الاقتصاد

حين امتلأت السدود…وبقي سؤال الماء معلّقًا!

  • بقلم: حسن كرياط//

مع نهاية سنة 2025 وبداية 2026، تنفّس المغاربة الصعداء. تساقطات مطرية استثنائية، سدود امتلأت، وخرائط رسمية عادت لتُلوَّن بالأزرق بعد سنوات من الاصفرار المقلق. بدا المشهد وكأنه إعلان هدنة مؤقتة مع شبح العطش.
لكن، هل يكفي أن تمتلئ السدود لنعلن نهاية أزمة الماء؟
الجواب، بكل واقعية، هو: لا.
لقد كشفت هذه التساقطات الغزيرة مفارقة عميقة في تدبيرنا للمورد المائي. فبينما منحتنا السماء فرصة ثمينة لإعادة ترتيب أوراقنا، تعاملنا معها، مرة أخرى، بمنطق الارتياح المؤقت، لا بمنطق الإصلاح المستدام.
صحيح أن نسبة ملء عدد من السدود ارتفعت بشكل لافت، وأن مخزون المياه تحسّن مقارنة بالسنوات العجاف السابقة. لكن التجربة علمتنا أن سنة مطيرة لا تصنع أمنًا مائيًا، كما أن موسمًا جيدًا لا يعالج أعطاب منظومة كاملة.
الخطر الحقيقي هو أن تتحول هذه الوفرة الظرفية إلى ذريعة لتأجيل القرارات الصعبة: تأجيل محاربة الاستنزاف، تأجيل إصلاح منظومة السقي، تأجيل مواجهة اقتصاد الريع المائي، وتأجيل ترسيخ العدالة في توزيع الموارد.
لقد اعتدنا، في كل مرة تمطر فيها السماء بسخاء، أن ننسى بسرعة دروس الجفاف. نعود إلى التبذير، إلى حفر الآبار العشوائية، إلى استنزاف الفرشات المائية، وكأن الذاكرة البيئية قصيرة العمر.
الأدهى من ذلك، أن امتلاء السدود لم ينعكس دائمًا على حياة المواطن البسيط. فما زالت مناطق تعاني الانقطاع، وقرى تعيش على صهاريج متنقلة، وفلاحون يواجهون العطش رغم وفرة المياه المخزنة.
هنا تطرح الأسئلة المحرجة نفسها: أين الخلل؟ في التخزين؟ في التوزيع؟ في الأولويات؟ أم في غياب حكامة حقيقية تجعل الماء حقًا مشتركًا لا امتيازًا لفئة دون أخرى؟
القانون 36.15 أعلن أن الماء ملك عام، لكن الملك العام لا يُحمى بالشعارات، بل بالمراقبة الصارمة، والمحاسبة الجريئة، وربط القرار بالمصلحة الوطنية لا بالمصالح الضيقة.
إن ما حدث في شتاء 2025–2026 يجب أن يُقرأ كرسالة إنذار إيجابية: الطبيعة منحتنا فرصة جديدة، فإما أن نحسن استثمارها، أو نُهدرها كما أهدرنا فرصًا سابقة.
نحن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نحول هذه الوفرة إلى نقطة انطلاق لإصلاح جذري في السياسات المائية، أو نكتفي بالاحتفال المؤقت، في انتظار موجة جفاف جديدة تعيدنا إلى نقطة الصفر.
فالماء لا يحتاج إلى موسم مطير فقط، بل إلى دولة يقظة، ومؤسسات مسؤولة، ومجتمع واعٍ.
وحدها الحكامة الحقيقية قادرة على تحويل أمطار الخير إلى أمن مائي دائم… لا إلى فرحة عابرة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى