
العقوبة انتهت…فلماذا لا ينتهي العقاب؟
- اعداد بدر شاشا //
في المغرب، حين يُحكم على شخص بعقوبة سالبة للحرية وينفذها كاملة، يفترض منطق العدالة والإنصاف أن تنتهي القصة عند باب السجن لحظة الخروج. دخل السجن مواطناً ارتكب خطأ أو كان بريء وظلم او تعرض للخداع رغم ذلك أدى ماعليه، وخرج وقد أدى واجبه تجاه المجتمع والدولة. لكن الواقع يقول شيئاً آخر، واقع أكثر قسوة ومرارة، حيث لا تنتهي العقوبة بانتهاء مدتها، بل تتحول إلى عقوبة صامتة ودائمة اسمها السجل العدلي وشهادة حسن السيرة والسلوك.
نحن نتحدث كثيراً عن الإصلاح وإعادة الإدماج، عن الفرصة الثانية، عن دولة الحق والقانون، لكننا عملياً نطالب من أدى عقوبته أن يواصل دفع الثمن بقية حياته. يُطلب منه سجل عدلي نظيف، ويُطلب منه إثبات حسن السيرة والسلوك، وكأن السجن لم يكن كافياً، وكأن العقوبة لم تُنفذ، وكأن المجتمع لم يشبع من العقاب بعد.
المفارقة المؤلمة أن من دخل السجن يخرج منه ليصطدم بسجن أكبر، سجن غير مرئي، بلا قضبان ولا حراس، لكنه أكثر قسوة. سجن الرفض، سجن الشك، سجن “أنت غير صالح”. لا عمل، لا وظيفة، لا فرصة، لا ثقة. يعيش عقوبة بعد عقوبة، ويدفع ثمن خطأ واحد مرات لا تُحصى.
إذا كنا فعلاً نريد الإصلاح، فعلينا أن نعيد تعريف معنى العقوبة. العقوبة ليست انتقاماً، وليست وصماً أبدياً، وليست حكماً بالموت الاجتماعي. العقوبة هي وسيلة لتقويم السلوك، وحماية المجتمع، ثم إعادة الفرد إلى الحياة الطبيعية مواطناً صالحاً. أما أن نُبقي السجل العدلي سيفاً مسلطاً على رقاب الناس، فهذا لا يُنتج سوى الإقصاء، والبطالة، واليأس، وأحياناً العودة إلى الجريمة.
رد الاعتبار في المغرب، كما هو معمول به اليوم، معقد، بطيء، ومشروط بشروط تكاد تكون مستحيلة. سنوات انتظار، مساطر إدارية، طلبات، وثائق، إثباتات، وفي النهاية قد يُرفض الطلب دون تعليل مقنع. وكأننا نقول للشخص: أصلِح نفسك، لكن دون أن نمنحك أدوات الإصلاح. اشتغل، لكن لا نُشغّلك. كن صالحاً، لكن سنذكّرك دائماً بماضيك.
الأصل، إذا أردنا العدالة الحقيقية، أن يكون رد الاعتبار تلقائياً بمجرد تنفيذ العقوبة كاملة. أدى واجبه؟ نعم. انتهت العقوبة؟ نعم. إذن يُعاد له اعتباره فوراً. يمكن للدولة أن تفرض تعهداً أخلاقياً، أو تتبعاً اجتماعياً، أو برامج إدماج، لكن دون أن تُبقيه رهينة ورقة اسمها السجل العدلي.
الأدهى من ذلك أن السجل العدلي وشهادة حسن السيرة والسلوك تُطلب في كل شيء تقريباً، في القطاع العام والخاص، في وظائف بسيطة لا علاقة لها بالأمن ولا بالمال العام ولا بالأسرار الحساسة. لماذا يُطلب سجل عدلي لمن يريد عملاً يدوياً؟ لماذا يُقصى شخص من وظيفة إدارية عادية رغم أنه أدى عقوبته؟ أين المنطق؟ أين التناسب؟ أين روح الإصلاح؟
السجل العدلي يجب أن يُحصر فقط في المناصب الحساسة جداً، تلك المرتبطة بالأمن، بالقضاء، بالمال العام، وبالمسؤوليات الكبرى. أما باقي القطاعات، فيجب أن تُفتح أمام كل من أدى عقوبته، لأن العمل هو أول طريق الاستقامة، والبطالة هي أول طريق الانحراف.
المغرب اليوم في حاجة إلى شجاعة تشريعية وأخلاقية. في حاجة إلى الاعتراف بأن العقوبة إذا نُفذت يجب أن تُمحى آثارها، لا أن تتحول إلى لعنة أبدية. في حاجة إلى الانتقال من منطق العقاب إلى منطق الإصلاح، ومن منطق الشك إلى منطق الثقة، ومن منطق الإقصاء إلى منطق الإدماج لا يعقل يأدي عقوبته ويبقى يعيش في عقوبه
لا يمكن أن نطلب من شخص أن يكون صالحاً ونحن نغلق في وجهه كل الأبواب. لا يمكن أن نتحدث عن إعادة الإدماج ونحن نُصرّ على تذكيره كل يوم بأنه “سابق”. العدالة الحقيقية لا تكتفي بالحكم، بل تعرف متى تُنهي الحكم.
العقوبة انتهت، والواجب أُدي، وما تبقى يجب أن يكون حياة جديدة، لا عقوبة جديدة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



