
دواعي رفض المحامون لمشروع قانون المهنة 66.23
- الأستاذة لينة لوكيلي*//
يعد توقف المحامين عن تقديم مهام الدفاع واقعا شهدته الساحة الحقوقية المغربية، وذلك تعبيرا عن رفضهم لمقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة 66.23.
غير أن هذا التوقف يحتاج لفهم أعمق، فالحق في الدفاع يعد حقا دستوريا مكفول لكافة المواطنين دون تمييز.
و من ركائز الحق في الدفاع هو الاستعانة بمحامي يتمتع بحصانة واستقلالية حتى يتمكن من الدفاع عن موكله وصون مصالحه وتحمل أعباء رسالة الدفاع.
وتوقف المحامين عن أداء مهامهم اليوم لا يعتبر تفريطا فيها، بل واجبا تفرضه رسالة المحاماة وحق مهني مشروع.
وقد سبق اعتماد هذا الشكل من النضال سابقا في مجموعة من المحطات، آخرها ما يتعلق بمشروع قانون المسطرة المدنية، و الذي تم تعديل مجموعة من مقتضياته اليوم، بل الأكثر من ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية قرارا بتاريخ 4 غشت 2025 قضى بعدم دستورية عدة مواده.
وهذا ما يؤكد تميز المحامين بنظرة استباقية باعتبارهم يمارسون ويفعلون المساطر على أرض الواقع. واليوم، فإن هذا المشهد يعود من جديد و موضوعه مشروع قانون مهنة المحاماة.
وعلى ذكر هذا التوقف، فمشروع قانون المهنة 66.23، من شأنه تقييد حق المحامي في النضال من خلال منع كافة أشكاله داخل فضاءات المحاكم و منع توقف المحامين عن تقديم مهامهم. و هو ما يعتبر خرقا سافرا للمبادئ الكونية لمهنة المحاماة و للدستور.
ومن بين مظاهر المساس باستقلال المحامي، إعطاء الحق للسيد الرئيس الاول لدى محكمة الاستئناف لتعيين محامي في إطار المساعدة القضائية في حالة عدم تعيينه من طرف السيد النقيب.
فلا يمكن إلزام المحامي للنيابة في ملف معين، إذ يحدث في بعض الأحيان أن يعترض المحامي مانع شخصي أو مهني يحول دون إمكانية النيابة في ملف معين، و بالتالي لا يمكن أن نفرض بأي شكل من الأشكال على المحامي القيام بمهام الدفاع تحت طائلة اعتباره منكرا للعدالة، و بذلك نكون قد مسسنا باستقلال المحامي و فرضنا عقوبة عن عدم تنفيذه لذلك.
كما أن هذا الاختصاص يجب أن يبقى للسيد نقيب الهيئة الذي يكون على علم بكل ما يتعلق بالمحامي و قدرته على تحمل رسالة الدفاع في إطار المساعدة القضائية.
كما أن وزارة العدل ستصبح بمقتضى المشروع هي الجهة المكلفة بإعطاء الرقم المهني للمحامي، و هذا لا يصح على اعتبار أن مهنة المحاماة حرة و مستقلة عن أي جهة بما فيها الحكومة، فهذا يعد تعديا على اختصاصات الهيئات و كذا النقيب.
إضافة إلى تدخل وزارة العدل في تكوين المحامي، إذ تضمن المشروع تعديلا يقتضي تعويض ثلاث سنوات من التمرين بسنتين تقريبا يقضيها المحامي في معهد التكوين، إدارة عمومية وكذا مكتب للمحاماة. و في نظري المتواضع فالإدارة العمومية لن يستفيد منها المحامي المتمرن في تكوينه، إذ يجب عليه قضاء وقت أكثر في مكتب محامي قصد الاحتكاك بالمساطر و كذا الواقع العملي.
وفي تناقض تام مع ما سبق ذكره، فعلى فرض أن وزارة العدل هي من ستتولى مهمة الإشراف على المحامي المتمرن، فكيف يمكن أن يعطي المشروع امتيازا لمكاتب المحاماة الأجنبية في الممارسة داخل التراب الوطني المغربي بشروط جد ميسرة، فكأنما المشروع يطعن في نفسه، فإذا كان تكوين المحامي خاضع للوزارة فعلى الأقل يجب أن تثق في هذا المحامي الذي سيم الإشراف على تكوينه، لا الحد من مجال اشتغاله و التضييق عليه.
كما أنه في جميع الأحوال يجب اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل، فإذا كان المشروع سيسمح لمكتب محاماة أجنبي لممارسة المهنة في المغرب، وجب أن يكون للمحامي المغربي نفس الامتياز في بلد المحامي الأجنبي.
ومن بين الأمور كذلك التي تمس باستقلال المحامي هو تدخل جهاز النيابة العامة في مجموعة المواد، و خرق مبدأ السرية بين المحامي و موكله.
كما تجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة تعبر خصما للمتهم، و على اعتبار أن المحامي يؤازر المهتم فلا يمكن إعطاء الخصم سلطة أو صلاحيات تحد من الحق في الدفاع.
والمحامي اليوم لا يتحدث عن مسألة الأتعاب، كون أن هذا النقاش متجاوز، و حله موجود بين سطور القانون الحالي، أي القانون 28.08، فالمحامي لم يعد يمسك أموال المتقاضي، و ذلك بعد إحداث صندوق الودائع، فأصبح المحامي يتوصل بأتعابه والمتقاضي يتوصل بتعويضاته بعد تفاوضهم واتفاقهم على كيفية صرفها، وبعد الإدلاء بإتفاق مكتوب ومصحح الإمضاء، وفي حالة عدم الاتفاق فالسيد النقيب هو الجهة المخول لها تحديد الأتعاب ويمكن الطعن في هذا القرار من طرف من له مصلحة في ذلك.
وهذا لا يعني أن قرار السيد النقيب سيكون لصالح المحامي.
و الدليل على ذلك، فلن نجد شكاية ضد محامي موضوعها خيانة الأمانة. و بالتالي فلا يمكن مناقشة مسألة لا
تشكل أصلا عائقا في الممارسة العملية، فالإصلاح يجب أن يتعلق بمكامن الخلل إن وجدت.
وفي الختام، إن المحاماة لم تكن يوما مهنة كباقي المهن وإنما تعتبر رسالة كونية.و لا ننكر أن إصلاح المهنة واقع يتطلبه تطورها، و الارتقاء بها يعد ارتقاء بمرفق العدالة على اعتبار أنها من المهن المساعدة للقضاء، إلا أن ما يتضمنه المشروع الحالي فلن يكون سوى تراجعا عن مكتساباتها
- .الأستاذة لينة لوكيلي محامية بهيئة المحامين لدى محكمة الاستئناف بأكادير كلميم والعيون
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



