المغرب اليوم

أطفال القصر الكبير في حاجة إلى مخيمات تربوية لا وهم التعليم عن بُعد

  • بقلم : بوشعيب حمراوي//

لم تكن الفيضانات التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرد حدث طبيعي عابر، بل تحولت إلى مأساة اجتماعية وإنسانية أغرقت أحياءً سكنية كاملة، وخلّفت أوضاعًا قاسية مست أساسًا الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال والتلاميذ.
فبين منازل غمرتها المياه، وأسر اضطرت إلى مغادرتها نحو الخيام، والمدارس، ودور الطالب، وفضاءات الإيواء المؤقت، وجد آلاف الأطفال أنفسهم خارج كل شروط الاستقرار النفسي والاجتماعي، وفي وضع لا يسمح لا بالتعلّم ولا بالحياة الطبيعية.

في هذا السياق الاستثنائي، يبرز مقترح ترحيل الأطفال المتضررين مؤقتًا إلى المخيمات الوطنية التربوية كحل إنساني واستعجالي، يضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب الأولويات، بدل الاكتفاء بتدابير شكلية لا تلامس جوهر الأزمة.

يهدف هذا المقترح، أولًا، إلى تمكين الأطفال من التعليم الحضوري، والترفيه، والتغذية السليمة، والمبيت الآمن داخل فضاءات مؤهلة، تحفظ كرامتهم وتعيد لهم جزءًا من الإحساس بالأمان والاستقرار. كما يتيح، ثانيًا، توفير مصاحبة نفسية وصحية حقيقية، قادرة على التخفيف من آثار الصدمة التي خلّفتها الفيضانات، خاصة لدى الأطفال الذين عاشوا الخوف، والفقد، والتشرد المفاجئ. أما ثالثًا، فيسهم هذا الإجراء في تخفيف الضغط عن الأسر المتضررة، التي تعيش اليوم أوضاعًا خانقة داخل فضاءات غير مهيأة، وتحتاج إلى وقت وجهد لإعادة ترتيب أوضاعها المعيشية والاجتماعية.

في المقابل، يطفو إلى السطح من جديد اقتراح التعليم عن بُعد، وكأنه حل سحري يمكن تنزيله في كل الظروف، غير أن هذا الطرح يظل، في حالة القصر الكبير، بعيدًا عن الواقع الميداني، بل ويكشف أحيانًا عن قطيعة واضحة مع معاناة الناس اليومية.

فكيف يمكن لتلاميذ فقدوا منازلهم، أو يعيشون في الخيام وفضاءات الإيواء المؤقت، أن يتابعوا دراستهم عن بُعد؟ وبأية وسائل تقنية؟ وأي أنترنت؟ وأي فضاء هادئ يسمح بالتركيز والتعلّم؟ ثم كيف نطلب من طفل يعيش اضطرابًا نفسيًا، وخوفًا مستمرًا، أن ينخرط في تعليم رقمي يفترض حدًّا أدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي والتقني؟
إنّ التعليم عن بُعد ليس حلًا في سياق الكوارث، بل يصبح في مثل هذه الحالات مجرد شعار للاستهلاك الإداري، يهرب من مواجهة الواقع، ويُحمِّل الضحية مسؤولية التكيّف بدل أن تتحمل المؤسسات واجب الحماية والرعاية.

وعليه، فإنّ الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تسويق حلول افتراضية، بل في اعتماد إجراءات ميدانية ملموسة، قوامها حماية الأطفال، وضمان تعليم حضوري مؤقت داخل فضاءات آمنة ومؤطرة، إلى حين عودة الاستقرار، في انسجام مع روح التضامن الوطني، ومنطق الدولة الاجتماعية، وواجب الإنصاف في زمن الأزمات.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى