدة، أي بمعدل يقارب 140 حالة يوميًا، مقابل ما يقارب 36 ألف وفاة سنويًا، مع معدل إصابة يبلغ 137.3 حالة لكل 100 ألف نسمة. وتُظهر المعطيات تفاوتًا حسب الجنس، إذ يتصدر سرطان الثدي الإصابات لدى النساء بنسبة 36 في المائة، يليه سرطان عنق الرحم، بينما يحتل سرطان الرئة المرتبة الأولى لدى الرجال بنسبة 22 في المائة، متبوعًا بسرطان البروستاتا، ثم سرطانات القولون والكبد، إضافة إلى سرطانات الأطفال.
كما تشير البيانات إلى أن حوالي 60 في المائة من حالات السرطان تصيب أشخاصًا فوق سن 65 عامًا، ما يبرز تأثير التقدم في السن، وتراكم عوامل الخطر المرتبطة بنمط العيش.

أسباب متعددة وانتشار مقلق

ويرجع التقرير ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان بالمغرب إلى جملة من العوامل، في مقدمتها أنماط العيش غير الصحية، وعلى رأسها التدخين، المسؤول عن نحو 75 في المائة من حالات سرطان الرئة. كما تسهم قلة النشاط البدني وسوء التغذية في ارتفاع معدلات السمنة، حيث يعاني أكثر من نصف السكان من زيادة الوزن، ما يزيد من مخاطر الإصابة بعدد من السرطانات، خاصة المرتبطة بالجهاز الهضمي.

إلى جانب ذلك، تلعب العوامل البيئية دورًا مقلقًا، من خلال التلوث الصناعي وانبعاثات وسائل النقل، واستعمال المبيدات الزراعية والمعادن الثقيلة في بعض المناطق، فضلًا عن فرضيات تاريخية مرتبطة بإرث الأسلحة الكيميائية ببعض الجهات، وتأثيرها طويل الأمد على صحة السكان.

الوقاية والكشف المبكر… رهان قابل للربح

يؤكد الخبراء أن ما بين 30 و50 في المائة من حالات السرطان يمكن الوقاية منها، عبر تبني نمط حياة صحي، ومحاربة التدخين، والحد من السمنة، وتعزيز النشاط البدني. كما يُعد الكشف المبكر أحد أهم مفاتيح رفع فرص الشفاء، إذ يكون العلاج أكثر فعالية وأقل كلفة عندما يتم تشخيص المرض في مراحله الأولى.
وتبقى التوعية الصحية ركيزة أساسية في هذه المعركة، فكل حملة تحسيسية، وكل فحص مبكر، قد يُنقذ حياة ويقلّص معاناة أسرة بأكملها.

العلاج وتقدم البحث العلمي

شهد مجال علاج السرطان خلال العقود الأخيرة تقدمًا ملموسًا، خاصة مع تطوير العلاجات الموجهة والعلاج المناعي، وتحسين فعالية العلاجين الكيميائي والإشعاعي، ما ساهم في رفع معدلات النجاة في عدد من أنواع السرطان. كما تتواصل الأبحاث حول اللقاحات الوقائية، وعلى رأسها لقاح فيروس الورم الحليمي البشري الذي يُعد أداة فعالة في الوقاية من سرطان عنق الرحم.

مؤسسة للا سلمى: ركيزة وطنية

وسلط التقرير الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسة للا سلمى للوقاية وعلاج السرطان منذ تأسيسها سنة 2005، باعتبارها ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية، من خلال توسيع برامج الكشف المبكر، وتعميم التلقيح، وإحداث مراكز جهوية متخصصة لعلاج الأورام، إضافة إلى مبادرات اجتماعية وإنسانية مثل «بيوت الحياة» لدعم المرضى القادمين من المناطق البعيدة .

تحديات قائمة ونداء للتعبئة

ورغم التقدم المحقق، يؤكد التقرير استمرار تحديات بنيوية، أبرزها الفوارق المجالية، وضعف الولوج العادل للتشخيص والعلاج بالمناطق القروية، وارتفاع كلفة العلاجات المبتكرة، داعيًا إلى تعزيز الوقاية، ومحاربة التلوث والتدخين، ودعم البحث العلمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر.

ويخلص التقرير إلى أن مكافحة السرطان بالمغرب لم تعد شأنًا طبيًا محضًا، بل معركة سيادة صحية تتطلب تعبئة شاملة للدولة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، من أجل حماية الحق في الحياة، وتحويل الأمل إلى واقع ملموس.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى