الثقافة

بلخياط: رحلة صوتٍ عذب من حضن الذوق الملكي إلى مقام السكينة

  • بقلم : بوشعيب حمراوي//

برحيل الحاج عبد الهادي بلخياط، لا يشيّع المغرب فنانًا كبيرًا فقط، بل يودّع صفحة ناصعة من تاريخه الثقافي، سيرة صوتٍ عاش الخلود مرتين: مرةً في ذاكرة الأغنية المغربية العصرية، ومرةً في مقام الصفاء الروحي حين اختار الاعتزال والتفرغ للذكر والقرآن.

ظهر بلخياط في زمنٍ كانت فيه الأغنية المغربية تُصاغ على مهل، وتُبنى على أسس الكلمة العميقة، واللحن المركّب، والأداء المنضبط. كان ذلك زمنًا مفصليًا تزامن مع عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي لم يكن راعيًا للفن فحسب، بل ذوّاقًا كبيرًا للأغنية المغربية العصرية، ناقدًا خبيرًا بالمقامات، وحاضنًا حقيقيًا للمواهب الجادة.

في هذا المناخ الراقي، لم تكن النجومية تُمنح، بل تُكتسب بالجدارة، ولم يكن الفن ترفًا، بل جزءًا من مشروع ثقافي يبرز هوية  للدولة.

وسط هذا السياق، برز عبد الهادي بلخياط كظاهرة صوتية وفنية متفرّدة. صوته العريض، العميق القرار، القادر على حمل الجمل اللحنية الصعبة دون افتعال، جعله واحدًا من الأصوات التي تُعرف من أول نبرة. لم يكن فنان استعراض، ولا مطرب مناسبات، بل مايسترو الصوت والمعنى. أغانيه لم تُكتب لتُستهلك سريعًا، بل لتُقيم في الوجدان: أغنية (قطار الحياة) بوصفها استعارة كبرى لمسار الإنسان، و(القمر الأحمر) كحالة شجن وتأمل وقلق وجودي، وأعمال أخرى جعلت من الغناء مساحة للفلسفة الهادئة لا للضجيج.

في عهد الحسن الثاني، حيث كانت الإذاعة والتلفزة تصنعان الذوق العام بمعايير الجودة، وجد بلخياط مكانه الطبيعي. انسجم فنه مع رؤية ملكٍ يقدّس المعنى والسمو، ويؤمن بأن الأغنية المغربية العصرية ينبغي أن تكون مرآة للرقي الحضاري. لم يكن حضوره نتيجة مجاملة أو قرب، بل ثمرة موهبة صلبة واختيارات صارمة. اشتغل مع كبار الملحنين والشعراء، وقلّل من الإنتاج دون أن يقلّل من القيمة، فكان حضوره حدثًا، لا تكرارًا.

غير أن التحوّل الأكبر في مساره، والذي جعله حالة إنسانية نادرة، كان قراره الاعتزال وهو في أوج عطائه. لم يكن انسحابًا غاضبًا ولا احتجاجًا صاخبًا، بل اختيارًا داخليًا عميقًا. أصغى لنداء آخر، نداء الروح، فآثر السكينة على التصفيق، واليقين على الشهرة، والذكر على الأضواء. اعتزل بصمت، وظل وفيًّا لخياره، لا عودة ولا توظيف رمزي لتاريخه الفني، في زمنٍ يعود فيه كثيرون بدافع الحنين أو الحاجة.

هنا تتجلّى فرادة بلخياط: فنان تشكّل في حضن الذوق الملكي الرفيع، ثم ختم مساره بصفاء المتصوف. من يتربّى فنيًا في مدرسة ترى الفن قيمة أخلاقية، لا يمكن أن يكون فنه عابرًا أو منفصلًا عن القيم. لذلك بدا اعتزاله امتدادًا منطقيًا لمسارٍ بدأ أصلًا بالبحث عن المعنى، لا عن الصخب.

في ذاكرة المغاربة، ارتبط صوته بمحطات شخصية وجماعية: أمسيات الراديو الهادئة، أسفار طويلة ترافقها أغنية، لحظات حزن أو تأمل يجد فيها المستمع نفسه داخل الكلمات. ومع رحيله اليوم، تُفتح دفاتر الذكريات، ويعود الحنين إلى زمنٍ كانت فيه الدولة تحمي الذوق، وكان الفن رسالة، وكان الصوت الصادق يجد مكانه دون ضجيج.

يرحل الحاج عبد الهادي بلخياط جسدًا، لكن أثره باقٍ: في الأغنية المغربية التي ساهم في تشييد لبناتها المتينة، وفي درسٍ إنساني صامت مفاده أن النجاح لا يُقاس فقط بما نبلغه، بل أيضًا بما نملك من جرأة على تركه حين ينادينا معنى أعمق.

عبد الهادي بلخياط (1940 – 30 يناير 2026) مغنٍّ مغربي يُعدّ من أعمدة الأغنية المغربية الأصيلة، إلى جانب عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني ومحمود الإدريسي  ونعيمة سميح ..، حيث سيطر جيلهم على الساحة الفنية لما يقارب نصف قرن. وُلد بمدينة فاس، وتنقّل في شبابه بين الدار البيضاء والرباط. انطلقت مسيرته الفنية منذ ستينيات القرن الماضي بعد التحاقه بالإذاعة الوطنية. تميّز بصوته القوي وأدائه الرفيع، وقدم أعمالًا خالدة مثل القمر الأحمر ورموش والهاتف، كما أدى نشيد العرش سنة 1962. خاض أيضًا تجارب سينمائية، قبل أن يعتزل الغناء سنة 2012 وينضم إلى جماعة الدعوة والتبليغ، ثم عاد لاحقًا لتقديم الأغنية الدينية والصوفية، ليظل رمزًا فنيًا راسخًا في الذاكرة المغربية.

رحم الله الحاج عبد الهادي بلخياط رحمة واسعة، وجعل فنه النقي وقراءته الخاشعة للقرآن في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وجمهوره الواسع جميل الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى